Fans of the Lebanese group Mashrou Leila show a a rainbow flag at the concert in Cairo, Egypt, 22 September 2017. (Photo by Benno Schwinghammer/picture alliance via Getty Images)
تعليق

ثورات الربيع العربي: أحلام ومآلات التغيير السياسي والاجتماعي لأفراد مجتمع الميم عين (مصر والسودان نموذجا)

الثورات سلسلة من الأحداث والسيرورات

إنّ الاحتجاجات السلمية التي اجتاحت العديد من بلدان المنطقة، وعرفت باسم ثورات الربيع العربي، كانت صرخة قوية ضد الظلم والتهميش والفساد السياسي، وعلى الرغم من اختلاف السياقات المحلية لكل بلد، فإنّ هذه الثورات تقاطعت في الكثير من المطالب مثل العدالة والحرية وإنهاء الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية. بالنظر إلي مالآت التغيير السياسي والاجتماعي لثورات الربيع العربي، قد يقول كثيرون/ات إنّ هذه الثورات فشلت في إحداث تغيير حقيقيّ وإن أغلبها أفضي إلي أنظمة حكم أشدّ قسوةً وفتكاً بالناشطين/ات السياسيين/ات والحقوقيين/ات وأكثر عداءً للديمقراطية وحقوق الإنسان, لكن، ممّا لا شك فيه أنّ ثورات الربيع العربي قد ساهمت مساهمةً كبيرة في تشكيل بني الوعي الجمعي للكثير من فئات المجتمع، خاصةً الشباب والنساء والفئات الأكثر تهميشاً مثل أفراد مجتمع الميم عين، كما علّمتهم/نّ أهمية وضرورة التغيير السياسي والاجتماعي من منظور التقاطعية النسوية للقضايا ووفّرت منصّات أكثر لحرية التعبير وفرصاً أكثر إبداعية للتنظيم. 

تقول نور سلطان، ناشطة كويرية مقيمة في القاهرة: {بالرغم أن هذه الثورات قد تكون فشلت سياسياً، ولكنها نجحت في إحداث تغيير اجتماعي حقيقي وفي توسيع مدارك الناس ولفت انتباههم/نّ إلى العمل على قضايا تقاطعية أوسع من مفهوم التغيير السياسي بمعناه التقليدي}.

شمولية وتقاطعية المطالب والقضايا

كانت ثورات الربيع العربي في العديد من البلدان رمزاً للحرية والتغيير السياسيّ والاجتماعيّ على كثير من المستويات والأصعدة. ولقد ساهمت هذه الثورات في رفع الوعي بأهمية النضال وسط قطاعات كبيرة من الشباب والنساء والفئات الحالمة بالتغيير من أجل خلق واقع أفضل وضمان مستقبل أكثر ازدهاراً. ومثل أي حراك سياسي، كانت هناك قويً اجتماعية لها مطالب حقوقية أكثر خصوصية وتقاطعات مباشرة مع المطالب السياسية. فعلى سبيل المثال، سعت الحركات الاجتماعية المطالبة بحقوق النساء والعدالة الجندرية في مصر إلى فرض أجندتها منذ بداية الثورة، حيث كانت النساء مشاركات أصيلات في تحريك وصناعة هذه الثورات. 

في الثامن من مارس 2011، خرجت مجموعات من النساء والنسويّين/ات للاحتفال باليوم العالمي للمرأة في ميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية القاهرة. كان ذلك أول اختبار حقيقي لمدي دعم النخب السياسية لأجندات التغيير الاجتماعي، كما كان اختباراً لمدي استعداد الشارع المصري لاستيعاب أنّ التغيير الذي حدث في البلاد لن يفضي فقط إلي انفراج سياسي ونهضة في مجال تحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة وخلافه، وإنّما هو ثورة على نظام أبويّ بامتياز يقوم على تمكين النخب الطفيليّة الفاسدة والمقاومة للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية. ولقد كان العنف الذي قوبلت به تلك المسيرة، إلي جانب العنف الممنهج الذي تعرضت له النساء في مراحل مختلفة أثناء وبعد الأيام الأولي للثورة والذي وثّقته العديد من المجموعات الحقوقية، مؤشّراً كبيراً على أنّ التغيير السياسي الذي طال نظام الحكم لم يصطحب معه موجة تغيير اجتماعي جذرية وشاملة.  

