People dance at a live music venue on December 17, 2016 in Cairo, Egypt. (Photo by Chris McGrath/Getty Images)
تعليق

الموسيقى في مصر في العقد الأخير: كرٌّ وفرٌّ مع القوانين وقبضة السلطة

منذ سبعة عشر عاماً، بدأت عملي لأول مرّة في الصحافة. وفي سلسلةٍ من الصدف غير المخطّط لها، انتهى بي المطاف في التخصّص بتغطية الفعاليات الموسيقيّة ومشهد الفنّ المعاصر.

في عالم ما قبل 2011، كان هناك قواعد وحدود واسعة تحكم إنتاج الموسيقي في مصر. وثلاث دوائر متجاورة لا تتقاطع فيما بينها.

الدائرة الأولي: الإنتاج الموسيقي الرسمى، ويشمل ذلك الذي تموله الدولة أو شركات الإنتاج الكبيرة المصريّة والعربيّة المسموح لها بالعمل في هذا المجال. مثل شركة (روتانا) السعودية والمملكة لروبرت مردوخ والوليد بن طلال، وشركة مزيكا، وفري ميوزيك المصريتين.

ينتج هذا التجمع الموسيقي التجارية الأقرب للبوب/(pop) وحتى تنويعات على الموسيقي الكلاسيكية مثل حفلات أم كلثوم والأغانى المستلهمة من تقاليد التراث العربي، يستحوذون على النسبة الأكبر من السوق ومعها موسيقى غالبيّة الفنانين العرب الكبار من عمرو دياب، لنانسي عجرم، لمحمد عبده وحتى سميرة سعيد.

الدائرة الثانية: وتضم عدد صغير من مؤسسات العمل الثقافي المموّلة أهلياً أو من قبل الاتحاد الأوروبي والتي تعمل في إطار برنامج الشراكة الثقافي لدول البحر المتوسط، وبدورها تمول تجارب موسيقية لعدد من الفنانين الشباب التجريبين الذين اصطُلح على وصف إنتاجهم بموسيقى (الأندر جراوند). حصتهم من السوق ضئيلة جداً، والوسيلة الوحيدة للاستماع لموسيقاهم حضور حفلاتهم التي تقام في مسارح صغيرة، سعة أكبرها لا تتجاوز الألف كرسي. أغانيهم لا تذاع على محطات التلفزيون، ولا تسمعها في محطات الراديو، لكنها الأكثر تماساً مع ثقافة أبناء الطبقة الوسطي. نتحدث عن فنانين مثل كايروكى، فريق وسط البلد، ياسمين حمدان.

الدائرة الثالثة: وهي دائرة الغناء الشعبي، وهو الأكثر انتشاراً وكذلك الأفقر. إذ أنّه لم يكن متاحاً لفنّاني هذه الفئة مسارحُ الدولة ولا مسارحُ القطاع الخاص، بل كانوا يغنّون غالباً في الأفراح ومسارح الشارع. وبالرّغم من شعبيّة أغانيهم فإنّها لم تكن تذاع في التلفزيون، ولكنّها كانت متاحة بكثافة على شرائط كاسيت رخيصة مسجّلة في استديوهات متواضعة. ومع ذلك فقد كانت موجودة في كل مكان.

ثم قامت ثورة 25 يناير، وبدا الميدان كبوتقة انصهرت فيها الدوائر الثلاثة، في كل زاوية رُفعت مكبّرات الصوت، وكل فريق نصب منصته، ومن على المنصة يُدعى الفنانين للغناء وتصدح الأغاني في مكبرات الصوت. كنت أسير في الميدان وألاحظ الأغاني الوطنية القديمة من السّتينات وقد عادت للحياة. ثمّ غزا فنّانو (الأندر جراوند) الميدان وبدأوا على الفور بإنتاج الأغاني التي تبنّت خطاب الثورة، بينما كان فنّانو البوب متردّدين في الدخول، بل إنّ بعضهم تورّط في تأييد مبارك والهجوم على الثورة.

ثم أتذكر جيداً الأسبوع الأخير قبل الثورة، حين نزلت إلى ميدان التحرير فوجدت هذه الأغنية المجهولة الجديدة تصدح في كل مكان وهى ما سيعرف بعد ذلك بمهرجان (يا حسنى سيبنا حرام عليك).

