A picture shows a mural on a wall of a building in Beirut. The writing in Arabic reads: "I hear your silence." The mural is a collaboration between the Fearless Collective and the Arab Foundation for Freedoms and Equality's Tayf program, January 15, 2018. (JOSEPH EID/AFP via Getty Images)
تعليق

المنظور الكويري لأزمات لبنان الهائلة 

.here Read this article in English

في أغسطس 2019، ولأول مرة منذ 1997، بدأت الليرة اللبنانية تفقد قيمتها، معلنةً بداية الانهيار المدمر للبنان اجتماعيًّا واقتصاديًّا. وبدلًا من أن يضع مسؤولو الدولة السياسيون والدينيون خطة ملموسة لحماية سبل معيشات المواطنين، قضوا أيامًا وأسابيعَ متتالية في ممارسة الضغوط بهدف إلغاء حفل «مشروع ليلى» وهي فرقة موسيقية مناصرة لمجتمع الميم، والذي كان مُقرَّرًا إقامته في تلك الأثناء. على مدى وقت طويل، وفَّرت هذه الفرقة مكانًا آمنًا للمثليين في المجتمعات الناطقة بالعربية؛ حيث استطاعت العديد من مجموعات مجتمع الميم عين التواصل من خلاله وتنظيم نفسها. 

رغم ذلك، لم يكن هذا الحادث منفردًا؛ فطالما وقَعَ المثليون، وهم جزء لا يتجزأ من المجتمع اللبناني، ضحايا للوصم والنبذ الاجتماعي، إذ يُصوَّرون كمصدرٍ للاضطراب الاجتماعي، ويُنبَذون لمجرد رفضهم للمغادرة ولعملية محوهم. وحتى يومنا هذا، يعاقِب القانون على العلاقات المثلية بموجب المادة 534 من قانون العقوبات اللبنانيّ. وقد عرَّض هذا الواقع أفراد المجتمع الكويري لتهميش اقتصادي جسيم والتمييز الصارخ ضدهم، الأمر الذي تفاقم في أعقاب الأزمات اللبنانية المتعددة

في الوقت الحالي، يدفع المثليُّون اللبنانيُّون ثمن العدوانية الاجتماعية المستمرة والسياسات الاجتماعية الاقتصادية الإقصائية. ففي 2021، وثَّقت جمعية «حلم»، وهي أول جمعية داعمة لمجتمع الميم عين في العالم العربي، ما يزيد عن 4,000 حالة اعتداء ضدهم، شملت حالات اعتقال وابتزاز مجتمع الميم عين، وهي زيادة بنسبة 85% عن الحالات التي وقعت في 2020. وقد أشارت الجمعية إلى أن هذه الحالات تتعلق في المقام الأول بعمليات الإخلاء القسري للمساكن والعمالة والخدمات الصحية. 

في الوقت الـذي يواجه فيه أفراد مجتمع الميم عين واحدًا من أشد الانهيارات الاقتصادية التي شهدها العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، أصبحوا أيضًا ضحايا العنف الأهوج الذي تقوده الحكومة. 

وفي خضم الإهمال الصارخ للجنس والجندرية والعرق والطبقية في تحليل الأزمة الحالية، يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على العنف الاجتماعي الاقتصادي الذي تعرض له أفراد مجتمع الميم عين على يد الحكومة والسلطات المالية. ولأغراض هذا التحليل، وبغية التعويض عن نقص البيانات الاجتماعية الاقتصادية، أجريت مقابلات مع 11 فردًا من مجتمع الميم عين مختلفين من حيث الجنسانية، الهوية الجندرية، الجنس، القومية، والموقع الجغرافي. 

الأزمة من منظور كويري

اخترقت الأزماتُ الماليةُ والاقتصاديةُ والصحيةُ الحالية النسيجَ الاقتصاديَّ للبنان وغيَّرتْه، إذ ألقت بأكثر من 80% من السكان إلى براثن الفقر. مقارنةً بعام 2019، يحتاج الفردُ العاديُّ المقيم في لبنان حاليا إلى تسعة أضعاف المال ليحافظ على نفس مستوى الاستهلاك في ظل ارتفاع التضخم. كما تكشف البياناتُ الحديثةُ أيضًا أن معدلات البطالة قفزت من حوالي 11% ما بين 2018 و2019 إلى 30% بحلول يناير 2022، ما يعني أن حوالي ثلث القوى العاملة قد فقدوا وظائفهم. و لكن الجدير بالذكر أن هذه الأرقام المعلن عنها أقل من التأثير الفعلي للأزمة على مجتمع المثليين اللبناني. 

