A Tunisian protester shuts down a valve at the oil and gas plant in El-Kamour, in the desert of Tunisia's southern state of Tataouine, as hundreds of protesters forced their way into the oil production site to demand jobs and development in the region, July 16, 2020. (Photo by FATHI NASRI/AFP via Getty Images)
Climate Adaptation and Mitigation

تونس والتحوُّل نحو الطَّاقة منخفضة الكربون

.here Read this article in English

في الأشهر القليلة الماضية، اضطرَّت تونس إلى مواجهة الضَّعف الكامن في قطاع الطاقة الناجم عن الصدمات الخارجية في سوق الطاقة. في عام 2021، شكَّل قطاع الطاقة نسبة 32.2 في المئة مِن إجمالي العجز التجاري للبلاد، ويتوقَّع الخبراء خلال عام 2022 مزيدًا مِن الارتفاع في نسبة النقد الأجنبي التي تُنفق على صادرات الطَّاقة، مع ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار دولارٍ واحدٍ، ما يُكلِّف الحكومة نحو 140 مليون دينار (ما يُعادل 48 مليون دولار). في مُحاولةٍ لمواجهة هذا الأمر وآثاره على التضخُّم، رفعت الحكومة أسعار الوقود في أبريل 2022 بنحو 5 في المئة للمرَّة الثَّالثة هذا العام، ما فرض ضغوطًا مُتزايدةً أثَّرت على دخل المواطن التونسي العادي، في وقتٍ تتزايَد فيه أسعار المواد الغذائيَّة والكهرباء أيضًا.

في ضوء “اعتماد تونس الكامل تقريبًا على الوقود الأحفوري لتلبية احتياجاتها المحليَّة مِن الطاقة”، تستعرض هذه المقالة تحوُّل البلاد نحو الطَّاقة منخفضة الكربون وقدرتها على التنويع في مصادر الطاقة، بعيدًا عن الوقود الأحفوري وتقديم حل مُستدام ومنخفض التكلفة لتلبية احتياجاتها.

يُشير التحوُّل نحو طاقة منخفضة الكربون إلى الانتقال مِن نظام طاقة قائم على الوقود الأحفوري إلى استخدام مصادر الطاقة المُتجدِّدة، مثل بطاريات تخزين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المد والجزر وبطاريات ليثيوم أيون. وهذا يتطلَّب تكييف أنظمة الطاقة – الإنتاج والنقل والتخزين والاستهلاك – فضلًا عن الفَهم الصَّحيح للطَّاقة واستخدامها. وهذه العمليَّة ليست بالضَّرورة سلسة أو مُباشرة، لأنَّ العديد مِن المُجتمعات المستضعفة في المنطقة تحتاج إلى حماية اجتماعية ومُساعدة مُباشرة. وعلى هذا النحو، يُصبح تحوُّل الطاقة أيضًا تحوُّلًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.

تحوُّل الطاقة في تونس

في عام 2009، نشرت السُّلطات أوَّل خطة تونسية للطاقة الشَّمسيَّة، وهي خارطة طريق للتحوُّل في مجال الطاقة وزيادة سعة الطاقة المُتجدِّدة في البلاد. واستهدفت الخطة توليد 30 في المئة مِن كهرباء البلاد من مصادر الطاقة المُتجدِّدة بحلول عام 2030؛ وبالمقارنة، استهدفت الجزائر 27 في المئة بحلول عام 2030، وليبيا 10 في المئة بحلول عام 2025، والمغرب 52 في المئة بحلول عام 2030.

رغم ذلك، أشار معهد حوكمة الموارد الطبيعية في تقريرٍ أصدره عام 2020، إلى أنَّ المسؤولين الحكوميين أعربوا عن قلقهم مِن أن هدف “الـ30 في المئة” لم يعُد قابلًا للتحقيق خلال هذا الإطار الزمني، مشيرين إلى آثار الجائحة على مشاريع الطاقة المُتجدِّدة. في عام 2021، أصدرت الوكالة الدولية للطاقة المُتجدِّدة، بالتعاون مع مسؤولين في الحكومة التونسية، تقريرًا وضع سلسلةً مِن الإجراءات التي مِن شأنها أن تُساعد تونس على زيادة سعة الطاقة المُتجدِّدة. وشمل ذلك، تبسيط إجراءات الشراء الخاصَّة بتطوير شبكة الطاقة وإنشاء هيئةٍ مُستقلَّةٍ للطاقة الكهربائية وإشراك البنوك المحليَّة في تطوير تطبيقات الطَّاقة المُتجدِّدة مِن بين إجراءات أُخرى.

