An Egyptian demonstrator holds a cross and the Quran in Tahrir Square on February 10, 2011. (PEDRO UGARTE/AFP via Getty Images)
تعليق

الملحدون في مصر .. الحياة على حافة “الموت المدني”

.here Read this article in English 

لا تزال معاناة الملحدين وغير المؤمنين في مصر مستمرة، بالرغم من الإشارات الإيجابية من جانب المسئولين عن احترام حرية الدين أو المعتقد. يعيش الملحدون في مصر بين الملاحقة الأمنية والنبذ المجتمعي، لم تتوقف المؤسسات الرسمية عن محاربة الإلحاد بشكل علني وصريح وبدون هوادة منذ العام 2014، الذي شهد الإعلان عن خطة حكومية لمكافحة الإلحاد. وبدا أن هناك خطابين رسميين معلنين:  

الخطاب الأول يمثله تصريحات رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي مؤكدا باستمرار على احترام حرية الدين أو المعتقد لجميع المصريين. خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان تحدث بوضوح عن احترام الدولة لحرية الأشخاص في عدم الإيمان قائلًا: “لو واحد قال لي أنا مش مسلم ولا مسيحي ولا يهودي ولا أي دين في الدنيا.. أنت حر، ده أنا إكمني غيور على ديني بحترم إرادته، لأن الأصل في الموضوع هو الحرية، حرية المعتقد اللي ربنا كفلها لينا، قال لك انت حر تؤمن أو لا تؤمن.” 

 على نقيض ذلك يسود خطاب ثاني تجسده سياسات وممارسات قطاعات أخرى رسمية ودينية تعتبر الملحدين إما عدو محتمل أو مصدر توتر وتهديد، وإما مرضى يحتم عليهم الخضوع لعلاج قسري من أجل إعادتهم إلى صوابهم! 

أنصار هذا الإتجاه يتعاملون مع الإلحاد على أنه ظاهرة جديدة بدأت في الظهور خلال السنوات التالية لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وأن أعداد الملحدين آخذة في التزايد. في حين أن مصر شهدت عبر تاريخها وجود مؤمنين وغير مؤمنين، وهو ما سُجّل خلال الفترة الليبرالية، عندما نشبت معركة فكرية بين اثنين من الكتاب عام 1937، حين كتب إسماعيل أدهم مقاله الشهيرلماذا أنا ملحد؟فرد عليه كاتب آخر بمقال عنوانهلماذا أنا مؤمن؟“. ويمكن القول أن حالات فردية أعلنت عن إلحادها خلال فترات متعاقبة، لكنها لم تجسد ظاهرة عامة، كما كان طرحها في المجال العام بمثابة تابوه، إلى أن وفرت وسائل الاتصال الاجتماعي للشباب منافذ للتعبير عن ذواتهم وآرائهم بحرية، وأسُسّت صفحات على موقع الفيس بوك وغيرها تدعو إلى الاعتراف بالإلحاد وعدم إجبار الملحدين على إنكار معتقداتهم، كما ظهروا في برامج تلفزيونية عامة، ورفعوا مطالبهم بالحرية الدينية وعلمانية الدولة.

 

خلال تلك الفترة، تعرض عدد من الملحدين للملاحقة القانونية والاجتماعية، سواء بالمحاكمة بتهمة ازدراء الأديان أو المضايقات الاجتماعية مثل ألبير صابر، لكن بشكل عام لم يتعرضوا لخطاب كراهية وتحريض صريح وبشكل مؤسسي. في عام 2014، حدث تحول واضح بإعلان وزارة الشباب عن خطة وطنية حكومية لـمواجهة الإلحاد والقضاء عليه بالتعاون مع المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية.

نشاط ملحوظ للمؤسسات الدينية 

اتفقت المؤسسات الدينية إسلامية ومسيحية على محاربة الإلحاد باعتباره عدوا وتهديدا حقيقيا لدورها ورؤاها

 الدينية شديدة المحافظة، فقد نشطت المؤسسات الإسلامية الرسمية: الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء في تنظيم الفاعليات المختلفة. وصرح وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة بأن هناك خطة للتحصين من الإلحاد لمواجهته ومعالجته ومنع انتشاره. وأضاف أثناء مناقشة البرلمان لطلب إحاطة حول انتشارظاهرة الإلحاد”: “أتكلم بوضوح، أفكار الملحدين والشواذ والمتطرفين قنابل موقوتة مثل قنابل المتطرفين والإرهابيين، ولا يمكن نقضي على الفكر المتطرف والإرهابي إلا إذا واجهنا بقوة التسيب والانحراف.”

