Tunis, Tunisia, aerial view (Photo by: Mikel Bilbao/VWPics/Universal Images Group via Getty Images)
تعليق

دور تونس المحوري في حركة حقوق الإنسان في شمال إفريقيا

في نهاية العام 2018، أصبح تدفّق المُدافعين عن حقوق الإنسان إلى تونس، ولا سيما مِن ليبيا ومصر و حتى من دول المغرب العربي، ملحوظًا بشكل متزايد، وهو أمر لا يحدُث في أية عاصمةٍ أخرى في شمال إفريقيا. ورغم أنّ القيود التي فرضتها جائحةكوفيد-19″ أدّت إلى إبطاء هذه الظّاهرة، إلا أنه يبدو أنّ تلك القيود هي مجرّد عائق مؤقّت. فعلى مدى السّنوات القليلة الماضية، كان المُدافعون عن حقوق الإنسان من جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يتّجهون إلى تونس سواء لحضور مؤتمرات أو دورات تدريبية أو لإقامات قصيرة وأحيانا طويلة الأمد. وعند الوصول إلى تونس، كان ينشئ البعض منهم منظّمات حقوقية معنيّة تحديداً ببلد أو عدة بلدان في المنطقة.

لم تكُن التحرّكات إلى تونس سلسةً على الدوام، إذ كان المُدافعون عن حقوق الإنسان ولا يزالون يُواجهون مخاطر هيكلية يمكن التخفيف مِنها وليس تجنّبها. ولدى المُدافعين عن حقوق الإنسان والجهات المانحة الآن الفرصة لاتّخاذ إجراءات مُحدّدة للاستفادة مِن المساحة الحالية المتاحة لحركة حقوق الإنسان في تونس، بما في ذلك التواصُل مع المجتمع المدني التونسي وتوسيع الاستثمار في بناء قدرات حركة حقوق الإنسان على مستوى المنظّمات والأفراد. ورغم أنّ تونس وفّرت موطنًا للأفراد والمُنظّمات، فإنّها تُعدّ حاليًّا مركزًا انتقاليًّا وليس دائمًا لأنّ العقبات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية في تونس جعلت مِن الصّعب عليها أداء دور أكبر في هذا الصّدد.

أسباب التحوُّل

يبحث المُدافعون عن حقوق الإنسان والنشطاء في شمال إفريقيا عن مكانٍ آمنٍ للالتقاء والتنظيم وتنفيذ مهامهم، سواءً بسبب معاناتهم مِن نظام ملكي قمعي أو الاحتلال أو نظام عسكري يمرّ بأزمة سياسية أو صراعات مُتعدِّدة الجهات أوسجن مفتوحللذين ينتقدون النظام. وقد أصبحت تونس بما تتمتّع به مِن مساحةٍ مفتوحةٍ نسبيًّا نقطةَ جذبٍ للمختصّين من جميع أنحاء المنطقة.

تُعدّ حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والثقافة المألوفة والمجتمع المدني النّابض بالحيوية والترحيب بعضًا مِن عوامل الجذب الرئيسية للمدافعين عن حقوق الإنسان الوافدين إلى تونس. أمّا من الناحية العملية، فتُقدِّم تونس بعض المزايا لمنظّمات حقوق الإنسان الإقليمية والعاملين بها بالمقارنة مع المدن الأخرى في أوروبا والولايات المتحدة. فالانتقال إلى تونس أقلّ كلفةً، كما يُمكن الوصول إليها بشكل أسهل لعدم وجود حاجز اللغة. وقد سمح ذلك لمُنظّمات المجتمع المدني بنقل المزيد مِن مُوظّفيها بشكل مؤقّتٍ أو دائمٍ دون تحديات كبيرة تخصّ الاندماج ودون إجراءاتٍ صعبةٍ أو مُكلِفةٍ أو غير مضمونة للحصول على التأشيرات.

