A picture taken during a guided tour organized by Egypt's State Information Service on February 11, 2020, shows an Egyptian police officer at the entrance of Tora Prison. (Photo by KHALED DESOUKI/AFP via Getty Images)
تعليق

تدوير القضايا…أداة قمعية مستحدثة لإبقاء المعارضة المصرية قيد الاحتجاز

تدوير القضايا أو الاعتقالات هو وقائع إعادة احتجاز من صدر بحقهم قرار بإطلاق السراح عقب انتهاء مدة الحكم، أو قرار بإخلاء السبيل، أو حكم بالبراءة،إلخ. بدأت السلطات المصرية تلك الممارسة بشكل محدود في الفترة من عام 2016 وحتى عام 2018، ثم بدأ التوسع في استخدامها تدريجياً من عام 2018، ووصلت ذروتها بحلول العام 2020، ولا تزال مستمرة رغم المطالبات المتكررة من المنظمات الحقوقية بإخلاء سبيل المتهمين غير المتورطين في أعمال عنف والإفراج عنهم خاصة في ظل انتشار جائحة كورونا.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسة لا يمكن فصلها عن سلسلة أخرى ممنهجة من الممارسات والانتهاكات التي تقوم بها السلطات الأمنية المصرية والتي تستهدف احتجاز المعارضين للنظام القائم والتنكيل بهم أمنياً بعد أحداث 3 يوليو 2013. تلك الممارسة تهدف إلى احتجاز المعارضين لفترات غير محدودة بحسب رؤية السلطات الأمنية دون الالتزام بالقرارات والأحكام القضائية، وذلك امتدادا لممارسات كانت تستهدف نفس الغرض قبل ثورة 25 يناير2011 لكن باستخدام آليات جديدة.

تم استحداث ممارسة تدوير القضايا بشكل خاص والتوسع في تطبيقها مؤخرا للتحايل على القانون ومن أجل تفادي فترات الحبس الاحتياطي المطولة؛ إذ ينص القانون على أنه لا يجوز أن  تزيد فترة الحبس الاحتياطي على سنتين، فأصبح قبل انتهاء فترة السنتين يتم إخلاء سبيل المعتقل، ومن ثم تدويره على ذمة قضية جديدة وبالتالي يصبح إجرائيا احتجازه صحيحا رغم مخالفته للقانون وعدم وجود أدلة. وفي بعض الحالات يُضاف المعتقل على قضية جديدة قبل إخلاء سبيله في القضية الأولى حتى  يتم ضمان أنه في حالة إخلاء سبيله من القضية الأولى يظل قيد الاحتجاز والحبس الاحتياطي على ذمة القضية الثانية المضاف إليها.

في حالات أخرى تُتَّبع سياسة التدوير من أجل إبقاء نشطاء وحقوقيين قيد الاحتجاز وغيرهم ممن ترى السلطات الأمنية عدم وجوب إطلاق سراحهم بالرغم من صدور أحكام قضائية بحقهم تقضي بالبراءة أو بعقوبة قُضِيت بالفعل.

تلك الممارسات المستحدثة ما هي إلا صورة أخرى لانتهاكات تقييد حرية المواطنين دون سند قانوني. قبل ثورة 25 يناير كان يُمارس نوع آخر من الانتهاكات استنادا إلى قانون رقم 162 لسنة 1958 المنظم لحالة الطوارئ. تنص المادة 3 ب مكرر من هذا القانون على أنهيجوز لمحاكم أمن الدولة الجزئية طوارئ، بناء على طلب النيابة العامة احتجاز من توافر في شأنه دلائل على خطورته على الأمن العام لمدة شهر قابلة للتجديد“. هذه المادة طُبقت بشكل جائر بسبب عدم قيام السلطات الأمنية بدورها في التحقيق خلال فترة الشهر المقررة قانونيا، ومن ثم توجيه الاتهام وتجديد قرار الحبس بدون سند قانوني لفترات قد تصل لسنوات.

وفقا لتصريحات أحد الضحايا فإن المحتجز يُرّحل شهريا من سجنه إلى مقر الأمن الوطني بلاظوغلي لمدة أقصاها أسبوع حتى يصدر قرار تجديد احتجازه لشهر آخر. كانت هذه العملية تتم بصورة ممنهجة مستهدفة بشكل رئيسي المنتمين للتنظيمات الإسلامية، وجماعة الإخوان المسلمين، وفئات أخرى من المعارضين مثل المنتمين لحركة الاشتراكيين الثوريين.

عقب أحداث 3 يوليو 2013 وعزل الرئيس السابق محمد مرسي، استهدفت قوات الأمن المنتمين للتيارات الإسلامية بشكل عام وجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص. هذا إضافة إلى وقائع احتجاز محدودة بحق المنتمين للتيارات الأخرى والتي أخذت تدريجيا في التوسع منذ عام 2017 وتحديدا بعد الاحتجاجات ضد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية.

