Egypt's Dar al-Ifta (photo via Wikimedia Commons).

أوقفوا عقوبة الإعدام

09/26/2018 . By Tarek Hussein

خلال شهري يناير وفبراير 2018، أصدرت كُل من الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي بيانات طالبا فيها الحكومة المصرية بوقف تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق 26 شخصًا، شابت محاكماتِهم انتهاكات أخلّت بحقوقهم في الحصول على محاكمة عادلة.

وفقا لتقارير حقوقية، توسع القضاء المصري في إصدار أحكام بالإعدام منذ الثالث من يوليو 2013 عقب الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسى، لدرجة إحالة محكمة جنايات المنيا أوراق 683 شخصًا للمفتي على خلفية أحداث قسم شرطة العدوة، بناءً على مرافعة استغرقت جلستين فقط، ليتم تأكيد الحكم على إثرها على 183 شخصًا. وهو ما أدانته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وقتها، ووصفت الحكم بأنه «محاكمات جماعية تنتهك بوضوح القانون الدولي لحقوق الإنسان». وفي تقرير آخر أصدرته منظمة العفو الدولية بعنوان «عقوبة الإعدام في 2017 حقائق وأرقام» قالت أن مصر هي أكبر دولة من حيث إصدار أحكام الإعدام في شمال افريقيا والشرق الأوسط، حيث وصلت أحكام الإعدام لـ 402 حكم في قضايا متنوعة.

ويُحاكم منذ الثالث من يوليو 2013 ما يقارب من ثلاثة آلاف شخص أمام القضاء- المدني والعسكري- على ذمة 65 قضية حُكم فيها بالإعدام، حتى يناير 2018. وشهد سبتمبر الجاري آخر تلك الأحكام الجماعية بالإعدام، حيث قضت محكمة جنايات القاهرة بحكم الإعدام على 75 شخصا في قضية فض اعتصام رابعة، بتهم القتل العمد وتدبير تجمهر مسلح وقطع الطرق وتقييد حرية الناس في التنقل وغيرها، وحثت الأمم المتحدة مصر في بيان لها على إعادة النظر في عقوبات الإعدام التي أصدرتها محكمة الجنايات بحق عشرات الأشخاص بينهم قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، في القضية المعروفة إعلاميا باسم «فض اعتصام رابعة». ووصفت ميشيل باشيليت، المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، المحاكمة بأنها «غير عادلة.»

الإعدام تاريخيا

تعد عقوبة الإعدام أقدم العقوبات البشرية، ويمكن تعريف عقوبة الإعدام بأنها: قتل شخص بإجراء قضائي من أجل العقاب أو الردع العام والمنع. ظلت عقوبة الإعدام راسخة في الغرب منذ القدم. ومع عصر التنوير برزت دعوات لإلغائها بوصفها منافية لحق الحياة ولأهمية الإنسان في المجتمع وفي البناء الحضاري. في القرن العشرين، تعزز هذا المنحى بعد أن نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 على حق الإنسان في الحياة، إلا أنَّ ديمقراطيات عريقة مثل فرنسا وبريطانيا لم تُلغ عقوبة الإعدام قبل ثمانينيات القرن العشرين.

مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الـ21، تراجعت عقوبة الإعدام في العالم بشكل واسع، ففي عام 2014 مثلا بلغ عدد الدول التي نفذت عقوبات الإعدام حوالي 22 من أصل 97 دولة تنص قوانينها على الإعدام، ما يؤشر على انحسار العقوبة التي دعا قرارٌ أممي غير ملزم إلى فترة تعليق لتنفيذها عبر العالم عام 2007. الجمعية العامة الأممية اعتمدت أعوام 2007 و2008 و2010 و2012 قرارات حثت فيها الدول على احترام المعايير الدولية التي تحمي حقوق الأشخاص الذين يواجهون عقوبة الإعدام، وتقييد استخدام تلك العقوبة تدريجيا، وخفض عدد الجرائم التي يُعاقَب عليها بالإعدام. وهناك أكثر من 160 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ألغت عقوبة الإعدام أو لا تمارسها. ومع ذلك، ما زال السجناء في عدد من البلدان يواجهون الإعدام.

التوصيات الدولية بشأن العقوبة

حظيت عقوبة الإعدام باهتمام بالغ من المجتمع الدولي، والمتابع للموقف الدولي من عقوبة الإعدام يجد أنه يتجه نحو إلغاء هذه العقوبة. ويتجسد هذا الموقف في صورة معاهدات، أو اتفاقات دولية أو إقليمية ترمي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات.

