Youth withdraw fake banknotes called Lollars from a mock ATM during a stunt to denounce the high-level of corruption that has wrecked the country, Beirut, May 13, 2022. (Photo by PATRICK BAZ/LebaneseTransparencyAssociation/AFP via Getty Images)
تعليق

صندوق النقد الدولي: لا عصا سحرية لإنقاذ لبنان

.here Read this article in English

وصل لبنان إلى مفترق طرق وحاصرت الديونُ مواطنيه في ظلِّ الانهيارِ السياسيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ والنتائج للانتخابات البرلمانية السابقةِ. في عام 2021، قُدِّر التضخُّم في لبنان بنسبة 145% محتلًّا بذلك المركز الثالث على مستوى العالم من حيث التضخم بعد فنزويلا والسودان. ووفقًا للبنك الدولي، انخفضت إيرادات الحكومة بمقدار النصف عام 2021 لتصل إلى 6.6% من إجمالي الناتج المحلي؛ إذ تأتي في المركز الثالث بأقل نسبةٍ بعد الصومال واليمن. كما قفز الدين العام قفزةً هائلةً عام 2021 ليسجل نسبة 183% من إجمالي الناتج المحلي، وهي رابع أعلى نسبة في العالم بعد اليابان والسودان واليونان. ويبدو أن الدولة اللبنانية متواطئةٌ في جرائم مختلفةٍ وسياساتٍ غير مسؤولةٍ دفعت الاقتصادَ إلى حافة الهاوية.

بعد إعادة الهيكلة الليبرالية الجديدة للدولة والاقتصاد في فترة ما بعد الحرب الأهلية في تسعينيَّات القرن العشرين، أدت العلاقة الطفيلية بين القطاع المالي والدولة إلى حالات هائلة من العجز الماليِّ، مدفوعةً بمعدلاتٍ مرتفعةٍ من الفائدة على الاقتراض والإنفاق الزائد وقطاع الكهرباء المكلِّف وغير الفعَّال، فضلًا عن الفساد الذي تفشى في مشروعات الخدمات العامة وكذلك الاستثمارات الرأسمالية وجباية الضرائب غير المجدية. وبدأت هذه العملية المدمرة تُظهِر تصدعات في صيف 2019 مع تفاقم أزمة السيولة بسبب الآثار الناتجة من ثورة 17 أكتوبر و جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت عام 2020. ونتيجةً لذلك، تضاعف معدل الفقر في لبنان بعد أن كان يشمل حوالي 42% من إجمالي عدد السكان في عام 2019 لتصل هذه النسبة إلى حوالي 82% في 2021. وتفاقمت نسبة عدم المساواة في الطبقة الوسطى ووصلت الآن إلى أقل من 40% من عدد السكان، في حين انخفضت نسبة الأثرياء من 15% إلى 5% في عام 2020. ومنذ اندلاع الأزمة عام 2019، تراجعت قيمة الليرة اللبنانية بمقدار 95% تقريبًا في مقابل الدولار الأمريكي. وتحتل أسعار المواد الغذائية في لبنان أعلى مستويات الأسعار في العالم بعد أن ارتفعت بنسبة 1,000% بدايةً من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 إلى كانون الثاني/ يناير 2022. وأفادت التقديرات أن البنوك اللبنانية قد تكبدت خسائر تصل إلى 69 مليار دولار أمريكي منذ بداية الأزمة. في المقابل يحاول لبنان تحصين نفسه ضد الخسائر باعتماده على الخيار “المجرَّب والموثوق” في مواجهة ما يعتبره البنك الدولي واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية المسجَّلة في التاريخ الحديث، إذ يتفاوض لبنان حاليًا على خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي في محاولة منه لانتشال البلد من هذا المستنقع.