المغرب: نموذج أم منافس؟

خلال السنوات الأخيرة، أشاد الخبراء بالمغرب لتخلُّصه التدريجي مِن الوقود الأحفوري ونجاحه في جذب الاستثمار في الطاقة الشمسيَّة، فقد اتَّبعت حكومة المغرب نهجا “شاملا للحكومة” يربط بين تعزيز الاستثمار في البنية التحتيَّة ووضع إطار تنظيمي واضح للمُستثمرين الأجانب مع الإلغاء التدريجي لدعم الوقود الأحفوري، وذلك مِن بين إجراءات أُخرى. ويُعدُّ المغرب أحد النماذج الممكنة للتحوُّل في استخدام الطاقة في تونس ومنافسًا مِن شمال إفريقيا، يتمتَّع بإمكانيَّة جذب المستثمرين بعيدًا عن تونس. كما أنَّ روابطه الأكثر تطوُّرًا التي عزَّزها مع الشركات الأوروبية والدول الإفريقية تجعله جذَّابًا على نحو خاص للمُستثمرين الأجانب.

يعدُ المغرب إذًا مثالًا يُوضِّح كيف يُمكن للإرادة السياسية والتفكير التعاوني بين الوزارات الحكومية والجهات الفاعلة في القطاعَيْن العام والخاص – على المستويين المحلي والدولي – أن يُسهِّلا عمليَّة التحوُّل النَّاجح في الطَّاقة. مِن الضَّروري أن تُهيِّئ الحكومة في تونس الظروف لنمو هذه الرَّوابط والعلاقات. ولإعطاء مثال واحد خاص بالسياق التونسي، يجب أن يشمل الحوار الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي قاوم سابقًا مشاريع الطاقة الشمسية على أساس أنَّها تُمثِّل تهديدًا لمعيشة العاملين في الشركة التونسية للكهرباء والغاز التي يُمثِّلها الاتحاد. في الواقع، توجد دلائل على أنَّ الشركات التونسية تتطلَّع الآن إلى نقل عمليَّاتها إلى المغرب للاستفادة مِن الاستقرار الاقتصادي والسياسي النسبي مُقارنةً بتونس.

نظام الطاقة الوطني التونسي والاستثمار الدولي

تتطلَّع الآن البلدان التي استثمرت محليًّا في تقنيات الطاقة منخفضة الكربون، مثل المغرب، إلى تصدير تلك التقنيات والمعرفة إلى بلدانٍ أُخرى مثل تونس التي تقف متأخرة في منحنى التحوُّل. وسيعمل هذا الاتجاه على هيكلة القوة السياسية والاقتصادية في المنطقة على المديَيْن القصير والمتوسط.

في مارس 2022، أعلنت الحكومة التونسية الموافقة على مشاريع الطاقة الشمسية في جنوب البلاد (تطاوين، وتوزر، وسيدي بوزيد، والقيروان، وقفصة) المُصمَّمة لخدمة احتياجات الطاقة المحليَّة في تونس. ومنحت الدولة عقودًا لعدَّة مجموعات: شركة “سكاتك سولار” النرويجية، والشركة الفرنسية المغربية “ناريفا”، واتحاد الشركة الصينية TBEA Xinjiang New Energy وشركة Amea Power التي تتَّخذ مِن الإمارات العربية المتحدة مقرًّا لها. ومِن المُتوقَّع أن تُؤدِّي هذه المشاريع إلى خفض واردات الغاز الطَّبيعي بنسبة 6 في المئة. وتتوقَّع الحكومة أن تخلق هذه المشاريع مُجتمعةً 200 وظيفة مُباشرة و2000 وظيفة غير مُباشرةٍ في بعض المحافظات الأكثر تهميشًا في تونس.

