THE HAGUE, NETHERLANDS - DECEMBER 02: The International Criminal Court's Assembly of States Parties held in The Hague, Netherlands on December 02, 2019. (Photo by Abdullah Asiran/Anadolu Agency via Getty Images)

أين وعودُ العدالةِ مِن آلامِ ضحايا الحربِ في سوريا؟

04/22/2020 . By Ghuna Bdiwi

شهدت الفترة بين نهاية عام ٢٠١٩ وبداية عام ٢٠٢٠ بعض التطوُّرات بشأن ملف العدالة الجنائيَّة الدوليَّة، حاملةً بعض الوعود لأولئك الذين يطمحون في عدالةٍ كونيَّةٍ. وقد تكون أيضًا حملت بعضًا مِن بصيص الأمل في خضم واقع العجز الدولي والقانوني أمام الجرائم المُستمرِّة التي لا تُحصى ولا تُعدّ في سوريا. والسُّؤال المطروح هو: هل تستطيع هذه الوعود أن تضمر جراح الأمهات الثّكلى وتأتي بشيءٍ مِن الإنصاف لضحايا الحرب السوريَّة، أم إنِّها ستظلّ وعودًا على ورقٍ؟ أسئلةٌ تأتي على خلفيَّة حدثَيْن مهمَّيْن اخْتُتِم بهما العام، وهما مُخرجات مؤتمر جمعيَّة الدول الأعضاء في المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة (ASP) وصدور قانون «سيزر الأمريكي لحماية المدنيين في سوريا».

افْتُتِحَت في لاهاي في الثاني مِن كانون الأول عام ٢٠١٩ أعمال مؤتمر جمعية الدول (ASP)، حيث تجتمع سنويًّا الدول المُوقِّعة على اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدوليَّة بهدف التَّشاوُر في مُستجدات المحكمة بشكلٍ خاصٍّ وتطوُّرات العدالة الدوليَّة بشكلٍ عام. حمل الاجتماع تأكيد الدول الأطراف على أهميَّة عمل المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة وضرورة النهوض بها والحفاظ على شفافيَّتها ومواصلة تطوُّرها على اعتبارها الأداة الرَّئيسيَّة الممثَّلة للعدالة الجنائيَّة الدوليَّة، مع التَّأكيد على ضرورة العمل مِن أجل وضع حدٍّ لإفلات كبار المسؤولين مِن ارتكاب أخطر الجرائم المُرتكَبة ضد الإنسانيَّة مِن العقاب، بالإضافة إلى إصرار الدول الأعضاء على تعزيز الإيمان بسيادة القانون وعدم جواز استخدام المحكمة كأداةٍ للضغط السياسي، حيث تنال الدعم والتَّعويل عليها فقط عندما تكون الظُّروف ملائمةً للنخبة السياسية العالميَّة. كما طالبت الدول الأعضاء بالتَّطبيق العالمي لنظام روما الأساسي بحيث يُمكن الاحتكام له حتى إن لم تكُن الدولة المعنيَّة عضوًا في الاتفاقية. وتمَّ التَّأكيد على أهميَّة الجبر التعويضي ومُشاركة الضحايا في أثناء التحقيقات الأوَّليَّة لِمَا سيُعزِّز الثقة في المحكمة والأمل في النظام القضائي العالمي، بالإضافة إلى أهميَّة تنفيذ أوامر الاعتقال المُعلَّقة حتى اليوم ضد المُجرمين. وكانت هناك مطالب قويَّة، لا سيما مِن دولة كندا للتَّأكيد على استخدام لغة جندرية لمواد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدوليَّة وتعديلاته.

