تعليق

تونس بعد عشر سنوات: هل الكامور هي سيدي بوزيد الجديدة؟

بعد مرور عقدٍ على اندلاع الثورة التونسية عام 2010 والتي أدّت إلى الإطاحة بنظام الحزب الواحد لأكثر من 23 عامًا، لا يزال التونسيون غير قادرين على ترجمة إنجازاتهم السياسية إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية. ومع بلوغنا 17 ديسمبر الجاري الموافق للذِّكرى السنوية العاشرة لإقدام محمد البوعزيزي على إحراق نفسه (وهو اليوم الذي يعتبره مواطنو مدينة سيدي بوزيد “يوم الثورة الحقيقي”، على عكس تاريخ 14 يناير المُعترَف به رسميًّا)، لا يزال التونسيون يُواجهون نفس الشعور العام بخيبة الأمل وفقدان الثقة والمعاناة مِن التفرقة بين مناطق بلادهم كما كانوا منذ عشر سنوات. وما زاد الطين بلَّةً هذا العام هو قيام راشد الغنوشي – رئيس مجلس النواب ومُؤسِّس حركة النهضة – بتعيين محمد الغرياني، وهو آخر أمين عام لحزب التجمّع الدستوري الديمقراطي المنحل تحت رئاسة بن علي، كمسؤولٍ عن ملف المُصالحة في ديوانه، وذلك قبل أسابيع من الذكرى العاشرة للثورة، ممّا أثار تساؤلات جديّة حول المسار السياسي المستقبلي للبلاد.

مِن الجدير بالذّكر أنّه بدءاً مِن عام 2010 وخلال العقد الأخير فإنّ الهياكل السياسية والمدنية في تونس لم تعُد كما كانت عليه، حيث شهدت البلاد ازدهارًا للتعددية السياسية عقب نهاية حكم حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي وإنشاء عشرات الأحزاب والآلاف مِن منظّمات المجتمع المدني. ومع ذلك غدا هذا التطور سلاحاً ذا حدَّين بسبب “زيادة الإنتاج عن الطلب” في تعداد تلك الأحزاب والمنظمات، مما أثّر على مصداقية هذه المنظمات المتنافسة وقدرتها على حَشد التونسيين المُستنزَفين والمُعدَمين. وبالرغم مِن الخطط المُعتمَدة لتحقيق اللامركزية فإنّ سُلطات الدولة المحلية لا تزال دون دور رئيسي في اتّخاذ القرارات الخاصّة بمناطقها.

بقدر ما كانت “ثورة الياسمين” التونسية مُلهِمةً، فقد أخفقت على نطاقٍ واسعٍ في إحداث ثورة في الآليات التنظيمية. عندما كنت شابًّا من محافظة سيدي بوزيد قبل عام 2010، كانت كلمة “سياسة” لا تعني لي غير نظام بن علي وحزب التجمّع الدستوري الديمقراطي. وكان كلّ شيءٍ يدور في فلك هذا الحزب: البلدية والمدارس وحتى الكشّافة ومراكز الشباب. ارتبط النجاح في الحياة بالنسبة لي ومعظم أقراني بالتماهي مع الكيانات التي تدور في هذا المدار. لكن وبالنسبة لي وللكثيرين مثلي، لم نكتشف قوّة المعارضة الجماعية إلّا عندما انتقلنا إلى الدراسة الجامعية في العاصمة تونس. 

لم أدرج على سماع أي كان يُعبِّر بحريةٍ عن غضبه ومعارضته لـ”عائلة الطرابلسية الحاكمة” ولسياسات بن علي من قبل سوى داخل أسوار الجامعات التونسية، إذ لم يكن مألوفاً حينذاك سماع شيء من هذا القبيل خارج نطاق الجامعات في دولة بوليسية يحكمها الحديد والنار، وخاصةً في المناطق الداخلية الأكثر فقرًا. وقد مكّن هذا المناخ الجديد الأكثر انفتاحًا العديد من الطلاب مثلي في ذلك الحين من اتخاذ خطواتهم الأولى في النضال عن طريق التعبير الفني والعمل التطوّعي والتنظّم الطلابي.

بالنسبة إلى طلاب الجامعات من جيلي، كانت ثورة الشعب التونسي في ديسمبر 2010 حدَثًا مكَّننا من توسيع نطاق مشاركتنا المدنية. ففي ذلك الوقت، أسَّست مجموعةٌ مِن الطلاب القادمين من العاصمة ومن مناطق داخلية مُتعدّدة منظَّمة “أنا يقظ” (I Watch)، وهي أوَّل منظمة رقابية في تاريخ البلاد تهدف إلى مكافحة الفساد، وكنت أوّل من شغل موقع كاتب عام )أمين عام( فيها. نشأ الجيل الجديد للمجتمع المدني التونسي ما بعد الثورة وتحدَّدت غايات وجوده داخل إطار ثوري. وبالرغم من أنّ العديد مِن المُنظّمات التي سبقت الثورة كانت إمَّا محكومة من قبل “الدُّمى” الموالية للنظام أو ملجأً للمُعارضين السياسيين المُضّطهدين، فإنّ هذه الموجة الجديدة مِن منظمات المجتمع المدني التونسي كان يقودها تكنوقراطيون، وهم خرّيجو الجامعات مِن أبناء الوطن والمسؤولون التنفيذيّون الذين عاد بعضهم مِن الحياة بالخارج بُعيد الدراسة واكتساب الخبرة العمليّة.

