Folders with records of the case are seen at the courtroom prior to a trial against two Syrian defendants accused of state-sponsored torture in Syria, on April 23, 2020 in Koblenz, western Germany. (Photo by THOMAS LOHNES/AFP via Getty Images)
تعليق

بعض الأسئلة والأجوبة مع باتريك كروكر مِن المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان حول جرائم الحرب السورية في المحاكم الأجنبية

منذ العام 2011، قدَّم ناجون سوريون ومُدافعون عن حقوق الإنسان وغيرهم أكثر مِن 20 شكوى لدى الأنظمة القانونية والقضائية خارج سوريا ضد مسؤولي النظام السوري بتُهمة ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات أخرى للقانون الدولي. وقد قُدِّمت تلك الشكاوى بناءً على مبدأ الولاية القضائية خارج الحدود الإقليمية الذي يسمح للمحاكم الأجنبية بممارسة الولاية القضائية على الجرائم المرتكبة خارج بلدانها. وقد تباينت الشكاوى، حيث قدَّم بعضَها الضحايا أنفسهم أو مَن ينوب عنهم أو أفرادٌ من أسرتهم مِن مواطني الدولة التي رُفعت فيها القضية، بينما اعتمد آخرون على مبدأ فرعي للولاية القضائية خارج الحدود الإقليمية يُسمَّى “الولاية القضائية العالمية” والذي يُعدّ أنّ بعض الانتهاكات شديدة الخطورة لدرجة تضرّ الإنسانية بوجهٍ عام ولذا يُمكن أن ترفع أية دولةٍ دعوى بشأنها إن رغبت في ذلك. وعلى الرغم مِن أن الغالبية العظمى من الشكاوى قُدِّمت في دول أوروبية كألمانيا وفرنسا والسويد، فقد نظرت أيضًا محكمة أمريكية في إحدى القضايا المدنية وأصدرت حُكمًا فيها. وفي واحدةٍ مِن أحدث التطوّرات البارزة في هذا المجال، بدأ الاستماع إلى أوّل محاكمة جنائية في العالم يوم 23 أبريل 2020 في كوبلنز بألمانيا تتعلّق بالتعذيب الذي مارسته الدولة السورية، وما زالت إجراءات هذه المحاكمة مُستمرِّة.

مِن خلال تحليل هذه الشكاوى، لاحظ معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط زخمًا مُتزايدًا في قضايا المساءلة القانونية برغم بعض التحديات السياسية والقانونية، كما حدَّد معهد التحرير عددًا مِن الاتجاهات الأكثر شيوعاً والتي تركّزت عليها تلك القضايا في مجال العدالة. وفي ذلك أجرى المعهد حوارًا حول هذه الاتجاهات مع باتريك كروكر مِن المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان ومقرّه برلين، وفيما يلي نصّه.

ملاحظة: على الرغم مِن أنّ الدراسات المقبلة ستتناول الإجراءات القانونية المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي من قِبل جهات غير تابعةٍ للنظام، تركز المقابلة أدناه على قضايا انتهاكاتٍ مارسها أعضاء من النظام السوري.

أسئلة:

معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط: لماذا نجد معظم القضايا تُرفَع في المحاكم الأوروبية المحلية بدلًا مِن المنتديات الدولية كالمحكمة الجنائية الدولية؟

باتريك كروكر: أولًا، السّبب في أنّ المحاكمات المحلية للجرائم المرتكبة في سوريا تُقام في بلدان أخرى هو أنّ هذه المحاكمات لا تتمّ في سوريا سواءً في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب، وذلك لأنّ الحكومة السورية ترفض التحقيق في الجرائم الخاّصة بها. ثانيًا، عادة ما يتمّ اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية على المستوى الدولي، ولكن هذه المحكمة ليست لها ولاية قضائية سوى على الدول الأعضاء أو إن كانت هناك إحالة مِن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهذا غير منطبقٍ على الحالة قيد حديثنا. سوريا ليست من الدول الأعضاء، كما أن الصين وروسيا استخدما حقّ النقض ضد الإحالة الأخيرة التي كان هناك محاولة لتمريرها في مجلس الأمن في عام 2015. لذلك فالإمكانية الوحيدة لتحقيق العدالة هي الملاحقات القضائية والتحقيقات، وغالبًا ما يحدث ذلك بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية في بلدان أخرى. وقد أخذت بعض الدول بزمام المبادرة في التحقيق والمقاضاة بموجب الولاية القضائية العالمية وأبرزها دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا والسويد. وفي هذا أدّت ألمانيا دورًا رائدًا حيث بدأت التحقيقات فيها ضد الجرائم الدولية المُرتكبة في سوريا منذ عام 2011. ولدى ألمانيا الآن مُذكّرة اعتقال بحقّ جميل حسن رئيس جهاز المخابرات الجوية السورية، بالإضافة إلى قضية أخرى في كوبلنز لا يزال التحقيق فيها جارياً ضد اثنين من مسؤولي النظام مُتَّهمَيْن بارتكاب جرائم تعذيب.

معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط: ركَّزت معظم القضايا المرفوعة حتى الآن على التعذيب الذي تعرَّض له الأفراد المُحتجزون في معتقلات النظام السوري. لماذا التركيز على هذه الجريمة بالتحديد بدلًا مِن الجرائم الأخرى التي يرتكبها النظام؟

باتريك كروكر: نعم، ركَّزت القضايا المرفوعة ضد النظام السوري على التعذيب، لكنّ ذلك لا ينطبق على العديد مِن القضايا المُتعلِّقة بسوريا والتي تقاضي جهات غير تابعةٍ للنظام في أوروبا، فالعديد مِن القضايا غير المتعلقة بالنظام جرى التعامُل معها باعتبارها جرائم إرهاب.

للتركيز على التعذيب في قضايا محاكمة مسؤولي النظام عدة أسباب: أولًا، التعذيب محظور بغضّ النظر عن سياق الوضع وتفاصيله. أمّا بالنسبة إلى الجرائم الدولية الأخرى، مثل قصف المدنيين أو قتلهم، فمِن المُؤسف القول إنها لا تعتبر دائمًا جرائم جنائية في سياق النزاع المُسلَّح وذلك بالرغم مِن الحظر المُطلق للتعذيب. لذلك عندما يتمّ تعذيب شخص ما، فإنّ ذلك يُشكِّل انتهاكًا لاتفاقية مناهضة التعذيب. أمّا إذا ارْتُكبت هذه الجريمة ضمن هجوم واسع النطاق ومُمنهج ضد السكان فإنّها تُشكِّل جريمة ضد الإنسانية. ثانيًا، يُعدُّ التعذيب جريمة يسهل إثباتها نسبيًّا مقارنةً بالعديد من الجرائم الأخرى وذلك بسبب قُرب الفعل الإجرامي مِن موقع الجريمة، وهذا يعني أن الجاني والضحية والأشخاص الأعلى رتبة في التسلسل القيادي قريبون نسبيًّا مِن بعضهم البعض. وما دام أنّهم جميعهم في المنشأة نفسها التي يُرتكب فيها التعذيب على نطاق واسع، فمِن الأسهل إثبات أنّ هذا الشخص أو ذاك كان مسؤولًا عن التعذيب الذي حدث، وذلك على عكس العديد من الجرائم الأخرى التي ارْتُكِبَت في سوريا. 

على سبيل المثال، عند استخدام الأسلحة الكيميائية، يكون موقع الجريمة بعيدًا عن المكان الذي جرت فيه تحضيرات التنفيذ، حيث يوجد المزيد مِن مراحل العمل المعنية بارتكاب تلك الجرائم. ومِن وجهة نظر القانون الجنائي، مِن الصّعب للغاية تحديد مَن هو المسؤول وما نوع المسؤولية الملقاة على عاتقه، لأن شخصًا ما يختار الأهداف ويركّب أحدهم المواد الكيميائية ويتولّى شخص آخر تحميلها على متن طائرة، ومرّة أخرى يستلم شخص آخر مُهمّة الضغط على الزناد لإطلاق الأسلحة في مكانٍ ما. لذلك توجد الكثير مِن الصعوبات في إثبات العديد مِن الجرائم الأخرى المُرتكَبَة. 

والسّبب الآخر الذي جعل التركيز حتى الآن على جرائم التعذيب هو أنّ التعذيب أحد أكثر الجرائم ارتكابًا ورمزية في السياق السوري. وبالرغم من أنّ هذه هي أسباب التركيز على جرائم التعذيب خاصّةً، فبالطبع لا يجب بالضرورة أن يبقى الأمر على ما هو عليه، حيث توجد حالات أخرى مُحتملة ونأمل أن نتحقَّق منها يومًا ما.

معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط: لم يُسفر سوى عدد قليل جدًّا مِن القضايا عن أحكام نهائية، لكن هذه القضايا تشمل قضية مدنية في الولايات المتحدة تتعلَّق بالقتل المُستهدف للصحفيّة ماري كولفين وقضية جنائية أخرى في السويد تتعلّق بجندي ذي رتبة منخفضة تابع للنظام حُكم عليه بالحبس ثمانية أشهر. وإذ بدأ سير بعض القضايا، شهدنا أيضًا إصدار أوامر اعتقال واحتجاز للجناة المزعومين. ما نوع التعويض القانوني الذي يُمكن للمحاكم الجنائية والمدنية أن تُقدِّمه لضحايا الانتهاكات، وما نوع الإجراءات العقابية التي يمكن أن تتَّخذها تلك المحاكم، على حد سواء في أثناء سير القضايا أو في مرحلة إصدار الحكم؟ ولماذا تُعد هذه القضايا ذات أهميةٍ في تقييمك؟ وماذا تقول لشخصٍ يعتقد بأنّ سير هذه القضايا شديد البطء أو يخضع للكثير مِن التوظيف السياسي أو أنّه لا يُوفّر سوى عدالة جزئية؟

باتريك كروكر: إنّ مناقشة ما يعنيه التعويض القانوني المتاح للضحايا هو موضوع كبير ومُعقَّد للغاية، كما أنّ تحديد التعويضات القانونية المناسبة أمر فردي بامتياز ولا يُمكن الإجابة عنه في بضعة جمل. يُمكنني أن أبدأ بالحديث عن الإجراءات الوارد اتّخاذها والنتيجة المحصَّلة مِن تدخّلات العدالة الجنائية التي ذكرتها في سؤالك ولا سيما الإجراءات الجنائية، لأنّه، وكما ذَكَرت، تُعدّ قضية ماري كولفين في الولايات المتحدة واحدة مِن القضايا المدنية القليلة التي نراها.

إنّ الغالبية العظمى مِن القضايا التي ما زالت قيد النظر هي تحقيقات لقضايا جنائية ضد مسؤولين في الحكومة السورية. بالطّبع هذه إجراءات جنائية، ممّا يعني أنّه سيصدر في النهاية حُكمٌ بالسجن، وهو إجراء عقابي. وقد يكون مُهمًّا لدى بعض الأشخاص رؤية أنّه يوجد عقاب لمَن يرتكب هذه الجرائم على نطاق واسع، ولا أعتقد بأن الانتقام هو الدافع الأساسي. ومع ذلك، أرى أنّ ما يكتسب أهميّة بالفعل هو أنّه يوجد تأكيد إيجابي لدى مجتمعاتنا، وبما أننا نتحدَّث عن جرائم دولية، فالعالم والمجتمع الدولي يرى أنّ ما حدث للسوريين يتّسم بالظلم ويشكِّل بالفعل جريمة خطيرة. إن الاكتفاء بإعطاء قيمة رمزية لما اضطرّ هؤلاء الناس إلى تحمُّله هو جريمة لا تتسامَح معها مجتمعاتنا ولا المجتمع الدولي، لذا يجب أن تكون له عقوبة. ولهذا السّبب يُمكن أن تُؤدّي القضايا الجنائية دورًا، إلا أنّه دور محدود. لذا مِن المهمّ جدًّا أن تكون هذه القضايا مصحوبة بإجراءات قضائية أخرى. ويُمكن للآثار المترتبة (على القضايا الجنائية) أن تتخطّى القانون، فغالبًا ما تكون العدالة الجنائية بمثابة عملية كسر الجليد في عملية العدالة الانتقالية.

على سبيل المثال، مِن الواضح أنّ البيانات والأدلّة والنتائج المعروضة في المحاكم والإجراءات القضائية تملك قوّة يُمكن أن تساعد في المزيد من الإجراءات والخطوات الأخرى نحو تحقيق العدالة. وإن حدث جدل في المجتمع حول ما إذا كانت الجرائم الدولية حدثت وكيف حدثت، يُمكن للقضايا الجنائية والمحاكمات أن تُؤدّي دورًا في سرد الحقائق وترسيخها. حتى أنه في بعض الأحيان يُمكن للأحكام القضائية أن تمكِّن الأفراد مِن اتِّخاذ أشكال أخرى مِن الإجراءات، إذ يُمكن للفنانين والمُؤرّخين وغيرهم أخذ ما يجري في المحكمة وتطبيقه بهدف تحقيق العدالة كلٌّ في مساحته الخاصة.

معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط: يبدو أنّ الغالبية العظمى مِن القضايا ما زالت مُعلَّقة في مرحلة التحقيق بعد سنواتٍ مِن تقديم الشكاوى. هل لديك أية فكرةٍ عن سبب ذلك وما الذي يُمكن الوصول إليه خلال هذه الفترات الطويلة للتحقيق؟

باتريك كروكر: ما لم أتحدَّث عنه حتى الآن هو مُذكّرات الاعتقال لأنّها جزءٌ مِن التحقيقات، وفي العديد من البلدان الديمقراطية لا توجد قضايا غيابية ضد الجناة. في سوريا، لا يزال معظم المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبتها الحكومة داخل سوريا، لذا لا يُمكن محاكمتهم. لكن يُمكننا إجراء تحقيقات ضدهم. وهذا مُهمّ للتحضير للمحاكمات المستقبلية ولتأمين الأدلة وكذلك لإصدار مُذكّرات اعتقال. بالطبع، مع مذكرات الاعتقال هذه، ما زال يوجد افتراض بالبراءة. فهذه المُذكّرات لا تتضمّن إلا قرارًا أوليًّا بشأن الأدلّة، لكنّها تتضمن بالفعل قرارًا أوليًّا صادرًا عن محكمة أو عن مدّعين بشأن الجرائم ومدى احتمال ارتكاب الأشخاص المذكورين في مذكرات الاعتقال لهذه الجرائم.

في ألمانيا، لا تصدر مذكّرات اعتقال إلا عند وجود درجة عالية مِن الاشتباه، وهذا يعني أنّ الأشخاص المُتأثّرين بتلك المذكّرات ضدهم أحكام بالفعل، وعلى الأرجح توجد قيود على سفرهم لأنّ مذكرات الاعتقال تلك يُمكن تنفيذها دوليًّا. فشخصٌ مثل جميل حسن مِن المخابرات الجوية السورية مثلاً عليه أن يخشى الآن الاعتقال والتسليم إلى ألمانيا أو فرنسا إذا سافر. وباستثناء روسيا أو إيران أو بعض الدول الأخرى، فمِن الواضح أنّه إذا بقي الوضع السياسي على ما هو عليه في معظم البلدان الأخرى وخاصة الدول الأوروبية، فسيكون مِن الواجب تسليمه إلى ألمانيا، وهذا يحمل بالفعل شكلًا مِن أشكال القيود أو العقوبة التي لم يعتَدها هؤلاء الأشخاص. أعترف بأنّ هذه خطوة بسيطة، لكنّها تبعدهم عن الإفلات المُطلَق مِن العقاب الذي عادة ما يتمتَّعون به.

تلك التحقيقات مُهمّة حقًّا لأنّها تضع الأساس لأية آليات مساءلة مستقبلية. أمّا إذا لم نبدأ في التحقيق سوى عندما يكون الجناة هنا في أوروبا فسوف يستغرق الأمر سنوات اعتباراً من الوقت الحالي. وإذا نظرت إلى المحاكم الدولية الأخرى فستجد دائمًا أنّ وحدة الادّعاء والتحقيق تبدأ العمل أولًا، وقد يستغرق ذلك العمل أحيانًا سنوات قبل إجراء المحاكمات الفعلية. في سوريا نحن بالفعل في تلك المرحلة، ففترة التحقيق المُبكِّرة ضرورية لأنّ الكثير مِن الأدلّة هي خارج سوريا وتحتاج إلى تأمينٍ لأجل إجراء محاكمات مستقبلية ولتتسنّى مشاركتها مع سلطات الادّعاء الأخرى في جميع أنحاء العالم.

معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط: رُفض عدد قليل مِن القضايا في بلدان مِن بينها إسبانيا وسويسرا. هل يوجد قلقٌ مِن احتمال عرقلة بعض القضايا لأسبابٍ سياسيةٍ كمخاوف بعض البلدان من توسيع نطاق سوابق ولايتها القضائية إلى خارج الحدود الإقليمية والعالمية؟

باتريك كروكر: قامت بعض البلدان، بما فيها إسبانيا، بالفعل بالحد مِن نطاق قوانين ولايتها القضائية العالمية، وقد أدّى ذلك في نهاية المطاف إلى رفض إحدى القضايا في إسبانيا. وهذه قضية سياسية أكثر عموماً أعتبرها ذات إشكالية. كما أنّ بلجيكا حدّت مِن قانون الولاية القضائية العالمية الخاص بها واضعةً بالتالي قيداً للدور الذي تلعبه في كيفية محاكمة تلك القضايا والتحقيق فيها. 

علينا أن نرى ما إذا كان ذلك الاتجاه سيستمر أم لا. مِن وجهة نظري، تُعدّ القضايا المتعلقة بسوريا مثالًا جيدًا للغاية على حاجتنا إلى قوانين تسمح بمثل هذه التحقيقات، إذ أنّه توجد في حالة هذا البلد فظائع كفيلة بالتحدّث عن نفسها، وأعتقد بأنّه لن يُجادل أحد في الحاجة إلى المساءلة الجنائية في هذه القضايا. لذلك لا نرى خياراً آخر سوى الدول الأخرى كطرف ثالث لمثل هذه الحالة، وآمل أن يُؤدّي ذلك إلى أن تُعيد بعض الدول النّظر في قوانينها وتوسع نطاق التطبيق مرّة أخرى.

معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط: لدى ألمانيا أحد الأطر القانونية الأكثر اتِّساعًا والذي يسمح بالنظر في قضايا مِن ذلك النوع، وفي فرنسا أيضًا عدد مِن القضايا الجارية. هل تتوقّع بأن تستمرّ ألمانيا وفرنسا في ريادتهما في ذلك المجال، وما هو الدور، إن وُجد، الذي تُؤدّيه التحقيقات الهيكلية في كلا البلدين؟ وبمعزل عن ذلك، ما هي الدول الأخرى التي لديها إطار عمل يرحب بالولاية القضائية للحدود الإقليمية أو العالمية أو كلّ منهما والتي يمكن أن تستضيف ذلك الشكل مِن الإجراءات القانونية؟

باتريك كروكر: كما ذَكَرتَ على نحو صائب، ربما يكون لدى ألمانيا وفرنسا النصيب الأكبر من التحقيقات الجارية. في الوقت الحالي، مِن المرجّح في ما يبدو أن يظلّ الوضع كما هو. وذلك يتعلّق أيضًا بالبلدان التي تستقبل عددًا كبيرًا مِن اللاجئين. لذلك توجد الكثير مِن المعلومات والأدلة. لكن لدى هذه الدول أيضاً وحدات جرائم حرب عالية الأداء، وهذا أحد المُتطلّبات الأساسية لاستمرار هذه التحقيقات. ولذا أعتقد بأنّه خلال العامين المقبلين سيظل إجراء التحقيقات في ألمانيا وفرنسا بمثابة توجّه شائع.

نحن نعمل الآن في بعض هذه التحقيقات الأخرى، وتوجد دول مختلفة، وخاصّة في أوروبا، يُمكن أن تُؤدّي دورًا أكثر فاعلية، وآمل أن تفعل ذلك. وأخص بالذكر النرويج والسويد والنمسا، إذ قدَّم المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان شكاوى فيها لأننا نعتقد بقوة بأنّ قوانين هذه البلدان تسمح بإجراء تحقيقات وإصدار مُذكّرات اعتقال ضد الجناة مِن المسؤولين رفيعي المستوى. وفضلًا عن ذلك، فإنّ الدور الذي تتبناه هذه الدول لنفسها على الدوام سياسيًّا ودوليًّا، أي تعزيز حقوق الإنسان، يتطلّب بالفعل أن تُصبح أكثر فاعلية في قيادة التحقيقات.

لذلك آمل أن نرى دولًا أخرى تُشارك في هذه الجهود لأنّ الولاية القضائية العالمية تتطلّب اتّباع نهج تدريجي. إنّ الأمر أشبه بأحجيةٍ كبيرةٍ، وعلى أية دولةٍ لديها الإمكانية أن ترقى إلى مستوى مسؤوليتها وتجد قطعةً مِن الأحجيّة تُناسبها للمساهمة في الجهد الدولي الشامل.