A man rides a motorbike along a flooded street following heavy rain in Sudan's capital Khartoum, on August 13, 2022. (Photo by ASHRAF SHAZLY/AFP via Getty Images)
Climate Challenges and Impact

تغيُّر المناخ و غياب الاستقرار السياسيّ: هل سيجد السودان مخرجًا؟

.here Read this article in English

في عام 2019، بعد ما يقرب من عام من المظاهرات السلمية، تمكن الشعب السوداني من الإطاحة بالنظام الديكتاتوري الذي استمر 30 عامًا، وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي. وفي سبتمبر 2019، تشكلت حكومة انتقالية بقيادة عبد الله حمدوك وواجهت الحكومة المهمة الصعبة المتمثلة في معالجة الأزمة الاقتصادية وإصلاح القطاعات المختلفة في البلاد بهدف الإعداد لعقد انتخابات في عام 2023. وللأسف ثبت بالدليل القاطع أن التحول الديمقراطي في السودان قصير المدى، في أكتوبر 2021 استولت القوات المسلحة بقيادة اللواء عبد الفتاح البرهان على السلطة واعتقلت رئيس الوزراء وحلت الحكومة ووصفت ذلك بأنه “واجب وطني وليس أجندة“.

بينما كان السودان يمرُّ بتلك الحالة من عدم الاستقرار والاضطراب السياسي، استمرت البلاد في المعاناة من آثار تغيُّر المناخ المختلفة كونها واحدة من الدول الأكثر عُرضة لهذا التغير في العالم. وفي عام 2020، شهد السودان أكبر فيضاناته مع وصول منسوب مياه النيل إلى مستويات قياسية لم يسبق تسجيلها من قبل. وغمرت الفيضانات 17 ولاية من أصل 18، ودُمِّر أكثر من 100,000 منزل، بينما لقي ما يقرب من 100 شخص مصرعهم وتضرر ما يقرب من نصف مليون.

يُعد الجفاف أيضًا من التحديات الرئيسية التي تواجه السودان، ويدفعه إلى الصراع على الموارد. ووفقًا للتقييم البيئي لما بعد الصراع الذي أجراه برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن النزاع في دارفور الذي اندلع عام 2003 وأسفر عن مقتل ما يقرب من نصف مليون شخص وتشريد مليوني شخص، كان بسبب تغير المناخ والتدهور البيئي.

تشمل التأثيرات المناخية الأخرى على السودان الزيادة في درجات الحرارة وندرة المياه ما يضع ضغوطًا على المجتمع وقد يجعل بعض الأجزاء من البلاد “غير صالحة للسكن“.

يعيش السودان في حلقة مُفرَغة منذ عقود بسبب تأثيرات تغير المناخ. وفي كل عام، تشهد البلاد ظواهر مناخية قاسية تستمر في إضعاف البنية التحتية وقبل أن تتمكن البلاد من التعافي جزئيًّا من ظاهرة ما، تضرب البلاد ظاهرة مناخية أخرى أشد من السابقة.

خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف

عندما عُيّن حمدوك رئيسا للوزراء في أغسطس 2019، عمل على تشكيل حكومة تكنوقراطية بهدف إصلاح قطاعات البلاد وتحقيق الاستقرار. وأوضح حمدوك أن تغير المناخ كان على جدول أعماله وأن إحدى رحلاته الدولية الأولى تضمنت حضور مؤتمر قمة الأمم المتحدة للمناخ في سبتمبر 2019. ومنذ ذلك الحين، اتخذ السودان خطوات متعددة إلى الأمام في مواجهة التحدي المناخي.

في عام 2020، وافق صندوق المناخ الأخضر على توفير تمويل قدره 25.6 مليون دولار لمشروع المرونة المناخية الذي من شأنه تحسين الرعاية الصحية والغذاء والأمن المائي لحوالي 3.7 مليون شخص في 10 ولايات. وتمت الموافقة على تمويل إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لمشروع تعزيز القدرة التكيُّفيَّة للمجتمعات المحلية واستعادة إمكانات بالوعة الكربون في حزام الصمغ العربي في السودان. وكان الحصول على الموافقة على فرص التمويل هذه إنجازًا كبيرًا للسودان في حد ذاته، إذ يُعد البلد -تاريخيًّا- من بين البلدان التي كانت تكافح للوصول إلى التمويل الدولي للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه.

