(Photo by Nicolas Economou/NurPhoto via Getty Images)
تعليق

إجراءات صارمة ضد “التيك توك” في مصر بدعوى الحفاظ على “قيم الأسرة”

قضت المحكمة الاقتصادية في القاهرة خلال يوليو بمعاقبة السَّيدتَيْن “حنين حسام” و”مودة الأدهم” بالحبس لمدة عامين وغرامة قدرها 300 ألف جنيه مصري (أي ما يُعادل 18,750 دولارًا أمريكياً) على كلٍّ منهما بتُهمة “انتهاك قيم الأسرة ومبادئها”. وأعقب ذلك الحُكم معاقبة “منار سامي” بالسجن ثلاث سنوات وتغريمها نفس الغرامة، كما حدّد القاضي كفالة قدرها 20 ألف جنيه مصري (1,250 دولارًا) لتعليق الحُكم الصادر عليها في انتظار الاستئناف. كانت النِّساء الثلاث مُستخدِماتٍ شهيراتٍ لمنصَّة التواصل الاجتماعي (تيك توك) حيث يقترب عدد مُتابعي “حنين حسام” مِن المليون، بينما لدى “مودة الأدهم” 3.2 مليون مُتابِع ولـ “منار سامي” أكثر مِن 185 ألف مُتابعٍ.

هذه الأحكام الثَّلاثة هي آخر التطوُّرات في حملة أوسع مِن الاعتقالات تستهدف الفتيات المُتَّهمات بتحميل مقاطع فيديو تنتهك “قيم الأسرة” على المنصَّة، وذلك ابتداءًا مِن اعتقال “حنين حسام” في 21 أبريل الماضي حيث اعتقلت السّلطات ما لا يقلّ عن تسع نساءٍ حتى الآن. وبالإضافة إلى الثَّلاثة اللاتي صدرت بحقهنَّ أحكام قابلة للطّعن، فقد ألقت السُّلطات القبض على ست نساء أُخريات مِن مُستخدمي (التيك توك) معظمهنَّ لا يزلن رهن الحبس الاحتياطي حيث يجري التحقيق معهنَّ في تُهمٍ مماثلةٍ.

لقد حظي استخدام المنصَّة الجديدة – خاصةً مِن قبل النساء – على اهتمام السُّلطات المصرية التي سعت بدورها إلى توجيه تُهمٍ أخلاقيةٍ إلى المُتَّهمات وضبط الأرباح المالية للشخصيّات المُؤثّرة والسيطرة على التعبير المُستقلّ عن الرأي.

قيم الأسرة وقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية

قامت السُّلطات بتوجيه تُهمة “انتهاك مبادئ الأسرة في المجتمع المصري” بموجب قانون الجرائم الإلكترونية في البلاد الصادر عام 2018 إلى جميع النِّساء الّلاتي تمّ القبض عليهنَّ خلال الحملة الحالية. وعلى الرغم من أنّ هذا النصّ التَّشريعي أثار عددًا مِن المخاوف المختلفة سابقاً ولاحقاً لاعتماده، فقد استندت السُّلطات تحديدًا إلى مادتَيْه رقم 25 و26 لدى اتِّهام السّيدات مُستخدمات (التيك توك).

تنصّ المادة 25 التي تحظر استخدام التكنولوجيا في “انتهاك أي مِن المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري” على عقوبةٍ لا تقلّ عن الحبس ستّة أشهر وغرامة تتراوح بين 50 ألفًا و100 ألف جنيه مصري (ما بين نحو 3,100 و6,200 دولارٍ)، في حين تحظُر المادة 62 نشر المواد “المُخلَّة بالآداب العامة” وتنصّ على عقوبة بالسجن لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وغرامة تتراوح بين 100 ألف و300 ألف جنيه مصري (نحو 6,200 إلى 18,700 دولار).

تشكّل موجة الاعتقالات والتُّهم الأخيرة سابقة جديدة كما تمثّل بعضاً من الحالات الأولى التي تُطبّق فيها مواد هذا التشريع الحديث نسبيًّا. ولم يتمَّ الاستناد إلى هذه المواد في التحقيق واتّهام مُستخدمي (التيك توك) بشكل متكرّر فحسب بل استعانت السّلطات بهذه المواد في اتِّهام مُستخدمي منصَّات التواصُل الاجتماعي الأخرى أيضًا. ففي يونيو الماضي حُكِم على الرَّاقصة “سما المصري” بالسّجن ثلاث سنوات ودفع 300 ألف جنيه مصري كغرامة لـ “الإخلال بالآداب العامة” وذلك بموجب قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية نفسه لنشرها مقاطع فيديو على (فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب).