أُغْرِقَت محاور الاجتماع في قضيتَيْن جلبتا بعض الأمل بالعدالة الدولية بعد فترةٍ طويلةٍ مِن الجمود والإنكار، القضيَّة الأولى تمثَّلت في قرار المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة (ICC) السَّماح بالتَّحقيق في الجرائم المزعومة ضد الإنسانيَّة والنّزوح القسري والتّهجير منذ عام 2016 لِمَا يقدَّر بمليون وستمائة ألف مواطنٍ مِن مُسلمي الروهينغيا، مِن جمهورية اتحاد ميانمار إلى دولة بنغلاديش المجاورة لها. والقضيَّة الثَّانية تمثَّلت في قرار محكمة العدل الدوليَّة (ICJ) قبول النَّظر في الطلب المُقدَّم مِن دولة غامبيا ضد ميانمار، والمُتضمِّن اتِّهام الأخيرة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد مُسلمي الروهينغيا وكذلك انتهاك اتفاقية منع ومُعاقبة جريمة الإبادة الجماعيَّة لعام 1948، على اعتبار أنَّ محكمة العدل الدوليَّة هي الجهاز القضائي الرَّئيسي للأمم المتحدة الذي يتولَّى الفصل في النِّزاعات القانونيَّة التي تنشأ بين الدول طبقًا إلى أحكام القانون الدولي. وكنتُ قد تحدَّثت في مقالٍ نشرتُه قبل سفري لحضور اجتماع (ASP) عن أهميَّة هاتين القضيَّتَيْن، متفائلة بأنَّ قضيَّة الروهينغيا قد تأتي ببعض الأمل في ما يتعلَّق بملف المساءلة عن الجرائم في سوريا. فالحالة السورية يُمكن قياسها على حالة مُسلمي الروهينغيا، على الأقل قانونيًّا، بغضِّ النَّظر عن الرَّغبة أو الدَّوافع السياسيَّة لمثل هذا القياس. لم أكُن مُخطئةً في ما يتعلَّق بقضيَّة الروهينغيا، بالفعل، بدأ عام 2020 بقرار ولو أنَّه رمزي لكن أعتبره إيجابيًّا، مِن محكمة (ICJ) يتضمَّن إلزام جمهورية اتحاد ميانمار اتِّخاذ «تدابير مُؤقَّتة» لمنع أعمال الإبادة الجماعيَّة ضد مُسلمي الروهينغيا، واتِّخاذ تدابير فعَّالة لضمان الحفاظ على الأدلَّة المُتعلِّقة بادِّعاءات الأفعال التي تندرج في نطاق جريمة الإبادة الجماعية.

مِن أهمّ التعديلات الجوهرية أيضًا التي جاء بها اجتماع الدول الأعضاء على اتفاقيَّة روما، والتي اتُّخذ القرار بها ويُمكن التعويل عليها في ما يتعلَّق بالجرائم في سوريا، اعتماد جريمة التَّجويع (Starvation) كأسلوب حرب في النزاعات المُسلَّحة غير الدولية. اقتراح التعديل كان قُدِّم مِن دولة سويسرا، في حين وافقت عليه وصادقته الدول الأطراف، فقد اعْتُبِرت جريمة التجويع في ما مضى مِن جرائم الحرب المُتعلِّقة بالنِّزاعات المُسلَّحة الدوليَّة، لكن بموجب التعديل الجديد أصبح التَّجويع جريمةَ حربٍ سواء في النزاعات المُسلَّحة الدوليَّة أو غير الدوليَّة، وبالتالي أصبحت المحكمة الجنائية الدولية قادرةً على: (1) ضمان حماية المدنيين في النزاعات المُسلَّحة سواء الدولية أو غير الدولية. (2) تعزيز المساءلة ومنح المحكمة الجنائية الدولية الولاية القضائية على هذه الجريمة. (3) مسؤولية الدول الأطراف تضمين هذه الجريمة في ولاياتهم القضائية المحلية. (4) إضافة إلى أنَّ جريمة الحرب هذه ستجعل القانون الدولي الإنساني الحالي معولًا عليه في نظام روما الأساسي وممّا يُرافق ذلك مِن تعزيز للإطار القانوني الجنائي الدولي. والجدير بالذكر أنّ الحرب في سوريا صُنِّفت بشكل أساسي على أنَّها نزاعٌ مسلَّحٌ غير دولي، وهناك أكثر من 2.5 مليون سوري يُعانون من التجويع الممنهج وبالتالي يأتي التعديل الجديد ليُضيف توصيفًا لأعمالٍ إجراميةٍ بحقِّ المدنيين في سوريا.