صندوق النقد الدولي والأزمات المعاصرة

يعدُّ صندوق النقد الدولي حاليًا جزءًا أساسيًّا من مجموعة الأدوات الأمريكية لفترات ما بعد الحرب، والذي تلجأ إليه الدول في حالة الأزمة المالية. ومنذ سبعينيات القرن الماضي قدم الصندوقُ الكثيرَ من القروض للدول الأعضاء لمساعدتها على “معالجة مشكلات ميزان المدفوعات، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، واستعادة النمو الاقتصادي المُستدام” خلال مواجهة الأزمات. ومع انطلاقة التحول المتنامي نحو الليبرالية الجديدة والعولمة في النظام الدولي في ثمانينات القرن الماضي، تبلورت العلامات الرئيسةُ للاقتراض من البنك الدولي فيما يعرف ب “إجماع واشنطن”. في هذه الحقبة، أصبح لدى النظام المالي ومموليه أهمية قصوى في إطار الاقتصاد العالمي المترابط، واكتسبوا نفوذ متزايدة أكثر من أي وقت مضى. على الرغم من بعض قصص النجاح، فإنه ثبت أن تأثير هذا التحول الأيديولوجي كارثيٌّ على مجتمعات أخرى.

من المؤكد أن الحالة التي تمر بها اليونان، في أعقاب ديونها المتراكمة، تدفعنا إلى التساؤل عن تدابير التقشُّف بصفتها سياسةً فعالةً للتعافي، وهو النهج المتَّبع في الأزمة اللبنانية حاليًا. رغم خطة الإنقاذ التي وضَعَها الاتحادُ الأوروبي وصندوق النقد الدولي، لا يزال الشباب اليوناني يواجه معدلات بطالة عالية أو أجورًا منخفضةً أو يسعى إلى الهجرة بحثًا عن المزيد من الفرص الاقتصادية في بلدان أخرى من الاتحاد الأوروبي، تاركين وراءهم نظام بائس للرعاية الاجتماعية. وما اليونان إلا واحدة من عدة تحذيرات تنبهنا بأن هذا النهج يترك مثل هذه المجتمعات في عذاب اقتصادي دائم دون مساءلة المسؤولين. 

ربما تكون قصة زامبيا وما مرت به نذيرَ شؤم لما يمكن أن تعنيه خطة إنقاذ صندوق النقد الدولي للبنان. في عام 2005، كانت زامبيا، بالإضافة إلى 29 دولة أفريقية أخرى، جزءًا من مخطط وضعه صندوق النقد الدولي لمساعدة “البلدان الفقيرة المثقلة بالديون”، وجرى فيه إعفاءُ هذه البلدان من بعض الديون، وضخُّ الأموالِ في المؤسساتِ الحيويَّةِ مثل المدارس والعيادات الطبية إلا أن الديون تراكمت على زامبيا حتى بلغت 59% من إجمالي ناتجها المحليِّ في غضون عشر سنوات بسبب اختلاس موارد الدولة وانتشار الفساد، الذي تفاقم بسبب الطبيعة الاستبدادية المتزايدة للنظام. كما هو الحال في لبنان، تضخمت ميزانيات العديد من مشروعات الأشغال العامة في زامبيا مثل عقود بناء طرق جديدة أو صالة مطار جديدة ما أتاح للمسؤولين المتورطين جني الأرباح. علاوةً على ذلك، شجع هذا المخطَّطُ الاقتراضَ غيرَ المسؤول من دول مثل: الصين، التي تمتلك حوالي ثلث الدين الخارجي لزامبيا ما يعطي أهميةً أو زخمًا أقل للبلاد للتحرك نحو ممارسات الحكم الرشيد. في عام 2020، تخلفت زامبيا عن سداد ديونها وهو ما زاد من مشاكلها. ويواجه لبنان، مماثلا لزامبيا، مخاطر اتخاذ خطوات من شأنها أن تكافئ نظامًا مصممًا للسرقة وإخفاء جرائمه. 

يعمل النظامُ الاقتصاديُّ الراهنُ على خلق عدم المساواة بشكل منهجي من قِبَل مجموعة الدول النخبوية، والتي تمنع البلدان المهمشة من الصمودِ والنجاة من العواصف التي قد تواجهها مثل الجائحة. هذا ما أعطى صندوق النقد الدولي سببا للتوقف مؤقتًا؛بعد ما أظهرت تدابير التقشف أنه بإمكانها إلحاق الضرر بالاقتصادات الضعيفة بالفعل، وأنها لا تؤديَ بالضرورة إلى النموِّ الاقتصاديِّ.