وفي نفس السياق، أكد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر في عدة أحاديث تليفزيونية أنالإلحاد الجديد لديه الآن المؤسسات والجمعيات والصناديق، والآن يتم تشجيع الشباب على مهاجمة الدين. هذا يذكرني بالإلحاد الماركسي، الذي استهدف الأديان في ذلك الوقت، واصفًا إياها أفيون الشعب.“ كما أسس الأزهر وحدة بيان لمواجهة الإلحاد، وعقد لقاءات مباشرة مع الملحدين لإقناعهم بوسطية الإسلام على وصف رئيس الوحدة. وأصدر مرصد الفتاوى التكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية تقريرًا يرصد فيه أسباب تزايد ظاهرة الإلحاد بين الشباب في الدول الإسلامية، ونقل المرصد عن مركزريد سيالتابع لمعهدجلوبال، أن مصر هي الأعلى عربيا في نسب الإلحاد، حيث إن بها 866 ملحدًا!

دخلت الكنائس المصرية على خط محاربة الإلحاد، وأصبحت الكلمة حاضرة في الخطاب الرسمي لقادتها بشكل منتظم، حتى أنها وضعت الإلحادللمرة الاولىكسبب لبطلان عقد الزواج في مشروع قانون الأسرة المسيحية المقدم من الكنائس إلى وزارة العدل لصياغته وتقديمه للبرلمان. وتضمنت خطة المواجهة عدة أنشطة منها تنظيم الفاعليات والندوات، فقد عقد مجلس كنائس مصر مؤتمرًا لمواجهة الإلحاد، كما صدر أكثر من كتيب، أحدها بعنوانحوار مع الملحدللقس والواعظ المشهور داوود لمعي. كذلك صدر كتاب ثاني بعنوانوهم الإلحادللقس إبراهيم عازر المعيد بالكلية الإكليريكية بالدير المحرق، والذي يرى أن ثورة يناير أحد أهم أسباب الإلحاد. بينما خصص البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية عددًا من عظاته الأسبوعية للحديث حول الإلحاد، مؤكدًا أنه أكبر خطر يواجه مجتمعنا لأن الدين له مكانة كبيرة فى بلادنا، حتى لو كانت نسبة الملحدين قليلة.

وجوه مختلفة لمعاناة الملحدين

يعد نموذج جون كاندلين ذو المراحل الثلاث من الأدوات المفيدة في تحليل سياق التعامل مع الملحدين و الاضطهاد والعنف القائم على أساس الدين والمعتقد. تتناول المرحلة الأولى الأفكار المضللة، والتي تتصف بالكذب والانحياز ونشر الصورة النمطية السلبية، وهو ما يقدم مبررات للتمييز والأعمال العدائية. يرى المجتمع الشخص الملحد منحلاً أخلاقيًا، لأنه سعى للتحرر من قيود الدين بالخروج منه والانحراف عن تعاليمه. بينما تتعامل معه المؤسسات الرسمية والدينية كعدو له علاقات خارجية متشعبة يسعى لهدم الثوابت الدينية أو على أقل تقدير هو مريض نفسي يحتاج إلى العلاج. على سبيل المثال، أشار الدكتور أحمد عياد رئيس قسم علم النفس بكلية الآداب جامعة طنطا إلى إكتشاف حالات فردية لطلبة ملحدين بالجامعة نتيجة لمتابعة فيديوهات وأفكارً تدعو لهذا الفكر، واستُقطبوا لتصديق فكرة الإلحاد نتيجة لهشاشة البناء الشخصي وقابليتهم للاستهواء، مؤكدًا أنه عقد جلسات علاج نفسى لهم وتعامل معهم بجدية واحترافية ونجح فى إعادتهم لصوابهم. 

أما المرحلة الثانية للنموذج، خاصة بالتمييز في مجالات التشريع والقوانين والتوظيف. وفي هذا الصدد نجد أن الدستور المصري نص في المادة 64 على أنحرية العقيدة مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأتباع الديانات السماوية حق ينظمه القانون“. وبالقراءة المتأنية للمادة نجد أن الدستور اعترف بالديانات التوحيدية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) فقط، ويترتب على هذا النص عدم الاعتراف بالديانات والمعتقدات الأخرى، ومن بينها الإلحاد، وهو يعني الحرمان من كثير من الحقوق. يأتي في مقدمتها الزواج إذ أن الدولة تعترف بالزواج الديني فقط، كما تجبر الملحدين على تدوين ديانة في الأوراق الرسمية بخلاف ما يؤمنوا بها. 