يُمثِّل اتحاد TBEA-Amea Power اتِّجاهًا مُتزايدًا في امتيازات مصادر الطاقة المُتجدِّدة. ويرى المستثمرون الصِّينيون في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا موقعًا مهمًّا للمشاركة في المشاريع الخضراء وتزداد هذه الرُّؤية أكثر فأكثر، إذ شاركوا في مشاريع كبرى خاصَّة بالطاقة الشمسيَّة في المغرب ومصر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمَان. وبالإشارة إلى طموحات الصِّين في هذا القطاع، تشتري مجموعة تقودها شركة الطاقة الصينية المملوكة للدولة China Three Gorges Corporation شركة Alcazar Energy Partners، وهي شركة لتطوير طاقة الرياح والطاقة الشَّمسية ومقرَّها دبي.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نفسها، وقَّعت شركة Amea Power في وقتٍ سابقٍ اتفاقية شراء الطاقة مع الشركة المصرية لنقل الكهرباء، ولديها مشاريع أخرى قيد الإنشاء في الأردن. كما أنَّ شركة “ناريفا” التابعة لشركة “المدى” القابضة، والتي تملك العائلة المالكة المغربية حصة كبيرة منها. وهذا يُؤكِّد رغبة الدولة المغربية في تصدير خبراتها في مجال الطاقة وتطوير مشاريع الطاقة الخضراء في إفريقيا.

وتكشف كل مِن اتفاقيات “ناريفا” واتفاقية TBEA-Amea عن الرَّغبة في الاستثمار في بلدان الجنوب والروابط الاقتصادية التي بدأت في تشكيل تحوُّلات الطاقة في الجنوب العالمي.

تحوُّلات الطَّاقة وأهميَّة المشاريع المحليَّة

رغم أنَّ المشاريع الوطنيَّة مصادر مُهمَّة للطَّاقة النظيفة، ومِن شأنها أن تُخفِّض مِن اعتماد تونس على واردات الغاز والنفط بشكلٍ ملحوظٍ، فقد تكون على حساب مُخطَّطات الطاقة المحلية وأوجه تمكين المجتمع. وتُساعد سياسة الطَّاقة المُنخفضة الكربون المرتكزة على المُجتمع في ضمان أن يكون تحوُّل الطاقة عادلًا ومُنصفًا، ما يعود بالفائدة على الأشخاص الأكثر عُرْضَة لآثار تغيُّر المناخ.

فضلًا عن ذلك، يُمكن لعددٍ مُتزايدٍ مِن المُنظَّمات التي تعمل في قطاع الطاقة المُتجدِّدة في تونس أن تُؤدِّي دورًا أكبر في تعزيز تحوُّل القطاع، ويُمكن أن تشمل المُنظَّمات غير الحكومية الدولية والجمعيات المحلية؛ مثل جمعية الجيل الجديد للتنمية والبيئة في تطاوين، وجمعية ساعة الأرض في تونس، والجمعية التونسية للطاقة.

إلى جانب سياسة الطَّاقة الوطنية في تونس، توجد إشارات مُشجِّعة على أنَّ البلاد ستُعزِّز توليد الطَّاقة محليًّا. في عام 2015، وضع قانون 12-2015 إطارًا تنظيميًّا ومؤسسيًّا لتشجيع الاستثمار في مشاريع الطاقة المُتجدِّدة المُستقلِّة ومشاريع التوليد الذاتي المحليَّة. ويفتح القانون الباب أمام المشاريع المحليَّة المُصمَّمة للاستهلاك الذَّاتي للطَّاقة المُتجدِّدة أو لبيع الطاقة للشركة التونسية للكهرباء والغاز أو لتصدير الطَّاقة. ومع إطلاق مُخطَّط تجريبي في توزر لتركيب 4000 لوحة كهروضوئية للأسر ذات الاستهلاك المنخفض للطاقة، ثمة إشارات مُشجِّعة على أنَّ هذا التشريع بدأ يُؤتي ثماره. ويهدف المشروع عمومًا إلى مُساعدة 800 ألف أسرة تونسية على توفير ما يصل إلى 41 مليون دينار (13.51 مليون دولار).

يربط التونسيون نقص الفرص الاقتصادية والتنمية في المناطق الجنوبية باحتكار الدولة لقطاع الطاقة وقلّة التنوُّع في موارد الطاقة. كما حاول المُواطنون الضَّغط على الحكومة لإدارة هذه الموارد على نحو أكثر إنصافًا وتخفيف حدَّة الفقر وخلق اقتصاد مُستدام. مثلًا، خلال السنوات الأخيرة، شهدت كُلٌّ مِن جزر قرقنة ومحافظة تطاوين احتجاجات ضد التهميش الإقليمي واستغلال الشركات مُتعدِّدة الجنسيات للموارد الطبيعيَّة.