ولكي تضمن قوات الأمن استمرار حجز المنتمين للتيارات الإسلامية والمعارضين السياسيين عموما لفترات غير محددة، اتبعت الأنماط الإجرائية التالية:

  • تشكيل دوائر إرهاب خاصة والتي اتسمت مجريات المحاكمات بها بالعديد من الانتهاكات البشعة والإعدامات الجماعية.
  • مثول المدنيين أمام المحاكم العسكرية والمعروفة بأحكامها المتشددة، وحرمان المعتقلين من المثول أمام القاضي الطبيعي المختص.
  • إدراج اسم الشخص في العديد من القضايا التي قد تصل إلى خمس أو أكثر، بحيث إذا صدر أحكام محدودة بالحبس تتراوح بين سنة واحدة لثلاث في القضية الواحدة، يظل إجمالي فترة الاحتجاز طويلا جدا.
  • تمديد فترة احتجاز الضحية على ذمة العديد من  المحاكمات بحيث أنه إذا حصل على حكم براءة فيهم جميعا يكون قد أمضى فترة طويلة فيا لسجن والتي تعتبر عقوبة في حد ذاتها.
  • اللجوء إلى الحبس الإحتياطي المطول والذي يمتد في بعض الحالات لأكثر من خمس سنوات. 

ومن الجدير بالذكر أن العديد من ضحايا تلك الممارسات عانوا أيضا من التعرض لإدراج أسمائهم على ذمة قضايا جديدة ولم يُطلق سراحهم بعد قضاء فترة العقوبة وكذلك لم يصدر قرار بإخلاء سبيلهم من الجهة المختصة.

بدأ التوسع في إستخدام التدوير كأداة لقمع المعارضين منذ عام 2018. وفقا لمركز شفافية للأبحاث والأرشفة والتوثيق فإنه في الفترة من 1يناير 2018 وحتى 15 مارس 2021 تم رصد 941 واقعة تدوير تعرض لها 774 ضحية. مع العلم أن هذه الحالات التي رُصدت فقط، وأن عدد الحالات في الواقع أكثر من ذلك بكثير.

ومن بين هؤلاء الضحايا :

  • عدد 660 ضحية تعرضوا لتلك الممارسة مرة واحدة على الأقل
  • عدد 77 ضحية تعرضوا لتلك الممارسة مرتين على الأقل
  • عدد 26 ضحية تعرضوا لتلك الممارسة ثلاث مرات على الأقل
  • عدد 9 ضحايا تعرضوا لتلك الممارسة أربع مرات على الأقل
  • ضحيتان تعرضتا لتلك الممارسة خمس مرات على الأقل
  • ضحية واحدة تعرضت لتلك الممارسة سبع مرات على الأقل

تُظهر الإحصائية السابقة ضخامة عدد الضحايا الذين عانوا من تلك الممارسة، وأيضا ممارستها لعدد كبير من المرات في حق الضحايا وليس مرة واحدة.

ويُلاحظ التوزيع الزمني وزيادة معدل الحالات تدريجيا وفقا للفترة الربع سنوية وجهة التحقيق التي تم عرض الضحية عليها وفقا للتوزيع الآتي:

 

وهنا تجدر الإشارة إلى العلاقة العكسية الواضحة ما بين تقليل اللجوء إلى إحالة القضايا إلي المحاكم المختصة للنظر فيها وزيادة تطبيق الحبس الاحتياطي كأداة رئيسية في قمع حرية المواطنين وتقييدها بالمخالفة للقانون والدستور. وذلك وفقا لبيانات نفس المركز.ويتضح من الجدولين السابقين اشتراك كلا من نيابة أمن الدولة والنيابة العامة بالتساوي تقريبا في ممارسة هذا الانتهاك. ويلاحظ أيضا بوضوح معدل تسارع التوسع في القيام بتلك الممارسة إذ يظهر بشكل واضح التزايد التدريجي بداية من الربع الأول من عام 2018 وفقا للأسباب التي تم توضيحها سابقا.

وبشكل عام، يمكن تلخيص الأنماط الرئيسية في ارتكاب تلك الممارسة كالتالي:

  • حالات يصدر فيها قرار بإخلاء سبيل الضحية ثم إدراجها في قضية جديدة: 577 حالة
  • حالات تنتهي فيها محكومية الضحية ثم تُدرج في قضية جديدة: 112 حالة
  • حالات يُحكم فيها بالبراءة لصالح الضحية ثم تُدرج في قضية جديدة: 216 حالة
  • حالات تُضاف فيها قضية جديدة للضحية أثناء فترة احتجازها على ذمة القضية الأساسية سواء بنفس الاتهامات أو باتهامات جديدة في نفس سياق الاتهامات المحتجز بسببها: 23 حالة
  • حالات تُستبعد فيها الضحية من قضية ثم لا يُطلق سراحها بل تُدرج على خلفية قضية جديدة: 4 حالات
  • حالات يصدر فيها للضحية قرار إخلاء سبيل ولا يُنفّذ القرار بل يُعاد تدويرها على ذمة نفس القضية: حالتان
  • حالات يصدر للضحية عفو من الحاكم العسكري ويتم تدويره على خلفية قضية جديدة: حالتان