في فبراير الماضي، حُكم على المُدوِّن “أنس حسن” بالسجن ثلاث سنوات وغرامة 300 ألف جنيه مصري لإدارته صفحة “المُلحدين المصريين” على (فيسبوك). وقد أشارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR) التي مثّلت “أنس حسن” في المحكمة إلى قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية (وخاصةً المادة 25 التي استُخدمت في اتّهام “أنس حسن”) باعتباره “ذريعةً لمحاكمة العديد مِن المُدوِّنين وصُنَّاع المحتوى على الإنترنت.”

يشير بيان النيابة العامة الصادر في مايو واللاحق للاعتقالات الأوَّلية المتعلقة بـ (تيك توك) إلى دور النيابة الملموس في تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية، لا سيّما في تشبيهها للإنترنت بالحدود التي تتطلَّب “ردعًا واحترازًا تامّين” لمُعالجة “ظاهرة تسعى مِن ورائها قوى الشَّر إلى إفساد مُجتمعنا وقيمه ومبادئه، وسرقة براءته وطهارته… لتدفع شبابه وبالغيه إلى حافَّة الدَّمار.”

التُّهم الأخلاقيَّة

لقد كان مِن الشَّائع في القانون المصري، حتّى قبل إصدار هذا القانون والاستناد إلى مادتَيْه رقم 25 و26، استخدام تُهم بصياغة مُبهمة تتعلَّق بقيم الأسرة والآداب العامَّة تجاه النِّساء والفئات المُهمَّشة والفئات الأخرى. وقد سمحت الطَّبيعة الغامضة لتلك الاتِّهامات بتطبيقها في نطاقٍ واسعٍ مِن السّياقات.

تهدف هذه التّهم إلى وضع الدولة في منصب الحارس على الآداب العامّة. وفي الواقع، تظهر المادة العاشرة مِن الدستور الكثير عندما تنصّ على أنّ الدولة “تحرص على تماسكها [الأسرة] واستقرارها وترسيخ قيمها.”

توجد بموازاة ذلك صياغات مشابهة لهذا القانون في تشريعات أخرى مِن بينها قانون المُنظّمات غير الحكومية الذي صدر العام الماضي. فعلى سبيل المثال، تحظُر المادة 178 مِن قانون العقوبات المصري توزيع أو نشر أصناف المحتوى “المخالفة للآداب العامة” وتنصّ على عقوبة تصل إلى الحبس لمدة عامَيْن وغرامة قدرها 500 ألف جنيه مصري (نحو 31,200 دولارٍ) للمخالفين.

على الرغم من أنّ القانون المصري لا يحظر المثلية الجنسية صراحةً، فقد عملت الدولة في عددٍ مِن المُناسبات على تطبيق القانون رقم 10 لسنة 1951م والذي يحظُر “الفجور” جنباً إلى جنب مع المادتين 269-مكرّر و278 من قانون العقوبات اللتين تحظران “الفسق” و”الأفعال الفاضحة المُخلَّة بالحياء” على الترتيب. ويمنح قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية والتشريعات الأخرى السّلطات سُلطة مُراقبة المواد المنشورة وممارسة مستوى معيّن مِن الرقابة على أصناف المحتوى بصفةٍ عامةٍ. لكن غالبًا ما يتمّ توجيه التّهم الأخلاقية نتيجةً للشكاوى والدعاوى القضائية التي يرفعها المواطنون العاديون.

قبل اعتقال “حنين حسام”، الطَّالبة في السَّنة الثانية في جامعة القاهرة، قامت الجامعة بالتحقيق معها لأنّ “سلوكها يتنافَى مع الآداب العامَّة والقيم والتقاليد الجامعية”، وذلك حسبما أشار إليه رئيس الجامعة السيد محمد الخشت في بيانه. أمَّا قضية “سما المصري” فبدأت بدعوى قضائية رفعتها “ريهام سعيد” مُقدِّمة البرامج التليفزيونية جرَّاء نزاع ليست له علاقة على ما يبدو بالتّهم التي أُدينت بارتكابها. وقد رُفعت قضيَّتان أُخريان على الأقل تحت قانون الجرائم الإلكترونية ضد المُغنِّيَّة “شيماء” و”رضا الفولي” نتيجة لدعاوى قضائية رفعها أيضًا مواطنون عاديون.