تقول ندي البنّا، ناشطة كويرية مصرية: {حقوق المرأة مكانتش أولوية في الميدان، وبعض النشطاء السياسيين كانت أولوياتهم تتمحور في الحقوق السياسية والاقتصادية بعيداً عن الحقوق المدنية. وقد كان عندهم قصور واضح في فهم أن التغيير السياسي ممكن يشمل برضو الإبقاء على مكتسبات سياسية من النظام السابق. خناقة النشطاء السياسيين مع النسويّات على ما يسمّي بـ “قوانين سوزان مبارك” كانت أكبر دليل علي قصر النظر ده“.

أجندة كويرية أم أجساد كويرية وعابرة

يعتبر الحراك الكويري في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا حديثاً بشكل نسبي مقارنة بحركات اجتماعية أخري. فقد نشأت أوائل المجموعات المدافعة عن حقوق أفراد مجتمع الميم عين في لبنان وفلسطين، وذلك بالتزامن مع إنشاء جمعية أصوات نساء فلسطينيات في 2003 وجمعية حلم اللبنانية في 2004. كما تكوّنت لاحقاً مجموعة القوس الفلسطينية في العام 2007، ثمّ أعقبتها مجموعات أخري في المغرب الكبير في الجزائر والمغرب وتونس وبقية دول شمال إفريقيا مثل مصر والسودانالخ. إلّا أنّ حراك مجتمع الميم عين في المنطقة بشكل عام لم يبدأ مع ثورات الربيع العربي، وإنما بدأ قبلها بسنوات طويلة، حيث كان هناك وجودٌ ملحوظ للمجموعات الكويرية التي كان لديها نشاط مقدر. ولكنّ هذه الثورات دفعت هذا الحراك إلى الأمام وساهمت في ظهوره بشكل أكبر ونوّعت في أجندته وخطاباته السياسية لأنّ هذه الثورات كانت تحمل في داخلها أحلاماً وآمالاً للتغيير الاجتماعي وتغيير في الخطابات السياسية التقليدية.

تقول بيري، امرأة عابرة مصرية وناشطة كويرية: {كنت أعيش وسط عائلة متشددة دينيا عندما قامت الثورة. جنسانيتي كانت أزمة بالنسبة لي خصوصا عندما علمت أسرتي بها. ولكن الثورة ساعدتني في تقبل نفسي والإفصاح عن هويتي لأشخاص أكثر من حوليالثورة كانت دافع أنى أخرج برة كل الصناديق المغلقة}.

بسبب حداثة حراك مجتمع الميم عين في المنطقة، كانت معظم المنظمات والمجموعات الكويرية تتبني أجندة محلية تركّز بشكل أساسيّ على قضايا الميل الجنسي والهوية الجندرية في بلدانها. لذلك، وبالرغم من التواجد الكبير لأفراد مجتمع الميم عين منذ بداية اندلاع هذه الثورات في العديد من البلدان، على سبيل المثال في مصر والسودان، فإنّ هذا الحضور تمظهر في حضور الأجساد الكويرية والعابرة بكل حماسها الثوري وأحلامها في الظهور والتغيير. إلّا أنّه كان هناك غياب للأجندات الكويرية التي لم يكن لديها رؤية واضحة او صوت عالٍ في حينه.  يقول مدحت العيادي، ناشط/ة كويري/ة مصري/ة لا ثنائي/ة الجندر {في البداية انا نزلت ميدان التحرير وشاركت في الثورة كمواطن مصري مش بسبب ميولي الجنسية أو هويتي الجندرية … بس ده كان نقطة تحول في خلق الوعي عن ميولي وهويتي بشكل شخصي، و كمان كان نقطة تحول في بناء معرفتي بحقوق الانسان و الحقوق الشخصية و الاجتماعية}

مصر ما بعد الثورة: خطابات المناصرة واستراتيجيات النضال الكويري

ساهمت ثورات الربيع العربي بشكل عام والثورة المصرية بشكل خاص في تطوير حراك مجتمع الميم عين وبلورة خطاباته لأجل المناصرة وكسب التأييد، حيث كان الظهور أمراً أساسياً ومحورياً في ارتباط الحركة الكويرية بالثورة المصرية. ولأسباب ربما تتعلق بأمن وسلامة النشطاء/ات من أفراد مجتمع الميم عين، لم يكن هذا الظهور يشمل أفراداً بعينها في الأيام الأولي للثورة، وإنّما كان ظهوراً للقضايا ولأجندة واستراتيجيات المناصرة على المستوي المحلي والإقليمي والدولي. 