صندوقُ النقد الدولي ولبنان

في آذار/ مارس 2020، تخلَّف لبنان عن سداد قروضِه لأول مرةٍ في تاريخه، وتوقَّف عن سداد سندات اليورو المستَحَقَّة بالعملات الأجنبية والمقدَّرة بنحو 30 مليار دولار أمريكي. وفي آذار/ مارس 2022، في الدفعة الأخيرة بعد ملحمة طويلة استمرت عامين مع صندوق النقد الدولي لمعالجة هذه الأزمة، جرى التوصل إلى اتفاق على مستوى الإدارة بين صندوق النقد الدولي ولبنان بشأن الحصول على مجموعة من القروض بلغت قيمتها حوالي 3 مليار دولار أمريكي تقدَّم خلال 46 شهرًا، وستكون هذه القروض هي الخطوة الأولى في خطة الإنقاذ الأكبر. وهذه المجموعة من القروض مشروطة بخفض الإنفاق الحكومي وزيادة الخصخصة الضريبية وخفض الديون وتخفيض قيمة العملة. ومن المقرر أن يراقب صندوق النقد الدولي الصرف عن طريق المراجعات التي يجريها الموظفون باستمرار، وستكون الدفعة التالية متوقفة على ذلك.

لكي تقترب لبنان أكثر من هذا الاتفاق، فقد اقترحت الحكومة اللبنانية في شباط/ فبراير خطة إنعاش اقتصادية من المتوقع أن يتحمل فيها المودعون العبء الأكبر. ومن أجل تغطية حوالي 69 مليار دولار أمريكي من الخسائر في القطاع المالي، سيُخصَّص جزء من تحويل الودائع الدولارية إلى الليرة اللبنانية، ما قد يؤدي بدوره إلى خسارة معظم قيمتها. وستغطي الدولةُ والبنكُ المركزي والبنوكُ التجارية مبلغًا يصل إلى 31 مليار دولار أمريكي، وهو ما يساوي “تأميم الودائع”، وسيُشكل واحدة من أكبر “عمليات الإنقاذ بمشاركة المودعين في التاريخ الاقتصادي الحديث”. وقد تؤدي الخطة أيضًا إلى امتلاك المودعين الأثرياء 72% من رأس المال في البنوك اللبنانية. وعلاوةً على ذلك، ستصل الإيرادات التي تجمعها الحكومة من ضرائب القيمة المضافة إلى ثلاثة أضعاف في الميزانية التي اقترحتها الدولة هذا العام لتلبية متطلبات قرض صندوق النقد الدولي. ومن الواضح أن ضريبة القيمة المضافة أثقلت أعباء الفقراء العاملين على نحو غير متكافىء، وألحقت بهم ضررًا كبيرًا. ونظرًا لأن ضخ السيولة سيحدث تدريجيًّا في البداية وبأقل حد ممكن، فإن امتصاص خسائر القطاع المالي سيجعل التعافي أكثر إيلامًا؛ إذ أنه من المرجح أن تظل ضوابط رأس المال قائمة لتحقيق الاستقرار في أسعار الفائدة وسعر صرف العملة كما كان الحال في قبرص و أيسلندا واليونان. وبالتالي، ستتسبب الإصلاحات المالية المطلوبة بهدف التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في إعادة توزيع الأصول بعيدًا عن متناول أولئك الذين في أمسِّ الحاجة إليها.

وإلى جانب الإصلاحات المالية، تُلزم خطةُ الإنقاذ التي يقدمها الصندوقُ الدولي الأحزابَ بمتابعة المساءلة المؤسسية، التي ينبغي أن تؤدي من الناحية النظرية إلى نتائج إيجابية للحكم الديموقراطي. في حالة لبنان، يشمل ذلك إجراء عمليات التدقيق الجنائي من جانب البنك المركزي وتطبيق قانون ضوابط رأس المال، وهي عملية متعثِّرة حاليًا. ولم يكشف المصرفُ المركزيُّ اللبنانيُّ عن إحصاءات الأرباح والخسائر منذ عام 2002 التي تقدَّر بأكثر من 50 مليار دولار أمريكي. وقد تتطلب خطة الإنقاذ أولويات سياسية من المرجح أن تقلل أو تخفض من الخدمات العامة وترفع المزيد من الدعم، وربما تسفر عن تقديم المزيد من الإصلاحات للمعاشات التقاعدية وتدابير مكافحة الفساد، وتقليص حجم الخدمة المدنية. بيد أن من شأن سياساتِ التكيُّف الهيكليِّ من هذا النوع أن تثقل كاهل الطبقة العاملة وتؤدي إلى مستويات أعلى من الفقر في لبنان.