إضافةً إلى ذلك، يلفت العديد مِن المُراقبين النظر إلى الصفات المشتركة للفئة الموجودة تحديدًا في حملة اعتقالات (التيك توك) وغيرها بالنَّظر في الذين اعتُقِلوا وطبيعة الاتِّهامات المُوجَّهة إليهم. فقد أشارت البيانات والاتهامات المُوجَّهة إلى النساء مرارًا وتَكرارًا إلى ترويج الدعارة والاتِّجار بالبشر و”التربُّح من الإنترنت”، ممّا يسمح للنيابة بتصوير هذه القضايا ليس على أنَّها مسائل تتعلّق بالتعبير العام أو بـ “القيم الأسرية”، بل كقضايا ضد الوسائل غير المشروعة التي تسعى إليها النساء مِن الطَّبقة الدُّنيا والمتوسِّطة لربح الأموال وتوظيف أُخريات ليفعلن الأمر ذاته.

وفي تصريح لـ “لبنى درويش” مسؤولة ملف النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR)، قالت لموقع “مدى مصر” إنَّ مثل هذه الاتهامات “ترجع إلى الرّقابة العامَّة والتربُّص لأي محتوى تُقدِّمه النساء على الإنترنت، وهو ما يرتبط دائمًا بمكانتهنَّ الطبقية.”

وقد ألقت السُّلطات القبض على “شريفة رفعت” وابنتها “نورا هاشم” – الشهيرتَيْن باسم “شيري هانم” و”زمرّدة” بالترتيب – في يونيو الماضي وتمّ استجوابهما بخصوص “نشر مقاطع فيديو مُخلَّة تحتوي على إيحاءاتٍ جنسيةٍ”، كما وجَّهت إليهما النيابة تُهمة العمل في الدعارة ودعوة آخرين لممارستها. وبعد اعتقال “حنين حسام” في أبريل اتّهمها بيان النيابة العامة بسلسلةٍ مِن الجرائم المماثلة، مما حدَّد نغمة الأسلوب الذي ناقشت به منابر الإعلام الحكومي والمحلي تلك القضايا. ومع ذلك لم تثبت إدانة “حنين حسام” بأي مِن هذه التُّهم عند محاكمتها.

دعوات مِن أجل الحرية

عبَّرت مُنظَّمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية عن قلقها حيال إجراءات القمع الأخيرة، كما استنكرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات هذه الحملة للاعتقالات ضد النساء ووصفتها بأنَّها “تقييد لحرية الأفراد عبر فرض مفهوم أخلاقي مُعيَّن أو منظومة قيم بشكل يحدّ مِن تمتّعهم الكامل بحقوقهم وحرياتهم التي يحميها قانون الحقوق الدولي.” ودعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR) إلى الإفراج الفوري عن “مِنَّة عبد العزيز” البالغة من العمر 17 عامًا والتي اعتُقلت بعدما نشرت مقطع فيديو تظهر فيه وهي مُصابة بكدماتٍ شديدةٍ وتتهم رجلًا باغتصابها. ورغم إلقاء القبض على ستَّة آخرين مُرتبطين بشهادتها تلك، فقد صاحَبت هذه الحركة اعتقال “مِنَّة عبد العزيز” في قضيةٍ منفصلةٍ بتُهمة “إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والتحريض على الفجور وانتهاك قيم المجتمع المصري” وجرى احتجازها منذ شهر مايو في مأوى يُديره المجلس القومي للمرأة. وفي ذلك طالبت المبادرة المصرية (EIPR) التي مثّلت “منَّة عبد العزيز” في القضيتين النيابة العامة بإسقاط جميع التُّهم المُوجَّهة لها “حتى تتمكَّن مِن التَّعافي مِن الآثار النَّفْسية والجسدية للاعتداءات التي تعرَّضت لها على أيدي المُتَّهمين.”

كما دعت منظّمة العفو الدولية إلى إطلاق سراح النّساء ووصفت هذه التطوّرات بأنّها جزء مِن “وسائل القمع الجديدة للسيطرة على الفضاء الإلكتروني عن طريق فرض الرقابة على أجساد النساء وسلوكهنّ وتقويض قُدرتهنّ على كسب عيشهنّ بشكلٍ مُستقلٍّ.” وقد وزَّعت حملة شعبية تقودها مجموعة مِن النساء عريضةً باستخدام هاشتاغ “بعد إذن الأسرة المصرية” وطالبت بإطلاق سراح المُتَّهمات بقضايا (التيك توك) وأعربت عن اعتراضها على طبيعة التُّهم المُبهمة المُوجَّهة إليهنَّ طارحةً سؤالاً يقول “إذا تمَّت معاقبة نساء (التيك توك) من أجل محتواهنّ الذي “ينتهك…قيم الأسرة المصرية” فهل يُمكننا على الأقل معرفة ما هي هذه القيم؟” وقد حصلت هذه العريضة على عشرات الآلاف مِن التوقيعات حتى الآن.

شكر خاص للسيدة “ياسمين عمر” المُساعدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشَّرق الأوسط على دعمها البحثي.