لقد كان لدى الأجيال التي عاصرت الثورة المصرية من أفراد مجتمع الميم عين إيمان بأنّ القضية الكويرية هي قضية سياسية بالأساس. وطالما لا يوجد طرح للقضايا الكويرية في أجندات الحركات السياسية والمجتمع المدني وفي أروقة صنع القرار في الدولة المصرية، فالحراك الكويري المصري ما زال لديه تحديات سياسية كبيرة.

يقول ابانوب اسامة، ناشط كويري مصري: {لولا الثورة مكّناش حنفهم عن أنفسنا وكانت حياتنا ستكون بائسة وحزينة. فهمنا كتير عن حياتنا وعلاقاتنا المعقدة بعائلاتنا من خلال الصدام المستمر مع المجتمع والدولة}. 

لقد كان للمبادرات الفردية لأفراد مجتمع الميم عين في مصر منذ التسعينات وما قبل الثورة و التي ساهم الإنترنت والاعلام في انتشارها بشكل كبيرإسهام كبير في تطوير الحراك الكويري بعد الثورة، وذلك لأن الثورة كانت عبارة عن محطات ومجهودات سياسية متراكمة عابرة للطبقات.

ساعد المناخ الثوري في مصر عقب الثورة الكثير من أفراد مجتمع الميم عين الناشطين/ات في مجال الدفاع عن التعددية الجنسية والجندرية على رؤية التقاطعات مع القضايا الحقوقية الأخرى مثل الحقوق السياسية والاقتصادية والمدنية. ولقد ساهم ذلك في الدفع بالمجهودات المتعلقة بكسب الحلفاء/ات وسط الأحزاب السياسية وناشطي/ات المجتمع المدني والحركات والمجموعات النسوية رغم أن هذا الأمر كان شاقاً وبطيئاً. حيث إنّ الكثير من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ماعدا قلّة قليلة لم تكن مهتمة بتضمين الأجندة الكويرية ضمن أجنداتها الحقوقية. هذا الأمر لا يخصّ حقوق أفراد مجتمع الميم عين فقط بل يشمل أيضاً أجندات التغيير الاجتماعي النسوية. فعلى الرغم من مشاركة قطاعات كبيرة من النساء في الثورة المصرية عام 2011 وفي الثورة السودانية عامي 2019-2018، إلّا أنّه تم إقصاء النساء بشكل واضح وممنهج أثناء المفاوضات السياسية ومراحل تأسيس الدولة الجديدة. 

تقول نور سلطان: {كانت هناك طموحات وأحلام لأفراد مجتمع الميم عين في مصر لحدوث تقبل أوسع للهويات الجنسية والجندرية المختلفة كجزء من التغيير الاجتماعي الذي كان متوقعاً بعد الثورة. ذلك بالطبع لم يحدث لأنّ هذه الاحلام والطموحات كانت أكبر من الحراك نفسه. ولكن على الأقل غرسنا بذرة لهذا التغيير نجني ثمارها ببطء الان}.

في السنوات الأولي التي أعقبت الثورة المصرية، وعلى الرغم من تقلّد الإخوان المسلمين لزمام الحكم (وهو الأمر الذي رآه البعض عودة للوراء ونكسة على قيم الثورة)، إلّا أنّه كان هناك حماس واسع للعمل الحقوقي، وهو الأمر الذي تجلّي في ظهور وإنشاء مجموعات سياسية أو نسوية شابة ليس بالضرورة في العاصمة أو المركز وإنما في مناطق جغرافية مختلفة من الدلتا إلي صعيد مصر. هذا الأمر ساهم في تطوير الحركة الكويرية في مصر بشكل كبير، حيث ساعد في تطوير رؤية المجموعات الكويرية للقضايا التقاطعية مع أجندة الحراك الكويري، سواءً في تقاطعاتها مع الأجندة النسائية والنسوية أو مع القمع السياسي والتهميش الذي تعاني منه الأقليات العرقية والدينية في مصر وضرورة خروج الحراك من المركزية الخانقة. كل هذا أسهم الأمر في تطوير الأجندة الكويرية بشكل استراتيجي عبر زوايا مختلفة لم تكون موجودة قبل ثورات الربيع العربي.