أمّا عن الحدث الآخر الذي اخْتُتِم به عام ٢٠١٩ وهو توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ٢٠ كانون الأول ٢٠١٩ على قانون «سيزر لحماية المدنيين في سوريا ،»حيث هدف القانون إلى العمل على تفعيل الوسائل الاقتصادیَّة الدبلوماسیَّة والقسریَّة لوقف الهجمات القاتلة على الشعب السوري، وفرض عقوبات ومصادرة أموال كلّ شخصٍ يُشتبه في تورُّطه في أفعالٍ مُعيَّنةٍ، سواء أكان سوري الجنسيَّة أو يحمل جنسيةَ بلدٍ آخر ومنع تأشيرات دخول لهؤلاء الأشخاص إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كما يُؤكِّد القانون على دعم الأعمال المُتعلِّقة بمُحاسبة المُجرمين، ودعم عمليَّة الانتقال السياسي إلى دولة قانون تحترم حقوق الإنسان والتعایُش السلمي مع دول الجوار، كما أعطى القانون الحقّ للرئيس الأمريكي تعليق العقوبات في حالات مُعيَّنةٍ تتضمَّن التوقُّف عن ارتكاب الانتهاكات والإفراج عن المُعتقلين والسَّماح للجان الدولية بالتحقيق وإبداء النيَّة في تحقيق العدالة والعمل على المُشاركة في العمليَّة السياسيَّة.

ولتحليل مدى إمكانية الاستفادة مِن مُخرجات مؤتمر (ASP) ومِن قانون «سيزر لحماية المدنيين في سوريا»، لا بدّ مِن الإجابة عن أسئلةٍ عديدةٍ قبل إصدار أي فتوى قانونيةٍ. وفي ما يتعلَّق بالسابقتَيْن القضائيتَيْن المُتعلَّقتَيْن بموضوع النّزوح القسري والتهجير لمواطني الروهينغيا والإجبار على الخروج من ميانمار، وهي سابقة من الممكن أن تُشكِّل إمكانية يقاس عليها الوضع في سوريا، فمِن المعروف بأنّ الكثير مِن السوريين اضطرّوا مكرهين للفرار مِن بلدهم مِن أجل إيجاد ملاذٍ آمنٍ في البلدان المجاورة لسوريا، مثل الأردن ولبنان وتركيا. لقد تمَّ ترحيل أكثر مِن مليون سوري قسرًا إلى الأردن، وهي دولة تقع على طول المنطقة الجنوبية من سوريا. أثارت حقيقة أنَّ الأردن دولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية اهتمام محامين في مركز غيرنيكا للعدالة الدولية للبناء على قضية مماثلة وفقًا إلى قرار ميانمار. لذلك في مارس 2019، قدَّم المحامون طلب اعتماد على المادة 15 مِن نظام روما إلى مكتب المُدَّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، راجين فيه المحكمة الجنائية الدوليَّة بإعلان اختصاصها وفتح تحقيق في ما يتعلَّق بالترحيل القسري للمدنيين السوريين إلى الأردن، لكن مِن خلال وجودي في اجتماع الـ(ASP) لم أشعر بوجود أي نيَّة عند المُدَّعي العام لأخذ قرارٍ في هذا الطلب، قد تكون هناك نيَّةٌ على عدم أخذ قرارٍ حاليٍّ في هذا الملف خلال مدة ولاية عمل المُدَّعي العام، حيث تنتهي ولاية السيدة فاتو بنسودة، المُدَّعية العامَّة الحاليَّة للمحكمة الجنائية الدوليَّة، في 15 حزيران 2021، وعليه يُمكن الاستنتاج بأنّه لن يتمّ اتّخاذ أي قرارٍ في الطلب المُقدَّم قبل إتمام عمليَّة اختيار المُدَّعي العام الجديد أي بعد عامٍ ونصف العام مِن الآن على أقل تقديرٍ، لكنّ السؤال الأهمّ والعملي هو: ما مدى إمكانية إقدام دولة الأردن على الموافقة على دعم هذا الطلب أمام المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة؟ فمِن الواضح أنَّه حتى لو افترضنا أنَّ المحكمة أعلنت اختصاصها للنظر في الجرائم المُدَّعى بها، لا يزال تعاون الحكومة الأردنية مطلوبًا، وهو أمر سياسي بحت فقد يكون مرفوضًا حاليًّا مِن الحكومة الأردنية والقرار قابل للتغيُّر في المستقبل، لكنَّ الإشكالية القانونية يُمكن أنْ تتمثَّل في إمكانيَّة إثبات نيَّة الحكومة السورية التهجير القسري لمواطنيها، وهو ما شكَّك فيه العديد مِن المُختصِّين.