بدأ المُدافعون عن حقوق الإنسان مِن دولٍ أخرى في المنطقة بالسّفر إلى تونس في أعقاب ثورات 2011. كما بدأت بعض المنظّمات الدولية، والتي وصلت إلى تونس أساسًا بغرض تنظيم فعاليات أو اجتماعات قصيرة المدى، في بناء وجود دائم لها في هذا البلد. وبحلول عام 2013، أضحت تونس الخيار المنطقي الوحيد في شمال إفريقيا لهذه المنظمات، حيث انزلقت مصر إلى الاستبداد بعد أن تولَّى الجيش السّلطة. وفي تلك الفترة، نجحت تونس في الخروج مِن الأزمة السياسية مع الحفاظ على حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير إلى حدّ كبير. وقد كانت المنظّمات الدولية قد أعدّت بالفعل برامج باستضافة تونسية في وقتٍ مبكّرٍ من عام 2011، بما في ذلك المنظّمة العالمية لمناهضة التعذيب والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الانسان.

في عام 2014، تمّ إنشاء مكاتب إقليمية للمنظّمات الدولية في تونس، بما في ذلك المكتب الفرعي لمؤسّسات المجتمع المنفتح، وسرعان ما تبعتها منظمات أخرى. كما أصبح مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وهو أحد أقدم المنظّمات الإقليمية لحقوق الإنسان، أوّل منظمة إقليمية تُنشئ مكتبًا لها في تونس بعد أن نقل المركز برامجه الإقليمية مِن القاهرة. وفي العام 2015، بدأ المُدافعون الليبيون عن حقوق الإنسان العمل في تونس على نحو أكثر تنظيمًا، في حين لم يبدأ المُدافعون المصريون عن حقوق الإنسان في الوصول إلى تونس على نطاقٍ واسع سوى في نهاية العام 2018.

في البداية، انتقل المُدافعون عن حقوق الإنسان إلى تونس باعتبارهم جزءًا مِن فِرق العمل في المنظّمات الدولية أو باعتبارهم أفرادًا هاربين مِن بلدانهم الأصلية. لكن خلال الفترة ما بين 2016 و2017، أصبح دور تونس أكثر وضوحًا بوصفها مركزًا مُحتملًا على المدى المتوسّط لنشطاء حقوق الإنسان من شمال إفريقيا، وذلك مع انتهاز المُدافعين عن حقوق الإنسان والجهات المانحة على حد سواء لهذه الفرصة.

 الحواجز والعقبات

رافقت الانتقال إلى تونس مجموعة من التحديات بما في ذلك وجود قطاع أمني صارم ووضع دبلوماسي مجهول بالإضافة إلى التحديات البيروقراطية والاقتصادية. فقطاع الأمن التونسي الكبير وغير الخاضع للمساءلة يفرض تحديات كثيرة ليس فقط أمام حقوق التونسيين وحرياتهم بل أمام استدامة حركات حقوق الإنسان غير التونسية في هذا البلد أيضاً. وعلاوةً على ذلك فإنّ قطاع الأمن، بالإضافة إلى المدّعين العامّين غير المتسامحين مع النقد والذين يُخضعون نشطاء حقوق الإنسان للرقابة والاعتقال، سيكون مِن الأسهل بمكانٍ لهم عدم منح التأشيرات وتصاريح الإقامة للمُدافعين عن حقوق الإنسان غير التونسيين أو تعقيد إجراءاتهم دون الاضطرار إلى اللجوء إلى الترحيل الفوري. وهذا النوع من القضايا صرّح بها سرًّا العديد ممن غادروا تونس في نهاية المطاف.

وفضلًا عن ذلك، تجنّبت الدبلوماسية التونسية في معظم الأحوال استعداء الحكومات المجاورة في شمال إفريقيا. ولذا فمِن غير المرجّح أن يسمح المسؤولون التونسيون بتحويل بلادهم إلى منصّة للأصوات المعارضة جهاراً، ممّا قد يجعل تونس في مواجهة مع جيرانها. ولهذا فإن ما يُدعىالحياد الإيجابيمع البلدان المجاورة يتلخّص في أنّ المسؤولين التونسيين لا يريدون أن يُنظر إليهم على أنهميُؤوون خصومجيرانهم الإقليميين. وهذا ينطبق على الجزائر والمغرب على وجه الخصوص حيث تُستثمر هذه الدبلوماسية التونسية في الحفاظ على العلاقات الودية مع هذين البلدين. ولهذا السّبب مِن الصّعب رؤية مدافعين عن حقوق الإنسان مِن هذه البلدان يعملون بفاعليةٍ من تونس. وحتّى مع الجيران الشرقيين، شهد البرلمان التونسي هذا العام أزمة خلاف بين أعضائه بخصوص ليبيا ومصر، مما يدلّ على أنّه مِن غير المُرجَّح أن تتسامَح تونس مع الأصوات المعارضة جهاراً مِن هناك لأنّها قد تُثير غضب القاهرة أو طرابلس أو بنغازي العلني.

من الجدير بالذِّكر أن تونس تُعاني أيضًا مِن نظام بيروقراطي عنيد، مما يخلق عقبات شتّى أمام العمل لغير التونسيين. فعلى سبيل المثال، قد يستغرق إنشاء منظّمة غير حكوميةٍ وقتًا طويلًا والكثير من العقبات البيروقراطية التي تطيل العملية لتصل إلى أشهر أو سنوات. وعلاوةً على ذلك، يُعدّ الحصول على تصاريح الإقامة (carte Sejour) والتأشيرات وتحويل الأموال خارج تونس مِن التحديات التي قد تستغرق الكثير من الوقت وتؤدي إلى الإحباط. ومِن المُلاحَظ أنّ القيود التي فرضتها جائحةكوفيد-19″ لم تُسفر سوى عن زيادة الوضع سوءًا.

وأخيرًا، فإنّ الفرص المعاشية للمُدافعين عن حقوق الإنسان المنتقلين إلى تونس محدودةٌ وتُقدِّم مستقبلاً ضيّقاً للأفراد لأنّ منظّمات حقوق الإنسان الموجودة في تونس تبحث عن عاملين يُجيدون عمليًّا اللغتَيْن الفرنسية أو الإنجليزية (أو كلتَيْهما)، في حين لا تُوظِّف إلّا منظّمات قليلة مَن لا يُجيد سوى اللغة العربية. وحتى الجامعات التونسية لا تُقدِّم برامج قويّة للمُدافعين عن حقوق الإنسان الراغبين في تطوير مهاراتهم مقارنةً بالجامعات في أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة الأمريكية. كما لا توفّر تونس طريقًا سهلًا للحصول على اللجوء أو الإقامة الدائمة، وهو ما يدعو إلى القلق إذا واجه المُدافعون عن حقوق الإنسان تهديدات أو مخاطر بشأن عملهم في بلدانهم الأصلية، بما في ذلك عدم قدرتهم على تجديد جوازات السّفر الخاصّة أو احتمال قيام الأجهزة الأمنية مِن دولٍ أخرى بالضغط على تونس لتسليم أشخاص بعينهم أو ترحيلهم خارج البلاد.

 المُستقبل

إلى جانب الإجراءات التي ستتّخذها الجهات الدولية الفاعلة، ستُحدّد التطوّرات السياسية في تونس والبلدان المجاورة مستقبل تونس باعتبارها مركزًا لحركة حقوق الإنسان في شمال إفريقيا. وفيما يبدو مِن المستبعد أن نرى الحكومة التونسية تطرد المنظّمات الدولية، فإن بعض البرامج أو الهيئات أو الأفراد المعينين أو المنظمات التي تركّز على بلدان معيّنة قد تصبحغير مرغوبٍ بهافي نظر المسؤولين التونسيين. وفضلًا عن ذلك، يُمكن أن تُؤثِّر التطوّرات في البلدان المجاورة على مُستقبل المدافعين عن حقوق الإنسان في تونس. وعلى الرغم مِن أنّ الحكومات الأكثر قمعية تُجبر المُدافعين عن حقوق الإنسان على الخروج مِن بلدانهم، فإنِّه مِن المُرجَّح أن تجتذب المجتمعات الأكثر حرية المدافعين عن حقوق الإنسان لديها. وسيكون مِن المُحتمل أيضًا أن تضغط الحكومات الإقليمية على تونس لطرد هؤلاء العاملين في مجال حقوق الإنسان.

في الوقت الحالي، مِن الواضح أن دور تونس، باعتبارها مركزًا إقليميًّا لحركة حقوق الإنسان في شمال إفريقيا، له سقف مُحدّد. ولعلّه مِن الأفضل اعتبار تونس مركزًّا انتقاليًّا لحركة حقوق الإنسان، وذلك لأنّ عدم وجود نهاية تلوح في الأفق للتهديدات الموجودة في مصر وليبيا والتي أجبرت المدافعين عن حقوق الإنسان على الانتقال إلى تونس، إلى جانب التحديات الاقتصادية والبيروقراطية التي تُواجه الاستقرار في تونس، سيُؤدِّي إلى انتقال المدافعين عن حقوق الإنسان مِن المنطقة إلى بلدانٍ أخرى حيث يوجد المزيد مِن الوضوح لمستقبلهم. ولكن في الوقت نفسه، يمكن اتخاذ بعض التدابير للتخفيف من بعض المخاطر المحدقة بهؤلاء النشطاء.

إنّ قبول المجتمع المدني التونسي للمدافعين عن حقوق الإنسان غير التونسيين والمنظّمات النشطة في تونس هو عامل حيوي لبقائهم واستمرارهم. ويجب على المدافعين عن حقوق الإنسان التأكّد مِن أنّهم لا يعملون بمعزلٍ عن الآخرين بل ضمن شبكة أكبر ضمن المجتمع المدني التونسي، ممّا من شأنه أن يسمح لهم بمقاومة الضغوط المُحتملة مِن قبل بلدانهم الأصلية على المسؤولين التونسيين وأن يكونوا قادرين على التعامل مع المخاطر السياسية في عملهم إلى جانب العقبات البيروقراطية في البلاد.

يُمكن للجهات المانحة أيضًا المساعدة في تعزيز دور تونس باعتبارها مركزًا للمدافعين عن حقوق الإنسان في شمال إفريقيا من خلال زيادة الاستثمار في هذا النطاق وبناء قدرات هذه المنظمات الموجودة في تونس. وعلى الجهات المانحة أيضًا النظر في برامج بناء القدرات للمدافعين عن حقوق الإنسان المنتقلين إلى تونس وإيجاد فرص للتواصُل مع المنظمات التونسية للسماح لهم بإقامة شبكة من الاتصالات والعلاقات في البلاد وتمكينهم مِن تنفيذ عملهم دون مواجهة الضغوط التي يجدونها في بلدانهم الأصلية.

ومِن خلال دعم الأفراد والمنظمات التي انتقلت إلى تونس والتي ترغب في تنفيذ مشاريع تغطّي دولًا أخرى في المنطقة، يُمكن توفير المزيد من الفرص التي لا تتطلّب إجادة اللغة الفرنسية أو الإنجليزية للمدافعين عن حقوق الإنسان الذين لا يجدون الأمان في بلدانهم الأصلية. وعلى الجهات المانحة أيضًا دعم برامج بناء القدراتوخاصة لتعلّم اللغة الإنجليزيةللمدافعين عن حقوق الإنسان المقيمين في تونس، وذلك لتمكينهم من الحصول على الفرص المهنية أو التعليمية الدولية في تونس أو البلدان الأخرى وللتخفيف مِن حدّة المخاطر المحيطة بهم وتوفير خيارات جديدة لأولئك الذين لا يستطيعون العودة إلى ديارهم.

هذا المقال لا يُمثّل سوى رأي كاتبه ولا يُمثّل أيًّا من آراء المنظمات التي ينتمي إليها.

نُشِر هذا المقال بوصفه جزءًا من مشروع معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسطعشر سنواتٍ على عشر سنواتٍ على التنظيم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا“.