كانت طُرق وأساليب منظّمات المجتمع المدني الجديدة في الدفع بمطالبها غير معهودة في بداية العشرية، إذ استعارت عناصر من الثقافة الشعبية ودمجتها في هيكلية العمل الدفاعي ونطاقه الرسمي. وما قصَّة حملة “مانيش مسامح” إلا مثالٌ واضحٌ على ذلك. ففي ردٍّ على مشروع قانون المصالحة المثير للجدل الذي قدَّمته حكومة النهضة ونداء تونس، شهدت تونس بداية حركة اجتماعية يقودها الشباب من أطيافٍ سياسيةٍ مختلفةٍ قاومت المحاولات المتكررة لعرقلة مسار العدالة الانتقالية، وخلال تلك المظاهرات هتف المُتظاهرون: “مانيش مسامح”. وبناءً على ذلك اعتُمِد هذا الهتاف شعارًا لهاته الحملة. ونظرًا إلى القاعدة المسيَّسة ذات الأغلبية اليسارية، لم تنجح حملة “مانيش مسامح” في فصل نفسها عن أحزاب المعارضة، بل كانت أشبه بامتداد لها. ونتيجةً لذلك تقلّصت الحركة سريعًا بعد اعتماد قانون المُصالحة، مما أنهى تجربة حماسية كان الكثيرون يأملون في أن تُؤدِّي إلى إنشاء حركة سياسية فريدة يقودها الشباب.

ومع ذلك، لم يقتنع التونسيون بشكل واسع بهذا النّوع مِن التنظيم نظرًا للصعوبات الاقتصادية خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي. وبينما كانت الهياكل القديمة والجديدة للمجتمع المدني – ولا سيما الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو أكبر اتحاد عمّالي في البلاد – في أخذ وردّ مع الحكومة المركزية في العاصمة، كان شباب الجنوب المحبطون والمحرومون مِن حقوقهم يبحثون باستمرارٍ عن طرقٍ أكثر فاعلية في جذب انتباه صنَّاع القرار في تونس. وفي عام 2017، أعلنت مجموعةٌ من المتظاهرين في تطاوين (وهي أكبر محافظة في الجنوب) اعتصامًا كبيراً وسيطرت على محطة رئيسية لاستخراج وضخّ البترول في الكامور.

كانت حركة الكامور بمثابة تصعيد لحملة إلكترونية سابقة تُدعَى “وين البترول؟” (أين البترول؟). ومع ذلك، لم تحصر هذه الحركة نفسها في ترديد الشعارات على الإنترنت أو في الاحتجاجات الروتينية أمام المسرح البلدي الشهير في شارع الحبيب بورقيبة للمطالبة بشفافية الدولة في التعامُل مع الموارد الطبيعية كما فعل الكثيرون من قبل. لم تُعارض هذه الحركة الوضع الراهن فحسب، بل قدَّمت مطالب مُحدَّدة تهدف إلى معالجة البطالة المزمنة في المنطقة، وكانت هذه المطالب تركّز علي توفير حصة عادلة من عائدات البترول والغاز واستثمار 20% من هذه العائدات في تطاوين. ومع حدوث عجز قياسي في الميزانية بلغ 12% من إجمالي الناتج المحلي عام 2020، أصبحت فكرة تفاوض الحكومة مع المتظاهرين الذين شلُّوا وسائل الإنتاج محور جدل لدى الذين لم يذعنوا لمثل هذه الأساليب.

وفي الوقت الذي تشعر فيه قطاعات واسعة من المجتمع التونسي بخيبة الأمل من نتيجة ثورة 2010، وبالرغم مِن الجمود السياسي والصعوبات الاقتصادية بسبب جائحة الكورونا، تظلّ تونس هي البلد الديمقراطي الوحيد في العالم العربي. فقد أحسن الجيل الذي أنتمي إليه بكل تأكيدٍ استغلال عنصر المفاجأة ومنصّات التواصل الاجتماعي الصاعدة في التنظيم والحَشد على المستوى الوطني عام 2010. بيد أنّ هذه العناصر لوحدها لم تعد اليوم بالفعالية ذاتها. وهذه الموجة الجديدة من المقاومة التي تتشكّل الآن في أماكن مثل كامور قد تعلَّمت من أخطاء الجيل السابق وأصبحت تركّز أكثر على النتائج لا السٌبل.

كانت سيدي بوزيد هي مهد الثورة التي خلقت الصدع المعرفي اللازم للمجتمع المدني التونسي للتحوُّل من المعارضة الخفيّة إلى المعارضة الصريحة والمساهمة في العملية السياسية. وليس مِن الغريب أن تُمنح جائزة نوبل الوحيدة في تاريخ البلاد عام 2015 إلى أربع منظماتٍ غير حكوميةٍ المكونة لما سمّي بـ الرباعي الراعي للحوار الوطني، وذلك اعترافًا بـ “المساهمة الحاسمة في بناء الدیمقراطية التعددية في تونس في أعقاب ثورة الیاسمین عام 2011”. ومع ذلك، لم تعد هذه الديناميكية التي مركزها تونس قادرة على احتواء مَطالب العدالة الاجتماعية. فقد دخلت تونس في عملية اللامركزية بعد اعتماد دستور 26 يناير 2014، وتبعتها في ذلك حركات النضال الاجتماعية. وعلى الرغم من المكاسب المحدودة فقد لعب المجتمع المدني لما بعد الثورة دورًا استراتيجيًّا في حماية العملية الانتخابية وضمان التحوُّل الديمقراطي في العقد الأخير. ومع دخولنا في العقد الثاني منذ إقدام البوعزيزي على حرق نفسه، مواكبة الواقع تتطلب إعادة تصوّر وتشكيل الأساليب من جديد.

نشر معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط هذا المقال بوصفه جزءًا مِن مشروع “عشر سنواتٍ على التنظيم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.