إن الضخَّ الهامشي للسيولة في المنظومة من خلال خطة إنقاذ صندوق النقد الدولي من شأنِه أن يمنح الشعب لحظةً لتجميع شتاته. رغم ذلك، ربما يُعزز تبعية البلاد ويسمح للنخب الفاسدة بالحفاظ على علاقتها الطفيلية مع النظام المصرفي والاقتصاد اللبناني. وثمة احتمال أيضًا بزيادة عدم المساواة، حتى لو اقترنت خطة الإنقاذ من صندوق النقد الدولي ببرامج البنك الدولي وصرف حزمة مساعدات “سيدر” (المؤتمر الاقتصادي للتنمية من خلال الإصلاحات مع الشركات) لتخفيف وطأة الأمر. لقد أثبتت الدولة اللبنانية الفاسدة مرارًا وتكرارًا أنه لا يمكن الوثوق بها فيما يتعلق بخدمة ناخبيها حتى أن المجتمع الدولي يعترف بهذه الحقيقة. يرى مقرر الأمم المتحدة الخاص المعنيُّ بالفقر المدقع أن الدولة اللبنانية والبنك المركزي “مسؤولان عن انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك التهجير غير الضروري للسكان، الذي نتج عن هذه الأزمة المفتعلة”.

بدائل للتعافي وجيلٌ ضائعٌ

لا يمكن أن يكون حلُّ الأزمة الحالية هو الاستسلام للحِيَل والتكتيكات القديمة التي من شأنها أن تعيد لبنان لظروف ما قبل الانهيار في 2019. يتطلب التحولُ الجوهريُّ بعيدًا عن الأداء السابق للدولة الإبداعَ ونهجَ متعدِّد المسارات؛ إذ يجب أن يتوازى الإصلاحُ الشاملُ للنظامِ السياسيِّ مع نهجٍ مبتكر للإصلاح الفوري وطويل الأمد. يَعتَبِر الخطابُ الحاليُّ عملية صندوق النقد الدولي خيارَ لبنان الأوحد والأخير، إلا أن خيار لبنان الأوحد هو ألا يحصر نفسه في هذا المسار. لن يمنع هذا الحلُّ الانتقاليُّ عودة الدولة اللبنانية القابعة في وضع التخلف عن سداد ديونها والغرق في براثن الفقر. وبهذه الطريقة فإنه من المرجح أن تستمر منظومة الفساد نفسها من كسب غير مشروع واستغلال للنفوذ وإفلات من العقاب، ما يتيح استمرار الانتهاكات ذاتها.

لذلك يجب ممارسة ضغط هائل على النخبة والطبقة الحاكمة بأشكالٍ جديدةٍ خاليةٍ من الأهداف الشخصية والمصالح الضيقة قصيرة النظر؛ فقد أثبتت إدارة المعونة من خلال الدولة اللبنانية عدمَ فاعليَّتِها وغالبًا ما فُقِدت بسبب الفساد بل أضحت نقمة لمن يحتاجون فعلًا إلى يد العون. من المؤكد أنه يمكن تجنب مخاوف الحصول على السيولة بإنشاء صندوقٍ استئمانيٍّ تابعٍ للأمم المتحدة حيث يمكن إيداع المعونة وتوزيعها بعيدًا عن أجهزة الدولة اللبنانية على نطاق أوسع بالودائع النقدية المباشرة إلى اللبنانيين، كما حدث في أفغانستان عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. في حالة الصناديق الاستئمانية التابعة للأمم المتحدة، يمكن للدول أو المنظمات غير الحكومية تقديم طلبات للمساعدة. هذه هي فرصة منظمات المجتمع المدني اللبنانية الموثوقة أن تقدم حجتها لتصبح المتلقي والموزع الوحيد لهذه المعونة. فضلًا عن ذلك، تشمل النماذج الأخرى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية للأموال المجمعة المشتركة وخطط الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية، الذي استُخدم مؤخرًا في أوكرانيا وأفغانستان لدفع رواتب موظفي القطاع الصحي والمستفيدين دون التعامل مع السلطات. لن يؤدي تبني نهج بديل إلى رفع مستوى المجتمع المدني في مواجهة الدولة فحسب، بل سيبدأ أيضًا في كسر قيود المحسوبية التي تحتجز المجتمع اللبناني كرهينة.