سارة حجازي: الأجساد تفني ولكن الأفكار لا تموت

بعد حادثة حفلة مشروع ليلي في سبتمبر 2017، يري الكثيرون/ات أن الحراك الكويري في مصر تطور بشكل ملحوظ في آلياته واستراتيجياته للمناصرة وكسب التأييد، وكذلك في تنوّع الأفراد والمجموعات العاملة على قضايا الميل الجنسي والهوية والتعبير الجندري. وعلى الرغم من مرورالحركة الكويرية في مصر، منذ حادثة الكوين بوت في 2001 مايو، بالكثير من المنعطفات الهامة التي اتّسم معظمها بكونها صراعات ونضالات شاقة ومستمرة مع المجتمع والدولة ضد الظلم والتهميش ومحاولات مستميتة لتوفير الحماية لأفراد مجتمع الميم عين من الاعتقالات المتكررة التي تنوعت في طرقها وجغرافياتها ، إلا ان منعطف حادثة مشروع ليلي كان ذا خصوصية وتفرّد مختلفين. حيث ساهم هذا الحدث في رفع مستوي الظهور للعديد من النشطاء/ات الكويريين/ات وللأجندة الكويرية سواءً على المستوي المحلي او العالمي. لا أنفي بالطبع أنّ هناك الكثير من الأحداث المشابهة التي لاقت زخماً إعلامياً وربما تضامنا من قبل أفراد وحلفاء/ات مغايرين/ات جنسياً (مثل حادثة حمام البحر ديسمبر 2014 والتي كان من اللافت فيها أن قضت محكمة جنح الأزبكية في يناير 2015 ببراءة جميع المتهمين في القضية بدعوى أن تقارير الطب الشرعي قد خلصت إلى أنّه لم يثبت على المتهمين ممارسة المثلية الجنسية جسديّاً).

بالنظر إلى التضامن المحلي من المجتمع المدني في مصر وعلى المستويين الإقليميّ والعالميّ من قبل مجموعات كويرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعموم أفريقيا وأوروبا وأمريكا وكندا إلخ، وبالنظر إلى أنّ هذه القضية بالذات، ولأول مرة، يتمّ فيها القبض على امرأة كويرية وناشطة حقوقية وسياسية فقد تحولت هذه القضية إلى حدث سياسي يتعدى مجرد كونها قضية تتعلق بجنسانية وأجساد الكوير و العابرين/ات.

وعلى الرغم من أنّ هذه القضية ساهمت مساهمة كبيرة وفعالة في الدفع بالحركة الكويرية إلي الأمام وزادت من أعداد الحلفاء/ات والمناصرين/ات، إلّا أنّ هناك أفراداً كثيرين/ات دفعوا/ن ثمناً غالياً بين تحمّل الألم في السجون وتحمل عذابات المنفي.

سوف تظل معاناة كل الذين/اللائي اضطروا/ن لمغادرة أوطانهم/ّن والتأقلم مع معاناة الغربة، وسوف يظلّ موت المناضلة والرفيقة العزيزة سارة حجازي دوماً ذكري باقية وشاهدة على هذا الثمن. سوف يبقي موت سارة إثباتاً لكل الذين/اللائي آمنوا/نّ بأنّ القضايا الحقوقية تتقاطع وتتشابك، وأنّ نضالنا من أجل التحرر غير ممكن دون الحرية والعدالة الجندرية والاجتماعية والاقتصادية للجميع دون فرز أو إقصاء.

 الثورة السودانية: هبات ثورية متكررة حتى النصر

في 31 يناير من العام 2011، وكردّة فعل على ثورات الربيع العربي في تونس ومصر، خرجت الجماهير السودانية في شوارع الخرطوم رافعةً هتافات التغيير السياسي والاجتماعي. ولكن تمّ قمع هذا الحراك من قبل النظام بشكل سريع، كما تمّ قمع العديد من الهبّات في السنوات التي تلت ذلك. ولقد ساهم النظام السابق في السودان في تشتيت الأجندة الثورية باستمرار سواءً على مستوي الأحزاب السياسية أو المجتمع المدني. فقد أدّت الاعتقالات والمضايقات المتكررة للنشطاء/ات السياسيين/ات والحقوقيين/ات واختراق الأحزاب السياسية وتضييق الخناق على منظمّات المجتمع المدني وتجفيف مواردها إلي إضعاف الحراك الثوري السوداني في بداية ثورات الربيع العربي وما أعقبها من سنوات. 