هذه المعطيات تطرح السؤال التالي: إلى أي مدى اخترقت الأزمات حياة أفراد مجتمع الميم عين؟ لقد اقتصرت الدراسات الاجتماعية والاقتصادية في لبنان حتى الآن على التحقيق في آثار الأزمة على العائلات بوصفها الوحدة الاقتصادية الرئيسية المعتمدة، ما يعني أنه غالبًا ما يُترك العديد من أفراد مجتمع الميم عين الذين لا ينتمون إلى تلك الهياكل الاجتماعية، ويُستَثْنَون تمامًا من التدخلات السياسية ذات الصلة. ويمكن رؤية هذا بشكل أفضل، على سبيل المثال، بتحليل سياسات إدارة المعونات المقدمة من الدولة والمساعدات الخارجية، والتي غالبًا ما يكون المنتفعون بموجبها عائلات. مثلاً تتبع برامج المعونات المقدمة من الأمم المتحدة والبنك الدولي نموذجًا مشابهًا. ويستبعد هذا إلى حد كبير الهياكل الاجتماعية والعلاقات الأخرى التي لا تعترف بها الدولة وتجردها من صفة المشروعية، ومن ثم يعوق سبل وصولها إلى خطط الحماية الاجتماعية المطلوبة. 

والأكثر من ذلك، فإن هيمنة النخبة اللبنانية المالية والسياسية الاقصائية يمكن أن يُنسب إليها تاريخيا سياسات الاقتصادية السيئة للبلاد. فعلى مدى عقود، سعت أوليغارشية الدولة، التي تتضمن البنك المركزي والبنوك التجارية والحكومة اللبنانية، إلى جمع الثروة على حساب أشد فئات المجتمع المُستَضعَفة، فصمَّموا معًا مخطط بونزيً للاحتيال المالي وتركوا هؤلاء – الذين بالكاد يعيشون على رواتبهم الشهرية – يدفعون الثمن. وبدلًا من أن تموِّل الحكومةُ اللبنانيةُ خدماتِ اجتماعيةَ مناسبة، وبنية تحتية يُعتمد عليها، ونظامَ حماية اجتماعيةِ شاملَ، خصَّصت أكثر من 50% من إجمالي نفقاتها إلى خدمة الديون وتكاليف الموظفين والعمالة في القطاع العام وقطاع الكهرباء الفاسد، في الفترة من 1993 إلى 2017 فقط. وحتى اليوم، وبينما تستمر الليرة اللبنانية في انهيارها الحر، لم تبذل المؤسسة السياسية مجهودا كافية لتعويض الخسائر الهائلة التي تسببت بها هذه السياسات المدمرة.

واشتد تأثير هذه السياسات بشكل خاص على المثليين؛ إذ لا يزال الكثيرون منهم يواجهون طبقات متعددة من العقبات الاجتماعية والقانونية. 

ومن الجدير بالذكر أن مجتمع الميم عين في لبنان ليس كيانًا متجانسًا، ما يعنى أن تأثير الأزمة عليه يتوقَّف إلى حد كبير على عدة خصائص مثل الجنسة، والهوية الجنسانية، والانتماء القومي، والقدرة، والخلفية الاجتماعية الاقتصادية. ومن ثم، فإن أي محاولة لدراسة الأزمة الحالية من منظور كويري، بما في ذلك هذا المقال، يجب أن تقيِّم هذه العوامل كافةً. 

وفقًا لدراسة حديثة أجرتها منظمة OXFAM في لبنان، يقع الأفراد مغايرو الهوية الجنسانية واللاجئون المثليون ضمن المجموعات الأكثر تأثرًا بالأزمة الراهنة، إذ يستثني قانونُ العمل اللاجئين من جميع المهن النقابية، ويفرضُ قيودًا شديدة على عملهم بشكل رسمي. كما أصبح حصولهم على عمل لائق أمرًا بالغ الصعوبة بسبب عجزهم عن الحصول على تصاريح إقامة. وطيلة سنوات، أدى عدم إنفاذ قوانين العمل إلى زيادة هائلة في عمالة اللاجئين غير المسجلين، خاصة في القطاع الغير رسمي، معرِّضًا إياهم للاستغلال وتدني الأجور والتمييز. وبالنظر إلى الوصمة الاجتماعية المرتبطة بكون الشخص كويريا، فإن فرص العمل وظروفه داخل تلك المجموعة الفرعية تميل إلى أن تكون الأسوأ. 

لقد واجه الأفرادُ مغايرو الهوية الجنسانيَّة وغير المتوافقين جنسانيًّا، قبل الأزمة، عقباتٍ قانونيةً إضافيةً عند حصولهم على عمالة رسمية وتعليم عال. فقد عانت مغايرات الهوية الجنسانية، على سبيل المثال، من صعوبات جمة في إيجاد وظائف نظرًا لعدم حيازتهن لوثائق هوية تتماشي مع تعبيرهن الجنساني. 

لا يمكن تعديل المؤشرات الجنسانية في لبنان إلا عن طريق حكم قضائي رسمي، وهو إجراء مرتفع التكلفة لا يمكن لمعظم مغايري الهوية الجنسانية وغير المتوافقين جنسانيًّا تحمل نفقاته في الوقت الحالي، ما حدَّ بشدة لفترة طويلة من قدرتهم على الحفاظ على مستوى ثابت من الدخل وتأمين مسكن آمن وبأسعار يمكن تحملها والاستفادة بالخدمات الصحية. ولهذا السبب يسعون في معظم الأحيان وراء العمالة في القطاع غير الرسمي، خصوصًا في الوقت الراهن، ما يعني عدم خضوع عملهم إلى قانون العمل اللبناني وضرائب الدخل والاستحقاقات مثل الإجازات مدفوعة الأجر. 

و على نطاق أوسع، يعاني أفراد مجتمع الميم عين في إيجاد وظائف، نظرًا لتنامي الوصمة الاجتماعية التي تسعى لعزلهم، إذ يصنِّفُهم البعضُ على أنهم غرباء أو آفات وافدة على حد تعبير منظمة «هيومن رايتس ووتش». وفي حال استطاع الأشخاص المثليون تأمين شكلٍ من أشكال العمالة، غالبًا ما يُقابَلون بالتحيُّز والتنمُّر وسوء المعاملة في مكان العمل. فقد أفاد بعض الأفراد الذين أُجرِيت معهم مقابلاتٌ لهذا المقال بأنهم واجهوا قدرًا كبيرًا من السلوك التمييزي أثناء ساعات العمل، ومن خلال دفع رواتب غير عادلة مثلًا. وقد يتسبب هذا الضغط بمكان العمل في تدنِّي إنتاجية العاملين الكويريين وانخفاض مستوى ناتجهم الاقتصادي، ما قد يجعلهم أكثر عرضة للتسريح أو العقوبة. كما لم يَجِد أيٌّ من الأفراد الكويريين (الذين أُجرِيت معهم مقابلاتٌ) راتبَه عادلًا أو على الأقل متوافقًا مع مؤهلاته. وقد ذكر أكثر من نصفهم أنهم يتقاضون أجرًا أقل من أقرانهم ذوي أجناس مغايرة. 

ومن بين حوالي 101 شخصا كويريا شملتهم دراسة OXFAM لبنان في 2021، أشار 66% منهم إلى أنهم لم يتولوا أي عملٍ مدرٍّ للدخل. ومن بين هؤلاء، 70% فقدوا وظائفهم خلال العام السابق. بينما عانى هؤلاء الذين استطاعوا الحفاظ على وضعهم الوظيفي كثيرًا من انخفاض قيمة العملة وتخفيض الرواتب والإجازات الإلزامية غير المدفوعة. 

لقد أحدثت ديناميكيات العمل هذه تأثيرا مزدوجا. أولًا، في أعقاب الأزمة ومع تباطؤ خلق فرص عمل جديدة، عانى الكثير من الكويريين في الالتحاق بعمالة رسمية، ما أدى في الغالب إلى انحسار دخلهم. ثانيًا، يخلق وضعهم الوظيفي الضعيف هذا ضغطا سلبيا في مسألة حد قبول الأجور، بمعنى أقل أجر يكون العامل على استعداد للقبول به. وتكلفة هذا الضغط كبيرة، فهي تدفع الكويريين إلى مصاف العمالة المهمشة، ما يعني وقوعهم في شرائح دخل متدني فيضُطروا إلى القبول بظروف عمل قاسية. 

اتضحت حالات الوظائف المفقودة جراء الركود الاقتصادي أكثر بين المجتمع الكويري في لبنان في أوقات الأزمة. فالوظائف مجزية الأجر أصبحت نادرة محليًّا، وانجذب أعضاء مجتمع الميم عين، خاصة مغايرو الهوية الجنسانية واللاجئون الكويريون، إلى الوظائف غير الرسمية على نطاق واسع من القطاعات الاقتصادية، مثل تجارة التجزئة، والخدمات، وصناعة الأغذية، وحتى التعليم. ورغم ذلك، فإن الكثيرين منهم فقدوا وظائفهم عقب انفجار بيروت والإغلاق الشامل الناجم عن فيروس كورونا؛ فقد اضطرت الشركات إلى تسريح العمال لتقليل النفقات.

أزمة السكن في الوقت الراهن

يعاني لبنان أيضًا من أزمة التشرد والنزوح. طالما خدمت سياسة السكن اللبنانية شريحةً اجتماعيةً محددةً، وهي عائلات الطبقة المتوسطة، وفقًا للفهم التقليدي للمصطلح. وطبقا لمنظمة “المفكرة القانونية”، المتخصصة في البحوث القانونية والدعوة ومقرها بيروت، فإن سياسة الإسكان الحكومية صُممت لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية للأثرياء، على حساب الطبقات الاجتماعية الأدنى ومجموعات الأقليات. وركزت السياسةُ نفسها على القروض بهدف تشجيع حيازة الممتلكات التي استفاد منها أفراد الطبقات الاجتماعية ميسورة الحال. ومن ثم، صار سوق الإسكان مدفوعا بالعرض أكثر من تركيزه على احتياجات المجتمع، تاركًا العديد من الأقليات والفئات محدودة الدخل في أوضاع شاقة. 

لقد تركت أزمات لبنان الممتدَّة الكويريين في ظروفٍ محفوفةٍ بالمخاطر؛ فكان مجتمع الميم عين في بيروت من الفئات الأشد تضررا بأزمة التشرد عقب الانفجار المميت في الرابع من أغسطس 2020. وينطبق هذا بوجهٍ خاص على مار مخايل والجميزة، وهي أحياء معروفة بإيواء العديد من الأفراد الكويريين، بعد أن تعرضت لأضرار جسيمة جراء الانفجار. كما شهدت تلك الأحياء وجودًا مكثفًا للقوات المسلحة بذريعة تعزيز التدابير الأمنية عقب الانفجار، ما دفع بدوره العديد من أفراد مجتمع الميم عين إلى الرحيل لتفادي العدوان العنيف. ومن الجدير بالذكر أن مغايري الهوية الجنسانية وغير المتوافقين جنسانيًّا أصبحوا بصورة مطردة هدفًا للتشريد منذ اندلاع الأزمة؛ ولا يزالون يواجهون عقباتٍ قانونيةً عند محاولتهم الحصول على سكن رسمي (أو مرخص) وخدمات التأجير الأخرى. 

أزمة سياسة كبش الفداء

فقدت الليرة اللبنانية اليوم أكثر من 90% من قيمتها في ظل ارتفاع معدل التضخم وانعدام الأمن الوظيفي والأزمة الغذائية الوشيكة. 

وبدلًا من أن تبدأ السلطات اللبنانية خطة إنقاذ تهدف لإعادة النهوض بالاقتصاد، ولاستعادة النسيج الاجتماعي الضائع للبلاد، أخطأت السلطات الهدفَ مرةً أخرى؛ إذ أصدر وزير الداخلية المؤقت في الرابع والعشرين من يونيه توجيهًا إلى قوات الأمن بالحل العاجل “لكافة التجمعات التي تروج للشذوذ الجنسي”. وجاء ذلك ردًّا على الفعاليات المخطط تنفيذها بمناسبة شهر فخر المثليين في العام الجاري، الأمر الذي تراه الوزارةُ مخالفًا للأعراف والتقاليد. صدر هذا القرارُ في وقت تحطمت فيه مؤسسات الدولة الاجتماعية ومنظماتها الاقتصادية بالكامل، وفشلت السلطات، لمدة ثلاث سنوات حتى الآن، في مواجهة الانهيار على نحو سليم. ويبقى التساؤل: لماذا ظهر الموقف الحكومي الواضح الوحيد من الشأن العام في شهر الفخر؟ 

وبينما تجاهد الحكومة لتحافظ على تماسكها، وفي غمار خيبة الأمل الكبيرة إزاء قدرة الدولة، تحاول الحكومة اللبنانية استعادة شرعيتها المفقودة من خلال مزيد من التضحيات بالمجتمع الكويري. إن خطورة الموقف تتجاوز إلغاء بعض الفعاليات، وتكمن في أنها تعزز من إنكار وجود الكويريين. إلى جانب نبذهم اقتصاديًّا، فإن أفراد مجتمع الميم عين معرضون للخطر؛ وذلك لاستمرار العنف ضدهم حتى الآن. 

 

حسين شعيتو هو زميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط (TIMEP) مهتم بشؤون الحكم و التنمية الإقتصادية في لبنان.