الملاحظ أن الدول التي ألغت عقوبة الإعدام في تزايد مستمر. فوفقاً لما رصدته منظمة العفو الدولية فإن 89 دولة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم، وعشر دول ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم عدى الجرائم العسكرية. ويمكن اعتبار أن 30 دولة قد ألغت عقوبة الإعدام من الناحية العملية؛ إذ توجد هذه العقوبة في تشريعاتها العقابية، وتصدر أحكام قضائية بها، ولكن هذه العقوبة لا تنفذ في الواقع العملي مما يرفع مجموع الدول التي ألغت عقوبة الإعدام في القانون والواقع العملي إلى 129 دولة. وقد ألغت أكثر من 40 دولة عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم منذ عام 1990. نصت العديد من الاتفاقيات الدولية كالاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية في المادة السادسة على أهمية الحق في الحياة وأهمية أن يحمي القانون هذا الحق والتاكيد على عدم حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي وأوصت بعدة توصيات للبلدان التي مازالت تنفذ عقوبة الإعدام. على المستوى القاري  في أفريقيا دعت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الدول الأفريقية إلى التقيد بالحظر الذي أعلنته على تنفيذ عقوبة الإعدام. واعتُمد القرار في الجلسة العادية الرابعة والأربعين للجنة الأفريقية، التي عقدت في أبوجا، بنيجيريا.

بدائل الإعدام

لماذا نطالب بإلغاء عقوبة الاعدام أو وقف تنفيذها حتى فتح حوار مجتمعي حولها؟ لاسيما أن عقوبة الإعدام هي العقوبة الوحيدة التي لا يمكن إعادة النظر فيها إذا ظهرت أدلة جديدة تثبت براءة المتهم مما أدين به. كما أن عقوبة الإعدام تمثل انتهاكا لأهم حقوق الإنسان على الإطلاق وهو حق الإنسان في الحياة، ذلك الحق الذي كفلته المواثيق والاتفاقيات الدولية ومنها المادة السادسة من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية. كذلك أنه يوجد عقوبات بديلة استخدمتها الكثير من الدول كالسجن لفترات طويلة «السجن المؤبد» حيث يمكن الرجوع عن العقوبة إذا ظهرت أدلة جديدة وأيضا تكون العقوبة البديلة بمثابة إعطاء المتهم فرصة لإعادة التأهيل داخل السجن ويمكن أن يكون هناك مراقبة ومتابعة داخل السجن لمراجعة الحالات التي تم إعادة تأهيلها داخل السجن لتكون جاهزة للانخراط داخل المجتمع مرة أخري.

هل عقوبة الإعدام كعقوبة تمنع الجرائم والعمليات الإرهابية؟ وهل التوسع في العقوبة مفيد أم مضر؟ لا تمنع العقوبة الجرائم فطبقا للبحوث فالبلاد التي ألغت العقوبة لم تزد بها الجرائم بعد حظر العقوبة، بل قلت في بلاد مثل كندا حيث جرائم القتل بها في عام 2008 عن عام 1976. مما لا شك فيه أن التوسع في استخدام العقوبة يقلل من الثقة في منظومة العدالة حيث في الفترات الأخيرة، وطبقا للتقرير الحقوقية، أن كثير من القضايا لا يتمتع فيها المتهمين بضمانات المحاكمة العادلة وكثير ما يتقدم الأهالي ببلاغات بتعذيب ذويهم لانتزاع منهم اعترافات، ومن هناك وعلى الجانب الآخر تزداد الكراهية تجاه الدولة من أسر المحكوم عليهم بالإعدام لقناعتهم بتعرض ذويهم للظلم ومصادرة حقهم في الحياة. وفي تصريحات كثيرة لمسؤولين أبرزهم رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي أنه يوجد مظاليم في السجون فيمكن أن يكون بين هؤلاء المظلومين من حكم عليه بالإعدام.

واختم المقال بكلمات قالها شخص حكم عليه بالاعدام بعد عام 2013 وتم تبرئته فيما بعد، في مقابلة تمت بعد الإفراج عنه، يقول «أعتقد أن أقسي لحظة مرت طول عمري هي لحظة صدور حكم الإعدام في حقي، مازالت أتذكر ما تلى تلك اللحظة من إجراءات: بداية من نقلي لعنابر المحكوم عليهم بالإعدام، الزنازين الانفرادية الضيقة سيئة التهوية التي لا تدخل الشمس لها، البدلة الحمراء، التريض بمفردي، وحتى زيارات الأسرة وأنا مكلبش اليدين عند الزيارة. كانت فترة صعبة لم أتخلص من أثرها النفسي حتى الآن. أتذكر أصوات المحكوم عليهم بالإعدام مازالت تتردد داخل أذني ولكن عزائي الوحيد أنه تم تبرئتي فيما بعد حصل جسدي على براءة ولكن مازالت روحي محبوسة داخل زنزانتي الانفرادية».

***

طارق حسين محامي  وباحث مصري مدافع عن حقوق الانسان. ويمكنك متابعته عبر «تويتر»: @TarekHussein22