بعد تنحّي مبارك، وأثناء الاحتفالات في الشوارع، شاهدت دوائر من الشبابر يرقصون علي تلك الأغنية. لم تكن الموسيقي مثل أى موسقي سمعتها قبل ذلك، ولم يكن الرقص مثل أيّ شيء شاهدته سابقاً.

وُلدت موسيقى المهرجان في خضمّ ثورة يناير، وهى إفراز من فائض طاقة الثورة. لكن الآن تلاحق القضايا مغنى المهرجانات، كما تُرسل نقابة الموسيقيين مندوبيها بصحبة الشرطة لإغلاق حفلاتهم.

* * *

هدمت ثورة يناير القواعد القديمة لعالم الإنتاج الموسيقيّ في مصر، فالغناء التجاري المسيطر علي السوق انهارت منظومته بانهيار حسنى مبارك، لعنتهم الجماهير علي مواقفهم المنحازة لمبارك، أغانيهم العاطفية الممحونة بدت بعيدة عن مشاعر الناس وقتها. وبدلاً من ذلك، صعدت موسيقى (الأندر جراوند) وذلك لعدّة أسباب. فقد ضاعف الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الغربية من تمويلها الثقافي لتلك المؤسسات، كما أن المجال العام فُتح لهذا النوع من الموسيقى. وبدلاً من الانحصار بالمسارح الصغيرة انتشرت الفعاليات الفنيّة في كل مكان، كما أصبحت تقام سلسلة حفلات (الفن ميدان) في ميدان عام مختلف في كل شهر، حيث يُنصب المسرح ويأتي فنّانو (الأندر جراوند) للغناء في حفلاتٍ مجانيّة مفتوحة.

أمّا عالم الغناء الشعبي فمر بأعنف فترة تحول، إذ أخذت موجةٌ موسيقيةٌ جديدة تنمو في الأحياء الهامشيّة على أطراف القاهرة، مُزيحةً بذلك تقاليد الغناء الشعبي القديم. وبعدما كانت الأفراح الشعبية تعتمد على فرقة موسيقية بصحبة مغنٍّ يغنّي المواويل وأغاني الأفراح، اختفت الفرقة وحلّ محلها الـ (دي جي) وولدٌ صغيرٌ خلف جهاز الكمبيوتر يولِّف الموسيقى بالإضافة إلى مغنٍّ يمسك المايك ويغنّي في إيقاع سريع عنيف، وذلك في أسلوب يمزج بين تقاليد موسيقى الراب وغناء الأفراح المصرية.

الآلة الموسيقية الأساسية في موسيقى المهرجان هي الكمبيوتر، ولوحة المفاتيح هي أوتار العزف. وهي بذلك تندرج تحت بند الموسيقى الإلكترونية. لكنّها لا تكتفي بتراث الموسيقى الإلكترونية الغربي، بل تولّف إيقاعاتها وجملها اللحنيّة بالإيقاعات الشرقية.

في 2012 سنسمع على ألسنة مغنى المهرجانات جمل من نوع “احنا مزيكا الشارع”، وأثناء حوارات متفرقة مع السادات في ذلك الوقت، كثيراً ما كان يقول: “إحنا صوت الغلابة والحواري الشعبية”. بدا هذا الخطاب متجانساً مع لحظة الحماس الثوريّ، إذ هتفت أغاني المهرجانات وقتها ضد العسكر، ورثت شهداء المذابح المختلفة.

مع وصول الاخوان للحكم، شهد الوسط الفنى المصري حالة من الخوف والتململ من القيود التي سعوا لفرضها على الممارسات الفنية. وحين بدأ السيسي في الظهور بصفته وزيراً للدفاع، كان من الملفت للنظر أن يصحب معه كوكبةً من المغنيين والفنانين أينما سار في مشهدٍ غير معتاد. ولا نعرف إن كان ذلك لاستغلال شهرتهم أم للظهور بمظهر راعي الهويّة المصريّة المدنيّة والفنّ والثقافة والأخلاق. ومع بداية تأزُّم المشهد السياسي في 2013، كانت الشوارع تعجُّ بالمظاهرات ضدّ الإخوان ومحمد مرسي، لكن يبث التلفزيون فيديو للسيسي وهو يتفقّد إحدى الوحدات العسكرية وبصحبته مغنّون مثل محمد فؤاد وهاني شاكر وغيرهم من الأصوات القديمة من عالم الموسيقي التجارية.