أمَّا في ما يتعلَّق بالسابقة المُتعلِّقة بطلب دولة غامبيا مِن محكمة العدل الدولية فتح التحقيق في الجرائم ضد الروهينغيا، فهي احتمالية أرجح حيث يستطيع أي مِن الدول صاحبة المصلحة رفعها، فوفقًا إلى اعتبار سوريا طرفًا في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها مِن ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية، فإنّه مِن الممكن لأي دولةٍ إحالة القضية إلى محكمة العدل الدوليَّة، مدَّعية انتهاك سوريا للاتفاقيَّة نتيجة استمرارها في أعمال العنف والتَّعذيب ضد المدنيين. ومع ذلك، يجب أن نُلاحظ أن محكمة العدل الدوليَّة ليست محكمةً جنائيةً بل هي محكمة تابعة إلى الأمم المتَّحدة تختصّ في حلّ النزاعات بين الدول للتوصُّل إلى صيغةٍ مُرْضِيَةٍ للطرفَيْن، لكنَّها ليست ذات طابعٍ جنائيٍّ ممَّا يعني أنَّه لا يمكن استعمال هذه المحكمة لمعاقبة مُجرمي الحرب جنائيًّا. قد تكون الفائدة الأساسية التي يُمكن تحقيقها مِن هذا الخيار هي الضغط على المجتمع الدولي لإجبار الحكومة السورية على السَّماح بالوصول إلى مراكز الاحتجاز التابعة إليها للتحقيق وتوثيق الموقف.

أمَّا بالنسبة إلى التعديل في اتفاقية روما واعتماد جريمة التجويع (Starvation) كأسلوبٍ للحرب في النزاعات المُسلَّحة غير الدولية، فهو بالطبع تقدُّمٌ مُهمٌّ في القانون الجنائي الدولي، لكن يبقى السؤال: أين هي المؤسسة الجنائية التي سوف تقوم بملاحقة الجُناة ومعاقبتهم؟

وفي خضم الإشكالية القانونية المُتمثِّلة في انعدام المؤسسات ذات الاختصاص للنظر في الجرائم ضد الإنسانية المُستمرِّة يوميًّا في سوريا ومعاقبة مُرتكبيها، يأتي قانون «سيزر لحماية المدنيين في سوريا» محاولًا سدّ الفراغ في نظام العدالة، ومع أنَّ القانون لاقى استحواذ الكثير مِن الناشطين والحقوقيين على وسائل التواصل الاجتماعي حيث شكَّل بصيص أمل في واقع العجز الدولي والقانوني، في الوقت ذاته البعض تخوَّف من التّأثير السَّلبي للقانون على المدنيين في الداخل السوري وزيادة عجزهم وقلَّة حيلتهم أضعافًا مضاعفة. على ما أعتقد سوف نتمكَّن وفي المستقبل القريب مِن معرفة التأثيرات الفعليَّة لهذا القانون على ردع مُجرمي الحرب ووقف العنف والصِّراع القائم في سوريا وأثره على قبول الحكومة السورية الدخول في عملية انتقال سياسي حقيقية في البلاد. وبكلِّ الأحوال نأمل أن لا يكون قانون «سيزر» أداةً سياسيةً لزيادة مكاسب الدول في الحرب السوريَّة، وإنَّما نأمل بأن يُحقِّق القانون الغاية التي يرجاها السّوريون، ألا وهي مُحاسبة كلّ مَن أجرم في حقِّ الشعب السوري كائنًا مَن كان وتحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم.