Activists from "Families for Freedom", including Noura Ghazi (2ndL) stand on a 'Freedom Bus' after driving it onto the Place de la Republique in Paris on January 27, 2018, during a campaign to demand freedom for those detained in Syria. (ZAKARIA ABDELKAFI/AFP via Getty Images)
تعليق

زوجات المعتقلين والمختفين: نساء مع وقف التنفيذ

لا زلت أذكر ذاك اليوم الذي اتهمني فيه الجميع بالجنون عندما اعتذرت عن الذهاب إلى بريطانيا لدراسة الماجستير بعد أن حصلت على منحة دراسية كاملة من الخارجية البريطانية، والتي كانت حلماً للجميع.

قررت البقاء في لبنان في الوقت الذي يسعى فيه معظم السوريين لترك لبنان بأية طريقة، واكنّ ذلك من أجل تأسيس منظمة نوفوتوزون حلمي المشترك مع باسل، أيضاً في الوقت الذي بدأ فيه التضييق على منظمات المجتمع المدني في لبنان ومن قبل المانحين.

بدأت في الوقت الذي بدأت فيه نهاية الكثيرين من الناشطين والمنظمات في لبنان، ظننت أنني متعلقة بالسكن في بيروت لأنها قريبة من سوريا ولأنني كنت أستطيع رؤية عائلتي. الآن وبعد مضي أكثر من ثلاث سنوات ونصف على مغادرتي سوريا قسرياً، ومرور أكثر من سنة ونصف على المرة الأخيرة التي رأيت فيها عائلتي إثر صعوبات السفر بعد جائحة كورونا، والانهيار الكامل للبنان على كل الأصعدة، لا زلت أستصعب ترك بيروت.

ما يبقيني هنا هو النساء اللاتي أعمل معهن بشكل يومي كمستفيدات لنوفوتوزون، إذ أشعر بالانتماء لهذا المجتمع والذي سأسميه تحديداً مجتمع زوجات المعتقلين والمختفين. ليس الانتماء فقط ما يبقيني رغم كل الصعوبات ولكن الشعور بالمسؤولية تجاه نساء متروكات ومهمشات.

العالم لا يرى جيداً سوى النساء اللاجئات في أوروبا، رغم مأساة مئات آلاف اللاجئين في لبنان والشرق الأوسط، أولئك الذين لم يسعفهم حظهم في الحصول على اللجوء في بلد يحترم الإنسان، وتحديداً الأطفال النساء، وخاصة النساء اللاتي يعانين من تجربة الاعتقال والاختفاء التي تعرضن لها شخصياً أو تعرض لها أحد من أفراد عائلتهم.

إنني على تواصل مع العديد من السيدات في لبنان واللاتي تتشابه معاناتهن، ولكني اخترت أربع نساء لأتحدث مع كل منهنّ عن مفهوم العدالة، عن معاناتهم ومخاوفهم اليومية، وعن حياتهم العاطفية.

وقد بدأت مقابلاتي مع النساء المشاركات بسؤالي عما تعنيه العدالة بالنسبة لهنّ.

تقول ياسمين، وهي سيدة من دمشق عمرها 47 سنة وأم لستة أولاد تتراوح أعمارهم بين 13 و23 سنة، وزوجها مختفي منذ عام 2013، وقد علمت مؤخرا أنه توفي في أحد مراكز الاحتجاز دون أن تتأكد من ذلك أو تحصل على اي دلالة: 

“العدالة بالدرجة الأولى هي أن نعرف ما حدث لرجالنا، مصيرهم، مكانهم، لماذا هم مختفون. أن نحصل على حقوقنا كنساء، كلاجئات في بلد يعاني كثيراً ونعاني معه كل همومه إضافة إلى العنصرية التي تمارس علينا يومياً؛ نريد قوانين عادلة تحمينا، نريد تبريراً واعترافاً واعتذارا عن كل الجرائم التي اركبت بحقنا من تهجير قسري، واختفاء قسري لأزواجنا، أريد لأولادي وبناتي أن يتعلموا كباقي الأولاد.”

تعيد كلمة عدالة وتضحك قائلة: “لا يوجد عدالة، كان لدي شك بهذا قبل الثورة والآن تأكدت.”

وأضافت: “إننا لا نملك حتى حق التعبير عن رأينا، حتى هنا في لبنان لا نشعر بأننا بأمان لأن النظام السوري وحلفائه لهم وجود هنا بطريقة او بأخرى.”

أما حبيبة، وهي سيدة من حمص عمرها 40 سنة وأم لخمسة أولاد تتراوح اعمارهم بين 11 و22 سنة ، قُتل أكبرهم بقذيفة عام 2012 عندما كان في الخامسة عشر، وقد اختفى زوجها قسريا عام 2012 فتقول:

“العدالة مفهوم كبير جداً وهو يعني بالدرجة الاولى المساواة في كل شيء، الحقوق والواجبات، العمل، والتعبير عن الرأي.” 

وتتفق حبيبة مع ياسمين في انعدام وجود العدالة حالياً: “أين العدالة وأنا حاليا أقوم بدور الأب والأم وأتحمل جميع المسؤوليات وحدي، حتى مشاعري لا أستطيع التعبير عنها كي لا أزعج أحد ولا أحاكم من قبل العائلة والمجتمع.”

ورغد، وهي من ريف دمشق الجنوبي عمرها 37 سنة وأم لخمسة أولاد، تتراوح أعمارهم بين 8 سنوات و18 سنة، زوجها مختفي منذ عام 2014، ومؤخراً حصلت على طلاق غيابي وتزوجت من رجل آخر.

تعاني كثيراً الآن بسبب زواجها الجديد، إضافة إلى كل معاناتها وانتظارها لزوجها لسنوات دون أي أمل، لذلك ترى أن العدالة هي في انعدام الظلم، وهذا الظلم يمارس على النساء ليس من قبل النظام وحده الذي أخفى رجالهن، وإنما من قبل المجتمع والعائلة.

تعتقد رغد أن العدالة “هي في أن تكون الإنسانية أولويتنا، أن نشعر ببعضنا، وأن يترك للنساء حرية في اتخاذ القرارات التي تخص حياتهن، ولا ينصب أحد نفسه مسؤولا عن المرأة وحياتها وخياراتها.”

وترى أن زوجة المفقود هي أكثر من عانى في هذا الصراع على كافة الأصعدة، ولتحقيق الحد الادنى من العدالة لا بد من رد الحقوق إلى أصحابها وتعويض جميع الضحايا.

ونأتي إلى أمل، وهي سيدة من القابون في دمشق عمرها 45 سنة، وأم لأربعة أولاد 3 صبيان وبنت، أعمارهم بين 10 سنوات و27 سنة، اختفى ابنها الكبير عندما كان عمره 18 سنة برفقة والده (زوجها) عام 2012.

تتفق أمل مع النساء الأخريات في أن العدالة تعني “المساواة، لا سيما بين المرأة والرجل والسوري واللبناني، بين الغني والفقير.” كما تؤكد أنه يجب القضاء على العنف الأسري بتحليل أسبابه وعلاجها، ويجب بشكل أساسي دعم الأمهات الوحيدات.

تنتقل أمل إلى النقطة الثانية وتتحدث عن الصعوبات التي تعاني منها كل يوم، وأهمها الانتظار دون جدوى، والقلق اليومي على مصير زوجها وابنها. بالطبع تتمنى أن يكون هذا هو همها الوحيد، ولكن عليها أن تقلق بشأن الأمور الحياتية اليومية خاصة مع انهيار الوضع في لبنان، فلديها خوف دائم من عدم قدرتها على تأمين اجار البيت أو ثمن الطعام، والخوف من الطرد من المنزل أو الترحيل من لبنان.

وتعاني رغد من نفس المخاوف اليومية، إضافة إلى اضطرارها للعمل وصعوبات إيجاد عمل في لبنان وخاصة لامرأة سورية غير متعلمة، وهذا دفعها للقبول بأجر قليل. وقد كانت تمضي نهارها كله بالعمل، وتعود إلى البيت مساء لا لترتاح وإنما لتقوم بالواجبات المنزلية والاهتمام بالأولاد.

ظرفها الصحي منعها من العمل مؤخراً، وكان هذا أحد أهم الأسباب التي دفعتها للزواج مجدداً، خاصة بعدما فقدت الأمل بعودة زوجها السابق.

حبيبة ترى أن المعاناة اليومية ليست فقط كما قالت رغد من ناحية صعوبة إيجاد العمل، وإنما أيضا “في وضع المجتمع الذي يراقبنا ويحاكمنا كزوجات وحيدات.”

“نحن نتعرض لشتى أنواع التحرش والابتزاز الجنسي والكل يطمع بنا، ولا نشعر أن منظمات المجتمع المدني تقدم لنا أو لأولادنا أي شيء وذلك بسبب عدم قدرتنا على إثبات وفاة المعيل الذي هو الأب نتيجة لاختفائه قسرياً وعدم اعتراف السلطات بمصيره، وهذا يجعلنا وأولادنا محرومين من معظم طرق الدعم من قبل المنظمات،” أضافت حبيبة.

بعد أن اكدت أنها تعيش نفس المعاناة، ياسمين تضيف إلى ما قالته زميلاتها أن من يستفيد من الدعم غالبا يستفيد على أسس المحسوبيات والعلاقات الشخصية غير المهنية التي تمارسها معظم المنظمات.

“كل شيء هو هم من الماء إلى الكهرباء إلى الخبز،” تقول ياسمين، وتشفق على اولادها وبناتها الذين حرموا من طفولتهم وشبابهم وهم يعملون ويتحملون مسؤوليات كبيرة ولم يكملوا تعليمهم. كما تشكي من مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة التي تخصص للفرد الواحد اللاجئ 6 دولار شهريا فقط.

جميع السيدات تنهدن لدى سؤالهن عن ماذا لو لا زال الزوج موجوداً، وأكدن جميعاً أنه لم يكن ليحدث كل هذا؛ فالزوج سيكون مسؤولاً عنهن وعن أولادهن، ولن يضطروا للعمل في هذه الظروف القاسية والمهينة والتعرض للاستغلال والابتزاز؛ ربما كانوا في بلد آخر، أو أكمل أولادهن تعليمهم، وشعرن بالأمان لوجود سند لهن، ولما تعرضن للتحرش هن وبناتهن.

لم تكن رغد مثلا فكرت بالزواج مرة ثانية وعانت ما تعانيه الآن، على حد قولها؛ وحبيبة كانت لتشعر بأن هناك صدرا حنونا تتكئ عليه، ولمارست دورها كأم فقط داخل المنزل، على حد تعبيرها. 

وتقول امل أن “الناس يظنون أن اختفاء ابني أصعب من اختفاء زوجي ولكن أؤكد لك العكس، غياب زوجي كسرني وكسر أولادي، لو كان موجود لخفف عني وطأة حزني على اختفاء ابني.” هذا ما تؤكده أيضا حبيبة أن غياب زوجها كسر ظهرها ولم تجد معينا لها عند مقتل ولدها.

رحبت السيدات كثيراً بطرح السؤال عن حياتهن الشخصية والعاطفية كإناث وأكدن أنه من المهم جداً أن نتكلم عن هذا الموضوع ولا نخجل من البوح به، خاصة وأننا نعاني كثيراً من هذه الناحية ولا نجد من يساعدنا.

فتبدأ ياسمين بالشكوى أن حياتها كأنثى ملغاة تماماً؛ فهي تشعر فقط أنها أم، ولكن تعاني كثيراً عندما تبدأ احتياجاتها العاطفية بالظهور وتحاول كبتها وهذا الحاجات لم تكن تظهر خلال الثلاث سنوات الاولى من اختفاء زوجها؛ ولكنها بعد ذلك بدأت تعيشها بشدة وهذا يؤلمها، فحتى لو رغبت أن تدخل في علاقة مع رجل، فلا تستطيع ذلك لأنها تخاف من الدين والمجتمع كما أنها غالبا لن تثق بالرجل الذي ستنشئ علاقة معه بأنه لن يخبر أحد، إضافة إلى أنها تبلغ من العمر 47 سنة فمن سيرغب بها حسب قولها، وتقول أن الإطار الوحيد لأية علاقة هو الزواج وهي لا تريد الزواج مجددا.

حبيبة تحاول التعويض عن حرمانها العاطفي بمشاركتها بجلسات استرخاء وتفريغ نفسي كلما أتيحت لها الفرصة، وتقول إنها ترفض الزواج مجددا لأنها تحب زوجها ولا تستطيع ان تكون عاطفيا مع رجل وجسديا مع رجل آخر. وهي مؤمنة ومتدينة ولن تقوم بعلاقة غير شرعية حسب تعبيرها، كما أنها مثل ياسمينة غالبا لن تثق بالطرف الآخر في حال قامت بعلاقة؛ كما تقول إن العلاقة الزوجية مهمة جدا للاستقرار والتوازن النفسي للمرأة. “تخيلوا معاناتنا، وهذا ظلم آخر بحقنا وانتهاك كبير لحقوقنا كنساء ولا أحد يشعر بنا حتى عائلتنا واولادنا،” أضافت حبيبة.

رغد قالت إنه في البداية فقدت إحساسها بأنوثتها حتى لم تكن تنظر إلى نفسها بالمرآة؛ ولكن منذ سنتين ظهر رجل في حياتها وهو ابن عمها وأعاد إليها إحساسها بأنوثتها؛ ولأنها لا تريد الحرام، حسب تعبيرها، لجأت إلى دعوى تفريق غيابي وتزوجت حديثاً، وهي الآن تعاني من عائلة زوجها السابق التي رفضت زواجها الجديد وتهدد بأنها ستأخذ منها أولادها وحتى أغراض المنزل ، كما أن الاولاد وتحديدا البنات لسن راضيات عن زواجها رغم انها لا تريد التخلي عنهن. والجدير بالذكر أنها الزوجة الثانية فهو متزوج ولديه أطفال، ولكن هذا الخيار الوحيد لديها وتؤكد أن زواجها لم يكن فقط بسبب احتياجاتها العاطفية وإنما بالدرجة الأولى لأنها تريد حماية لها ولأولادها من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.

أما أمل فتقول إنها لا تفكر باحتياجاتها كأنثى مطلقاً، وأساساً لن تستطيع إشباعها خارج إطار زواج آخر، وهذا ما لن تفعله خاصة مع حسرتها على ابنها المختفي، وتعتقد أنه من الجيد لها أنها لا تفكر بنفسها كأنثى فهذا أحسن من أن تعيش عذاب الحرمان كل لحظة دون جدوى، خاصة في ظل هذا المجتمع وفي ظل أنها شهدت أن معظم صديقاتها اللاتي تزوجن مجدداً لسن سعيدات.

استمعت إلى النساء وانا أسقط تجاربهن على ما أعيشه أنا حالياً، وهو مناقض لمأساتهن في نواح كثيرة؛ فأنا ليس لدي أولاد من باسل، وهذا يؤدي بطريقة ما إلى مطالبتي من قبل محيطي بشكل مستمر بطي الصفحة الأخيرة برأيهم من حكايتي مع باسل وبدء قصة جديدة مع رجل آخر. وربما أريد أن أبدأ من جديد ولكن دون طي أي صفحة من حكايتي مع باسل، وأعلم تماما ًأن هذا غريب وربما غير مقبول، ولكن باسل بالنسبة لي قضية، والقضايا تبقى في الحاضر والمستقبل ولا تتحول إلى ذكرى وماضي مطلقاً؛ ولا أشعر أنني قادرة على الشرح والتفسير والتبرير بصورة مستمرة لكل من يخبرني بوجوب عدم المبالغة في ذكر باسل، وغالبا ما أنهي الحديث الذي لا طائل منه بسؤال: هل لو كان أخي المختفي (لا سمح الله) ستطالبونني بعدم ذكره؟ ويأتي الصمت كجواب بليغ.

في نهاية المقابلات أكدت جميع السيدات على وجوب إيلاء اهتمام خاص بزوجات المعتقلين والمختفين خاصة في لبنان من قبل الداعمين والمعنيين بالملف السوري إضافة إلى وسائل الإعلام، فهن في وضع استثنائي حسب وصفهن ويجب أن يكون هناك مخصصات لدعمهن وتمكينهن اقتصادياً وتوفير فرص التعليم لأولادهن، ومشاريع صغيرة لهن، وإعطاء اهتمام خاص للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل لهن ولأولادهن. كما أكدن على أن تكون الأولوية في مسارات العدالة هي لكشف الحقيقة بشكل كامل مع كل الأدلة والاثباتات، وتأمين حماية خاصة لهن وضمان عدم الترحيل؛ فالوضع في سوريا ليس آمنا خاصة بالنسبة لهن لأنهن عرضة للاعتقال مع أطفالهن، وهن بحاجة إلى التعويض وجبر الضرر عن كل ما مررن به، خاصة مع وصم المجتمع لهن كنساء وحيدات. يجب أن يتحررن من ضغط وحصار المجتمع، يجب أن يعرفن وضعهن هل هن أرامل ام متزوجات، يجب أن يعاملن كبشر وكنساء وليس فقط كأمهات. 

أنوه إلى أنني استبدلت أسماء السيدات بأسماء مستعارة بناء على طلبهن، حفاظا على سلامتهن وخصوصيتهن.