أهميَّةُ المساءَلة

لابد من إعطاء الأولوية للمساءلة من خلال محاسبة المسؤولين ومعالجة الأسباب الجذرية للإفلات من العقاب. ويمكن استخلاص الدروس المستفادة من الجهود الشاملة التي تبذلها الدولة الأوكرانية والمجتمع المدني لمحاسبة روسيا على غزوها لأوكرانيا. فقد قدّم لنا مثال أوكرانيا سلسلةً من الدروس المستفادة للمساءلة الدولية أمام الهيئات، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وآليات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. على الرغم من أن القضية الأوكرانية لا يمكن تصنيفها على نفس نحو لبنان، فإنها تقدم مثالًا يوظّف هذه الأدوات بطريقة شاملة لعزل المعتدي. يمكن أن تكون هذه الإجراءات بمثابة قناة أخرى نحو تحقيق المساءلة، سواء كان ذلك بضغط المجتمع المدني على الدول لرفع قضية ما في جميع هذه الهيئات، أو بمبادرات أخرى ناشئة داخل البرلمان المنتخب حديثًا. في الآونة الأخيرة، زُج باسم محافظ مصرف لبنان المركزي بصفته مشتبهًا به في قضية رفعها القضاء الجنائي التابع للاتحاد الأوروبي، وتجمدت حوالي 130 مليون دولار أمريكي من الأصول اللبنانية. علاوةً على ذلك، تعرضت ممتلكات وحسابات مصرفية تابعة لخمسة أشخاص إلى المصادرة في فرنسا ولوكسمبورغ وموناكو وبلجيكا،وذلك للإشتباه بهم في اختلاس مبالغَ تقدَّر بحوالي 330 مليون دولار أمريكي بين عامَيْ 2002 و2021. وترتبط عمليات المصادرة بتحقيق بدأه محققون فرنسيون العام الماضي بشأن الثروة الشخصية لمحافظ البنك المركزي. حتى لو لم يصدر حكم بالإدانة في مثل هذه القضايا، فإنه يجب تعزيز الرواية القائلة بأن لبنان كان رهينة دولة إجرامية، بما يساهم في عزل النخبة الحاكمة. 

رغم ذلك، تزداد قدرةُ مثل هذه المبادرات على اكتساب قوة جذب حقيقية حين لا تقوم قوى المحسوبية بكبح المجتمع وتقييده. وكلما قل عدد اللبنانيين الذين يلتحقون بهذه القوى سواء بشكل ضمني أو بشكل مصيري من أجل البقاء، فيصبحوا غير مدينين لأي نظام حكم قائم على استخلاص المنفعة، ويصير من الممكن أن نشهد فرصا أكبر للمساءلة تصدر عن نظام قضائي أكثر استقلالية ق. ويعني هذا أنه كلما زاد الدعم الاقتصادي والحرية الاجتماعية للأفراد والموظفين في تجربة الدولة، قلت مديونيتهم لقادتهم أو للدولة نفسها، التي لن تكون قادرة على العيش مع مثل هذا الإفلات من العقاب على المدى الطويل. 

من المرجَّح للغاية أن يستمر الشعب اللبناني في المعاناة اقتصاديًّا وكذلك في الوقت الراهن. رغم ذلك، تضمن مواجهة الإفلات من العقاب والمساءلة المالية على المدى الطويل إقصاء الطبقة الحاكمة من معاقل قوتها. رغم ذلك يبدو أن قرض صندوق النقد الدولي في شكله الحالي لا يبشر إلا بحدوث كارثة مستقبلية؛ إذ ستجني الأقلية الحاكمة غنائم المؤسسات الهشة كما فعلت في عام 1991. في ضوء الإمكانات المتحفظة للإصلاح وخطر الجمود السياسي المتزايد عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تقدم هذه اللحظةُ فرصةً لإظهار هذا الواقع للبنان وتقديم رؤية جديدة لا تعتمد على الأدوات التقليدية، بل تتطلب المزيد. ببساطة، ليس أمام لبنان حل آخر.