رغم الممارسات الاستغلالية لاستخراج الموارد في الصناعة بمحافظة تطاوين الجنوبية، فإنَّ العديد مِن الشباب يتطلَّع إلى العمل في شركات البترول مُتعدِّدة الجنسيَّات العاملة في الصحراء، خاصَّةً أنَّ الأجور الجيِّدة والوظائف المُستقرِّة تجذبهم. وتُشير الدراسات إلى أنَّ احتياطيات النفط في المنطقة تبدو آخذةً في النضوب. وقد استثمر عدد أقل مِن الشَّركات في استخراج الوقود الأحفوري خلال السنوات الأخيرة، وأوقفت الحكومة تراخيص البحث، ووجَّهت الشركات نفسها نحو الطاقات البديلة والغاز الطبيعي والوقود الحيوي.

تتمتَّع تطاوين بنحو 300 يوم مُشمس في السنة، وهي في وضعٍ جيِّدٍ يسمح لها بأن تُصبح مركزًا للطاقات المُتجدِّدة، شريطة أن تُقدِّم الحكومة حوافزَ وتسهيلاتٍ للمُستثمرين، لا سيما أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة، لتسخير الموارد الطبيعية في المنطقة. وبدلًا مِن إعادة أشكال نزع ملكية الموارد واستخراجها التي اتَّسمت بها صناعة البترول في المنطقة، يجب أن تُركِّز عملية التحوُّل منخفض الكربون على الوضع المحلي، وتحويل تطاوين إلى مدينةٍ نموذجيةٍ منخفضة الكربون، إذ تستفيد المجتمعات المحليَّة مِن التقنيات الجديدة بإتاحة مصادر طاقة ووظائف وفرص تطوير موثوقة.

السياسات اللازمة للمضي قدمًا

يتميَّز سياق الطاقة الوطني في تونس بزيادة الطلب على الطاقة والاعتماد القوي على مصادر الطاقة الخارجية. ولا يزال التحوُّل إلى الطاقات المُتجدِّدة يُواجه العديد مِن العقبات، لا سيما ارتفاع تكاليف الاستثمار الأولية مقارنةً بمصادر الطاقة التقليدية ونقص الخبرة والمعرفة وقلَّة المعلومات الموثوقة بشأن موارد الطاقة المُتجدِّدة المتاحة وفوائدها الاقتصادية المحتملة. وتوجد أربع سياسات إذا طُبقت، يُمكن أن تزيد مِن احتمالية وصول تونس لهدفها الخاص بتحويل الطاقة والاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 30 في المئة بحلول عام 2030، وعليها أن تُحقِّق ذلك على نحو يعود بالنفع على السكان، لا سيما سكان الجنوب المُهمَّش. وهذه السياسات الأربعة هي:

  • تعزيز الإطار التشريعي التونسي لمصادر الطاقة المُتجدِّدة، مع خلق روابط واضحة بين المشغلين والمقاولين وموردي الطاقة والهيئات الحكومية.
  • إنشاء شركاء تجاريين متعددي الجنسيات للطاقة المتجددة في كُلٍّ مِن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط، حتى تصبح تونس مركزًا رئيسيًّا للطاقة المتجددة في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
  • الجمع بين الاستثمار في الطاقة المتجددة وخلق فرص العمل في المناطق الجنوبية والداخلية المُهمَّشة في تونس لضمان أن تحوُّل الطاقة في البلاد يُوفِّر أيضًا كرامة اقتصادية واجتماعية لشعب تونس. ولضمان خلق فرص عمل على نطاق واسع، يجب أن يحدُث ذلك على عددٍ مِن المستويات، لا سيما إنشاء مستويات جديدة في هندسة الطاقة الخضراء، وتوفير فرص لإعادة التدريب المهني، وتوجيه التزام تونس الدستوري بالتمييز الإيجابي نحو تحقيق التنمية الاقتصادية في مناطقها المُهمَّشة بتطوير الطاقة الخضراء.
  • تعزيز المشاريع التي تُركِّز على الموارد المحليَّة و تُوفِّر طاقة مُتجدِّدة ميسورة التكلفة للأُسر. ولتشجيع مثل هذه المشاريع، قد ترى الحكومة ضرورة دعم قروض الشركات الصَّغيرة العاملة في المناطق المُهمَّشة وتبسيط عمليَّات الحصول على القروض.

 

أشرف الشيباني زميل غير مُقيمٍ بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يُركِّز في أبحاثه على آثار تغيُّر المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.