حين وصل السيسي إلى سدّة الحكم، كانت السيطرة على الخطاب الإعلامي بكل أوجهه أهمّ الأهداف التي سعى فوراً لتحقيقها. وكانت السيطرة علي المجال الموسيقي من أهم المستهدفات حيث جري ذلك في شكل خطوات تدريجية قانونية، وأمنية، مباشرة أحياناً وغير مباشرة أحياناً آخري.

كانت البداية بإحكام السيطرة على المجال العام ومنع حفلات (الفن ميدان) وإجبار أيّ مكان يسعى إلى استضافة حدث موسيقيّ على طلب مجموعة من التصريحات والموافقات تبدأ من إدارة المطافئ وحتى الأمن الوطني، الأمر الذي دفع عدداً من تلك المنظمّات الفنّيّة، مثل مؤسسة المورد الثقافي التي كانت تدير مسرح الجنينة، إلى مغادرة مصر للعمل في لبنان والأردن.

تعرضت موسيقى “الاندر جراوند” لضربات متتالية، وتم التعامل معها كامتداد لثورة يناير. دفع هذا الوضع عدداً من موسيقيّي ومغنّي هذا النوع إلى مغادرة مصر بعد تهديدهم بشكلٍ مباشرٍ بسبب ما قدّموه من أغانٍ، مثل رامي عصام وحمزة نمرة وعبد الله المنياوي. فكلّ هؤلاء كانوا أصواتاً بارزةً في عالم ما بعد 25 يناير، وبسبب انحيازاتهم السياسية وأغانيهم أصبحوا مهددّين فخرجوا إلى المنفى.

من لم يستطع الخروج لأسباب مختلفة توقّف عن الغناء واعتزله، مثل علي طالباب. أمّا من استمرّوا فقد اضطُّروا إلى التخلّي أحياناً عن أغانيهم القديمة وإعادة صياغة شخصيتهم الفنيّة بما تسمح به رقابة السيسي، مثل (أبو) الذي كان يغنّي في ميدان التحرير للثوار ثم تحوّل إلى المغنّي الرسميّ للمليونيرات في الجونة.

* * *

مع وصول السيسي للحكم وإقرار دستور 2014، تمّ إقرار تعديلات قانون النقابات الفنية والتي تغيّرت بموجبها الكثير من لوائح عمل تلك النقابات. كما منح وزير العدل وقتها، المستشار أحمد الزند، الضبطيّة القضائيّة لنقيب الموسيقيّين والذي أعلن بدوره الحرب على كل ما هو جديد في الساحة الموسيقية. بموجب الضبطية القضائية أصبح لنقيب الموسيقيّين، أو لمن ينوبه، سلطة المرور على المطاعم والفنادق وطلب الاطّلاع على تصريح الغناء أو العزف لأيّ مُغنٍّ أو موسيقيّ. وقد تحوّل هاني شاكر ومن معه ليصبحوا شرطة الغناء والموسيقى ويستهدفوا بشكلٍ خاصٍّ موسيقى وأغاني المهرجان بدعوى أنّها تُفسد الذوق العام.

 لكى تحصل على عضوية نقابة الموسيقيين يمر صاحب الطلب باختبار أمام لجنة من النقابة. المشكلة أنّ اللجنة تختبره طِبقاً لمعاييرها وبمرجعيّة الموسيقى العربيّة. فمثلاً لا تعترف اللجنة بموسيقى الراب والهيب هوب وكذلك موسيقى المهرجانات. وبالتالي يواجه هؤلاء المغنّون صعوباتٍ في الحصول على عضويّة النقابة أو تصريح الغناء.

 بعض مغنّي المهرجان نجحوا في الحصول على عضويّة نقابة المهن الموسيقيّة من خلال التسجيل بصفتهم “دى.جى” لا كمغنين، آخرون يعملون ويغنون بشكل غير رسمي عبر نظام من الرشاوى الغير رسمية. يذهب إلى الحفلة في المطعم ويغنى وإذا ما ظهر مندوب النقابة، يتم التعامل مع المندوب بأسلوب “كل سنة وأنت طيب يا باشا” مع كرمشة ورقة في جيبه. طبعاً بشرط ألا تتجاوز في غنائك أو تقترب من أيّ خطوطٍ حمراء.