في ديسمبر 2018، عندما بدأت الانتفاضة السودانية تجتاح شوارع المدن والقري السودانية، كان هناك إصرار وعزم جمعي أنّ هذه المرة لن تكون مثل سابقاتها وأنّها سوف تكون هذه المرّة ثورة شاملة حتى النصر. 

بعد كرّ وفرّ واعتصامات وتظاهرات واسعة شملت جميع أنحاء البلاد ودماء طاهرة سُفكت دون وجه حق، تُوّجت مجهودات التغيير السياسي في يوليو 2019 بإطاحة النظام الأسبق واكتمال حلقات الثورة السودانية بتولّي حكومة مدنيةعلى علّاتها الكثيرةزمام الأمور لإدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية تمتدّ لـ 39 شهرا.

الأجندة الكويرية ما بعد الثورة السودانية: قطعيّة مع القديم وخطوات نحن بناء السودان الجديد

لقد كانت لناشطي/ات مجتمع الميم عين في السودان رؤية ثاقبة فيما يخصّ التغيير الاجتماعي في السودان وتقاطعاته مع الأجندة الكويرية، وكانت تلك الرؤية سابقة حتّي لقيام الثورة السودانية، خاصّة فيما يتعلق بتغيير القوانيين والقبول الاجتماعي، وهي خطوات صغيرة وبطيئة ولكن واضحة وواعية. وربما ساهمت التجارب التي سبقت هؤلاء الناشطين/ات في المنطقة، وخاصة في مصر، في تشكيل هذه الرؤية ورفدها بالتحليل السياسي العميق للواقع السوداني. وبناءً على الارتباطات التاريخية بين المجموعات الكويرية العاملة في كل من مصر والسودان، استفاد الحراك الكويري في السودان بشكل كبير من التجربة المصرية في تشكيل الحياة السياسية أثناء وبعد الثورة السودانية، وهي التجربة التي كانت نموذجاً يُحتذي بنجاحاته ويُقتدي بتفادي اخطائه.

تقول سماح آدم، ناشطة سودانية كويرية: {قوة الحراك الكويري بعد الثورة السودانية كانت أكبر ونموه كان أفضلكنشطاء/ات كويرين/ات كّنا مجهزين أنو تحصل ثورة وكنا عارفين نحن عايزين شنوأنا شاركت في الثورة كمواطنة سودانية أولًا، مواطنة تعاني من الوضع الاقتصادي المتردي، وثانياً لأنني امرأة وكويرية في آن واحدالتقاطعية في قضايانا كانت واضحة بالنسبة لينا تماماً}.

قبل قيام الثورة السودانية بسنوات، قامت إحدى المنظمات الكويرية العاملة في السودان بعمل استبيان لمعرفة المطالب الاستراتيجية للحراك في السنوات الخمس القادمة، ممّا يشير إلي أنّ الحراك الكويري السوداني، وإن كان قليلاً في أعداد الناشطين/ات، أكثر تنظيماً حتّي من حركات اجتماعية وسياسية أخري.

منذ المواكب الأولى التي خرجت في العاصمة السودانية الخرطوم، كان هناك وجود واضح وذو وزن لأفراد مجتمع الميم عين وحلفائهم/هن، وقد كتب/ت الكثيرون/ات عن وجودهم/ن في التظاهرات وأثناء الاعتصام ووثّقوا/ن ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي. ولقد كانت تجربة الاعتصام تمثيلاً جميلاً للديمقراطية والحرية حيث رسمت في مخيّلة الكثيرين/ات ذلك السودان الذي طالما حلموا/ن بوجودهسودان الأراضي المحررة من القمع والظلم والقهر. ولأن الحاضنة السياسية للثورة ممثّلة في تجمّع المهنيين، كانت خطاباتها السياسية أثناء المظاهرات شاملة وغير مهمِّشة لفئات عرفت التهميش بكل اشكاله تاريخياً كالنساء مثلاً. لذا أعطي هذا الخطاب الشمولي الأمل لأفراد مجتمع الميم عين في السودان بأنّ هذه الثورة ستكون ثورة للجميع دون تمييز على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الدين أو الجنسانية. ولقد شجعت الكثيرين/ات منهم/ن على الظهور. 