فنجد أن كلا من القضية رقم 1338 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا، والقضية رقم 1413 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا الخاصة بأحداث 20 سبتمبر 2019 تم تدوير ما لا يقل عن 144 شخص من المدرجين بهما على ذمة قضايا جديدة عقب إخلاء سبيلهم، بالإضافة إلى إدراج 14 شخصا في نفس القضيتين بعد إخلاء سبيلهم من قضايا سابقة، ولم يُحال أي منهم للمحاكمة. وفي معظم الحالات يتم إخفاء الضحية قسريا لفترات متفاوتة تتراوح ما بين أيام إلي شهور قبل عرضها مرة أخرى على أي من جهات التحقيق. 

ومن أبرز الحالات المرصودة لتلك الممارسة الشابان بلال هاني كمال هلال، وخالد يسري ذكي محمد البالغان من العمر 19 عاما وقت اعتقالهما في 9 يناير 2015  بتهمة الانضمام لجماعة ارهابية، وقد صدر قرار بإخلاء سبيلهما ليتعرضوا من بعدها للاختفاء القسري والتدوير في قضايا جديدة ضدهما. في سبتمبر 2016 – وبعد عرضهما على النيابة التي أصدرت قرارا بإخلاء السبيل، وفي أكتوبر من نفس العامتعرضا للتدوير مرة أخرى. وتكررت هذه العملية في شهر مارس عام 2017، وأغسطس 2017، وللمرة الخامسة في يناير 2018 بعد العرض على النيابة وصدور قرار بإخلاء سبيل خالد يسري قبل أن يختفي قسريا لفترة ويُضم على ذمة قضية متعلقة بأحداث تظاهرات 20 سبتمبر 2019 رغم أنه كان قيد الاحتجاز وقت وقوع الأحداث. وفي عام 2020 صدر قرار بإخلاء سبيله ثم اُحْتُجِز على ذمة قضية جديدة لاحقا في نوفمبر من نفس العام.

ووفقا لتلك الأنماط المستخدمة يظهر بشكل واضح أنه بغض النظر عن الجهة التي أصدرت القرار بإطلاق سراح المعتقل حتى لو كان عفوا من الحاكم العسكري، فإن القرار في النهاية يخضع لجهة مجهولة غير قضائية تقوم بتحديد من يظل قيد الاحتجاز ومن يُفرج عنه. وهذا فرَّغَ منظومة التقاضي برمتها من مضمونها.

اتبعت السلطات الأمنية وبتواطؤ من جهات التحقيق نمطين رئيسيين لكي تقنن تلك الممارسات إجرائيا، وهما كالتالي:

  • الأول أن يتم إخفاء الشخص لفترة بعد إخلاء سبيله من القضية السابقة ثم عمل محضر ضبط جديد بتاريخ جديد باعتبار أنه تم بالفعل إطلاق سراحه والقبض عليه مجددا.
  • الثاني أن يُتهم الشخص بعقد اجتماعات مع محبوسين آخرين داخل السجن أو خلال جلسات تجديد الحبس بغرض ارتكاب جريمة إرهابية.

ومن الواضح أن تلك الانتهاكات تُمارس بشكل ممنهج وبتنسيق وتواطؤ كامل ما بين الأجهزة الأمنية الممثلة في وزارة الداخلية وقطاع الأمن الوطني بشكل خاص، والجهات القضائية الممثلة في كلا من نيابتي أمن الدولة والنيابة العامة. وبدلا من أن تكون سلطة الاتهام الممثلة في النيابة العامة المصرية مؤتمنة على حفظ حقوق المواطنين وحمايتهم من أي ظلم يتعرضون له، أصبحت هي من تقوم بقمعهم وتقييد حريتهم ومخالفة القانون بشكل ممنهج.

ومن الممكن اعتبار أن هذه الممارسة، بجانب كونها تعسفية ومخالفة للقانون والدستور، تهدف إلى تعذيب المعتقلين نفسيا، إذ أنه وعلى مدار سنوات احتجازهم، يمكن في كل جلسة صدور قرار بإطلاق سراحهم ومع هذا لا يُفرج عنهم بل يُعاد ضمهم إلي قضية جديدة، ما يُفقدهم الأمل في الحرية فيظنون أنهم مسجونون إلي الأبد، لكنهم قد يصبحون أحرارا في أي لحظة.