ومع ذلك، استمرّت شعبيّة موسيقى المهرجانات في النموّ، حيث يحتلّ (حمو بيكا) مثلاً المرتبة الأولى كأكثر مغنٍّ تُستمع أغانيه، لكنّه ممنوعٌ من الغناء في الحفلات العامة بأمرٍ من هاني شاكر.

* * *

يُحكِم نظام السيسي قبضَته على عالم الإنتاج الموسيقيّ. فللغناء في مصر تحتاج إلى تصريح وموافقة نقابة الموسيقيّين، وبدون هذا التصريح فلن يُسمح لك بالغناء. كما تمّ تحديد المواضيع المسموح بالغناء فيها، فأيّ اقتراب من المواضيع السياسية يُعتبر خطّاً أحمر قد يودي بحياة صاحبه في السجن، مثلما حدث مع المخرج الشاب شادي حبش والذي أُلقي القبض عليه وتُوفّي في السجن لمجرد مشاركته في تصوير أغنية سياسيّة لرامي عصام، والشاعر جلال البحيري الذي يقضي عقوبة في السجن بتهمة كتابة أغنية (بلحة).

أمّا شركات الإنتاج الكبرى المسموح لها بالعمل في مصر والتي تصنع النجوم فهي إمّا الشركاتٌ المموّلة من الخليج أو شركات الإنتاج الفنيّ الممولة والمدارة من قبل المخابرات المصريّة مثل شبكة إعلام المصريين ومجموعة قنوات DMC. وغالباً ما تتولّى هذه الهيئات إنتاج الأغاني الوطنيّة وتنظيم الاحتفالات الموسيقية التي تقام في افتتاح مشاريع البنية التحتيّة التي يفخر بها السيسي.

لكن، ورغم إحكام القبضة الأمنيّة والإنتاجيّة، لا يزال هناك ثغرةٌ في ذلك الجدار تسمح بانتعاش الموسيقى المصريّة ونموّ المغامرات الفنيّة التجريبيّة. فقد شهدت الخمس سنواتٍ الأخيرة انتشاراً واسعاً لشبكات ومنصّات البث الموسيقيّ في مصر مثل (يوتيوب) و(سبوتفاي) و(أنغامي).

وبالتالي، أصبح بإمكان أيّ شابٍّ مصريٍّ إنتاجُ الموسيقى باستخدام جهاز اللاب توب والتسجيل في استديو مُعَدٍّ في المنزل ثم رفع الأغاني على تلك المنصات، وبناءً على أرقام المشاهدة وعدد مرات الاستماع يجني العائد المادي. وقد خلق نمط الإنتاج الجديد هذا ثورةً في عالم الموسيقى المصريّة، وهو ما بات يعرف بالموجة الجديدة، وهي مزيج بين موسيقى الراب والمهرجانات قدّمت أسماء مثل ويجز ومروان بابلو وأبيوسف والسادات وعنبة ودبل زوكش ومولوتوف ودي جى تيتو.

كلّ هؤلاء مغنّون ومنتجو موسيقى يعملون خارج قبضة الشركات الخليجيّة وشركات المخابرات المصرية، ومعظمهم ليس لديه حتى عضوية نقابة الموسيقيّين. ومع ذلك فقد تصدّروا المشهد الموسيقيّ العام الماضي وأصبحت موسيقاهم يصدحُ صوتها في وسائل المواصلات، كما أنّهم الأعلى استماعاً علي الانترنت، وشعبيتهم وتأثيرهم خصوصاً على الأجيال الجديدة باستمرار.

أعادت الموجة الجديدة من موسيقى الراب والمهرجان المصريّة الحياة في المشهد الموسيقيّ المصري، وحتّى الآن لم تلتفت الدولة بتشريعاتها أو مؤسّساتها إليهم، وإن بدأت منصات الإعلام المقربة من النظام في الحديث عن مصادر دخل هؤلاء الفنّانين الشباب والأرقام التي يتلقونها من “بيع الموسيقى” على الإنترنت. وعاجلاً أو آجلاً ستحاول الدولة حصار هذا المشهد الموسيقيّ أو على الأقل السيطرة على الأموال التي تدخل على هؤلاء الفنانين عبر منصّات الموسيقى العالميّة بعيداً عن رقابة الدولة ويدها.