تقول سماح آدم :{أثناء الاعتصام لبسنا أساور رينبوكنت خايفين أنو الظهور ده يتم استغلاله سياسيا، ولكن قررنا أهمية تمثيل الكميونتيكانت في وسط الاعتصام مظلة رينبووكان هناك تجمع وتمثيل واضح لينا}.

كان هناك اهتمام واضح وسط أفراد لمجتمع الكويري في السودان بتوثيق وجودهم/نّ وتجاربهم/نّ أثناء الثورة. ولقد قامت إحدى منظمات المجتمع المدني التي وثّقت تجارب النساء في الثورة بتوثيق هذا الوجود في الاعتصام من خلال تقرير وكتيّب نُشر في مارس العام الماضي بعنواننضالها“.

تغيير سياسي أم تغيير اجتماعي

كانت المواكب والتظاهرات منذ بداية اندلاع الثورة السودانية ذات مطالب سياسية واضحة مثل إسقاط النظام وإعلان قوي الحرية والتغيير. ورغم الوجود اللافت لعدد من المبادرات الحقوقية والنسوية، مثل مبادرة ميدانك وحركة نون ولا لقهر النساء ومنسم والحارسات التي ظهرت لاحقا لحراسة الأجندة النسوية للثورةونساء وادي هور ومواكب قطر عطبرة وغيرها من التجمعات التي كانت مليئة بالنساء، إلّا أنّه كان من الواضح أنّ هذا المدّ الثوريّ لم يصطحب معه رؤية واضحة ورغبة حقيقية في التغيير الاجتماعي وهدم الأدوار الجندرية النمطية.  

عادت الأدوار الاجتماعية التقليدية بقوة بعد أيام من مشاركة النساء وأفراد مجتمع الميم عين في الثورة. حيث ارتفعت الأصوات الوصائية الأبوية منادية بعدم مبيت النساء الثوريات الكنداكاتفي مكان الاعتصام. وفي شهر رمضان، كان تجهيز الفطور مسؤولية النساء دون الرجال المرابطين في مكان الاعتصام. ولقد كانت الانتهاكات الجنسية والاغتصابات التي تمّت بعد فض الاعتصام لنساء ورجال كثيرين/ات، والتي تم توثيقها بواسطة العديد من المنظمات التي قدّمت لاحقاً الدعم النفسي للناجين/ات، اعترافاً واضحاً وصريحاً بأنّ الثورة ما زالت بعيدة تماماً عن تحقيق اختراق حقيقي بخصوص قضايا الحرية الفردية والمساواة الجندرية. 

 الحراك الكويري في السودان: خطابات واستراتيجيات المناصرة

في العام 2019، بدأ الحراك الكويري في تنظيم نفسه تحت مظلة التحالف السوداني لقضايا الميل الجنسي والهوية والتعبير الجندري، حيث ساهم مناخ الانفتاح العام في الدفع بأجندة وخطابات المناصرة المحلية والإقليمية والدولية. كما قام بعض نشطاء/ات مجتمع الميم عين في السودان بترتيب نشاط جانبي أثناء فعاليات المؤتمر الدولي للسكان والتنمية كمثال واضح لتطور استراتيجيات المناصرة للحراك. أضف على ذلك حزمة الإصلاحات القانونية التي طالت المادة 148 أو ما يُسمّي بـقوانين اللواطفي القانون الجنائي السوداني وإلغاء عقوبة الإعدام، والتي مثّلت جميعها خطوة نحو الامام. ولقد كانت تصريحات وزير الصحة السوداني، التي أدلاها في حدث عام وأشار فيها بشكل مباشر إلى ضرورة العمل على عدم التمييز على أساس الميل الجنسي والهوية الجندرية، بمثابة بُشري تبشّر بتحولات جذرية في خطابات الدولة الرسمية تجاه قضايا الميل الجنسي والهوية والتعبير الجندري. 