لا یتضمن قانون العقوبات المصري أي نصوص عقابية أو تجريم للإلحاد، لكن يتضمن القانون ما يعرف بمادة ازدراء الأديان المادة 98 (و) والتي تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات. وتطبق هذه المادة بشكل انتقائي على الأقليات الدينية، وكذلك الملحدين، وبالفعل تعرض عدد من المواطنين إلى أحكام بالحبس. على سبيل المثال لا الحصر، صدرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة أربعة أحكام قضائية منفصلة بالحبس ضد أنس حسن وشريف جابر (3 سنوات) وإبراهيم خليل وعبد الرحمن الجدي (5 سنوات)، بخلاف حالات أخرى تعرضت للحبس الاحتياطي أو المنع من السفر. 

في ظل الدعوات المرفوعة لتجريم الإلحاد بشكل صريح، جرت محاولات لوضع قانون خاص لذلك، منها ما أعلن عنه عمرو حمروش أمين لجنة الشئون الدينية في مجلس النواب المصري (2015-2020)، عن مشروع قانون لتجريم الإلحاد. وذكر أن الظاهرة يُروّج لها في المجتمع على أنها حرية عقيدة، وهذا خطأً كليًا، لذلك يجب تجريمها وتصنيفها على أنها ازدراء للدين، لأن الملحدين ليس لديهم عقيدة، ويحاولون إهانة الأديان الإبراهيمية. وقد أيدت مؤسسة الأزهر مشروع القانون باعتبار أن الإلحاد خطر على الدولة واجب محاربته. لم يُقدَّم القانون وبطبيعة الحال لم يتم إقراره بسبب عدم دعم الكتل المؤثرة في البرلمان وانتقادات وسائل الإعلام له.

المرحلة الثالثة من نموذج كاندلين هى الاضطهاد العنيف، ويشمل التهديد بالعنف والمضايقات الجسدية والاعتداءات العنيفة بسبب الدين أو المعتقد. بالرغم من عدم وقوع حوادث عنف أو اعتداءات كبيرة على الملحدين، اشتكى بعضهم من تعرضهم لاعتداءات من المجتمع، سواء من جانب أسرهم أو جيرانهم عندما علموا بأفكارهم الدينية، هذا بالإضافة إلى العزل من جهات العمل عند معرفتها بمضمون أفكارهم، وهو ما يجبر كثير من الملحدين على التخفي من أجل السلامة الشخصية. وحكى أحد الملحدين عن تجربته قائلاً: إنهم يعيشون كتجار المخدرات، يخشون الظهور علانية كملحدين، لأنهم سيفقدون العديد من أصدقائهم، ويعاملون كمنبوذين، ويتهمون بـالمرض العقلي.

في فهم السياق 

يستند الهجوم على الإلحاد ورفض وجود الملحدين في الغالب إلى أن مصر دولة إسلامية، بنص المادة الثانية من الدستور ، مؤسساتها الحاكمة هى التي تحدد الأديان والمعتقدات المعترف بها، وذلك بالتعاون مع المؤسسات الدينية. بطبيعة الحال، يصبح هجر الدين الرسمي عملًا يقوض من سلطة هذه المؤسسات، وتمرد على النمط الديني المحافظ، ومن ثم يتم التعامل مع ترك الدين أو الإلحاد ليس كحق شخصي للفرد، لكن كجزء من مؤامرة كونية، هدفها الإضرار بالدين وإضعافه، وهو ما يترتب عليه بالتبعية إضعاف مؤسسات الدولة، والتي تستمد كثير من شرعيتها من تبنيها الدفاع عن الدين وقيمه، ومن ثم يتم التعامل مع الشخص الملحد إما كعدو هدام وإما مريض يحتاج إلى العلاج. 

لا يمكن تصور أن يكون هناك حياة حرة لطائفة دينية بدون احترام وتعزيز حرية الدين والمعتقد بمعناها الواسع لكل فرد، وكذلك للحقوق الأخرى المرتبطة بشكل وثيق بها مثل حرية التعبير عن الرأي والتجمع السلمي والتنظيم، بما يتسق مع المادة 18 من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية والتي تحمي التوحيد وغير التوحيد والمعتقدات الإلحادية، ولا تقتصر على الأديان التقليدية، كما تحظر الفقرة 2 من المادة الإكراه الذي من شأنه أن يضر بالحق في اعتناق دين أو معتقد، بما في ذلك استخدام التهديد باستخدام القوة الجسدية أو عقوبات جزائية، ذلك لإكراه المؤمنين أو غير المؤمنين على التمسك بمعتقداتهم الدينية وتجمعاتهم، أو للتخلي عن دينهم أو معتقدهم.