أطلقت الحكومة السودانية في العام نفسه، أول تقرير لها عن حالة البيئة والتوقُّعات المستقبليَّة. تضمَّن التقرير عرضًا شاملًا لحالة البيئة واتجاهاتها في السودان في الفترة من 2011 إلى 2020، وقدم رؤية بيئيَّةً يمكن للبلاد أن تتطلع إلى تحقيقها بما يتماشى مع خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

يُذكر أنَّ السودان اتَّخذ مؤخرا إجراءات لمعالجة أزمة المناخ وضمان أخذ المخاوف البيئية في الاعتبار في عملية انتقال البلاد. لكن الأمور لم تَدُم طويلًا وأدى انقلاب أكتوبر 2021 إلى تقويض الخطط المعنية بقضايا البيئية بشدة.

“لقد خيَّب الجيشُ مرةً أخرى آمال شعب السودان، وقضى على العمل الحاسم الذي تم على أرض الواقع”. وقال أحد الموظفين الحاليين في المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في السودان الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته “أن الانقلاب [غيَّر] الجدول الزمني لمشاريع صندوق المناخ الأخضر ومنع السودان من المشاركة الفعالة في الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ “COP 26″”.

وبعد فترة وجيزة من الانقلاب، استقال الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، البروفيسور راشد مكي حسن، الذي عيَّنه حمدوك، احتجاجًا على أعمال الجيش. وقع الانقلاب أيضًا قبل أيام قليلة من الإطلاق الرسمي للدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وهو الاجتماع السنوي للأمم المتحدة بشأن المناخ، وفيه يجرى التفاوض بين الحكومات حول موضوعات مهمة بشأن المناخ. وبسبب إغلاق المطار وانقطاع الإنترنت وخطوط الهاتف لم يتمكن غالبية الوفد السودانيّ من حضور المؤتمر وتُرك مقعد السودان شاغرًا في معظم الاجتماعات.

الدورة السابعة والعشرون لمؤتمر الأطراف: هل هي فرصة أخرى ضائعة؟

في نوفمبر من هذا العام، سيجتمعُ العالمُ بأسره في مصرَ لعقد الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف .COP 27 ويُعد هذا المؤتمر مهمًّا للغاية بالنسبة للبلدان النامية مثل السودان؛ لأنه بمثابة منصَّةٍ تتفاوضُ الحكومات من خلالها وتطالب البلدانَ المتقدمةَ بتعهداتٍ مناخيةٍ أقوى، لا سيما التعهدات المتمثلة في تقديم الدعم الفني والمالي.

ويُعَدُّ مؤتمرُ الأطراف هذا بالغ الأهمية؛ لأنه يُعقَد مباشرةً بعد الانتهاء من وضع قواعد اتفاق باريس العام الماضي في مؤتمر الأطراف 26. وستركز البلدان في مصر على تنفيذ هذه الاتفاقات، لا سيما تلك المتعلقة بالهدف الجديد بشأن التمويل الخاص بالمناخ الذي يلبي احتياجات البلدان النامية للتصدي لتغيُّر المناخ.

موضوع آخر ذو أهمية حيوية يتمثل في قضية الخسائر والأضرار الناجمة عن تأثيرات تغير المناخ والتي لا يمكن إصلاحها. وفي مؤتمر الأطراف 27، ستضغط البلدان الأكثر عرضة لتغير المناخ، مثل السودان، لتحقيق نتائج ملموسة في هذا الموضوع، خصوصا تقديم التسهيلات المالية المخصصة لهذه القضية.

وبما أن السودان دولة عضو في مجموعات التفاوض الرئيسية بشأن المناخ، وتحديدا المجموعة الأفريقية والمجموعة العربية ومجموعة أقل البلدان نموًّا، يتعين على السودان بذل المزيد من الجهود قبل انعقاد المؤتمر لتحديد أولوياته والمكاسب المحتملة من مؤتمر الأطراف 27. ولكن مع استمرار حالة التوتُّر السياسي وحقيقة أن تغيُّر المناخ ليس من أولويات الحكومة التي يقودها الجيش، فمن غير المُتوقَّع أن يتمكن السودان من تحقيق الإمكانات الهائلة المُنتَظَرة من مؤتمر الأطراف 27.

وهذه حقيقة محزنة لملايين الأشخاص الذين يعانون من آثار تغيُّر المناخ في السودان، وأحد العواقب الأخرى الخطيرة لأعمال الجيش التي تتسبب في زعزعة استقرار البلاد، وإعادة الشعب السوداني إلى نقطة البداية.

 

لينا ياسين باحثة سودانية في مجال المناخ بالمعهد الدولي للبيئة والتنمية.