وعلى الرغم من ذلك الانفتاح النسبي، سأكون ساذجة جداً إن قلت إنّ المجتمع السوداني، ممَثّلاً بقطاعات الشعب العريضة وأجهزة الدولة، جاهز للتعامل بلطف واحترام وتقبّل مجتمعي تجاه أفراد مجتمع الميم عين وقضاياهم/نّ. لكن وفي الوقت نفسه فقد عمّت أوساط النشطاء/ات الكويرين/ات نقاشات وتحليلات واعية ومكثّفة لمفهوم الثورات بشكل عام وتأثيرها على نضالهم/نّ وليس فقط ثورات الربيع العربي. كما كانت هناك رؤية واستراتيجيات مناصرة واضحة تشمل خلق تواصل وبناء شراكات وتحالفات مع قطاعات واسعة من السياسيين/ات و المدافعين/ات عن حقوق الإنسان وممثلي/ات المجتمع المدني في السودان لإدراج الأجندة الكويرية ضمن الأجندة الحقوقية في البلاد. يقول حمادة، ناشط/ة لا ثنائي/ة كويري/ة سوداني/ة: { كنا نفتح نقاشات أثناء الاعتصام مع حلفاء حقوقيين وسياسيين ومحامين وخلافه، وكان من الواضح أنه عندهم قدرات علي تشكيل الحياة السياسية القادمة ما بعد الثورة لأن هناك مقولة مزعجة بدأت في الانتشار وسط المجموعات الثورية وهيالناس ما طلعوا لي زي دهالشهداء ما ماتوا لي الزي دهفي إشارة واضحة أن حقوق مجتمع الميم عين ليست أولوية حالياً}.

الدروس والعبر: الثورة مستمرة

كحراك كويري في مصر والسودان، وبعد مرور 10 على ثورات الربيع العربي، تعلّمنا من الحراك النسوي والحقوقي بشكل عام خطابات المناصرة والتقاطعية والشمولية في القضايا المختلفة واستفدنا بشكل كبير من تطوير الخطاب النسوي الذي أصبح أكثر راديكالية بعد ثورات الربيع العربي. كما تعلّمنا أن أدواتنا لتحقيق العدالة الاجتماعية يجب أن تكون شمولية وصارمة تجاه الانتهاكات بكل أشكالها وبغض النظر عن مرتكبيها. حيث تعلّمنا كحراك كويري أهمية عدم السكوت وإدارة ظهورنا للعنف النفسي والجنسي في أوساط النشطاء/ات السياسيين/ات والحقوقيين/ات والكويرين/ات والعابرين/ات. لقد قمنا بالعمل الجاد في اتجاه تطوير آليات وأدوات للشفافية والمحاسبية في أوساط الحراك الكويري والاستماع إلى احتياجات أفراد المجتمع بدلاً من تحديد الأجندة بشكل فوقي وصفوي. 

لقد كان الحراك الكويري في المنطقة بشكل عام دائماً رائداً في قيادة خطابات تقدمية متعلقة بالجنسانية والكرامة الجسدية وذا نظرة إيجابية تجاه الجنس، بينما كانت المجموعات الحقوقية التقليدية تتحدث دائماً باستحياء عن قضايا مثل الحقوق الإنجابية أو قضايا الختان أو التمكين الاقتصادي للنساء دون شمولية لقضايا النساء الكويريات أو العابرات جنسياً أو جندرياً. وعقب الثورتين المصرية والسودانية، أستطيع القول إنّ الحراك الكويري ساهم مساهمة كبيرة في دفع المجموعات الحقوقية التقليدية لمراجعة خطاباتها وخطط عملها. فهذا ما كسبناه كحراك كويري بعد مرور 10 سنوات على ثورات الربيع العربي.

ربما كأفراد كويريين/ات وعابرين/ات، لن نقول إن الثورتين المصرية والسودانية حققتا النجاح السياسي المرغوب والمأمول منهما. ولكن على مستوي الحركة الكويرية في هذه البلدان، فقد أنجزنا الكثير وحققنا خطوات هامة وكبيرة في جهود المناصرة المتعلقة بالدفاع عن قضايا الميل الجنسي والهوية والتعبير الجندري.

وكما يقول صديقي ابانوب {الثورة لم تنجح سياسيًا، ولكنّها نجحت بشكل فردي في عقل وقلب كل واحد فينا. نجحنا كأفراد في اكتساب معارف وتجارب حياتية متنوعة ناجحة لأن الثورة لم تكن فقط ذلك الحراك الثوري في يناير 2011، ولكنها عملية مستمرةطول ما الناس بتتكلم وطول ما الناس بيتقبض عليها، وطول ما النظام بيمارس ديكتاتورية وتزوير للانتخابات والحقائق، حتفضل الثورة مستمرة}.