Syrians stage a demonstration on the 10th anniversary of the Syrian revolution in Idlib on March 15, 2021. (Photo by Muhammed Said/Anadolu Agency via Getty Images)
تعليق

عقد على الثورة السورية…مابين الانجازات والانتكاسات‎

أستعرض في هذه الفترة من كل سنة شريط حياتي، وأتأمّل كيف أصبحت في المكان الذي أنا فيه، سواءً على الصعيد الجغرافي أو المهني أو الشخصي أو حتى العاطفي.

أمّا هذه السنة، وبعد مرور عقد كامل على الربيع العربيوعليّ أنا كنورافالأمر أكثر حساسيةً وإشكاليةً بالنسبة إليّ.

لا أدري لماذا أشعر أنّ هذه السنة مفصليّة في حياتي، كامرأة، كناشطة، وكمبعدة قسراً عن وطني.

قاربت الأربعين، وأشعر بكل هذه التغيرات في تكوين جسدي وعقلي. لا أتكلّم هنا عن التجاعيد أو الشيب، كما لا أتكلم عن التعب بشكل أسرع من قبل، ولا عن الأعراض الصحية أو الاضطرار إلى أخذ فيتامينات ومكملات غذائية.

أتكلم هنا عن عمر الخصوبة الذي قارب على الانتهاء بالنسبة إليّ. ليس بعيداً بعد الآن أن أفقد قدرتي على الإنجاب، وما أبشع أن يكون هناك محدِّدات دائمة للإنسانمحددات تغتصب حريّاته.

بالطبع موضوعنا ليس سنّ خصوبة المرأة. ولكنّ مشكلتي مع عدم الإنجاب إلى الآن وثيقة الصلة بالربيع العربي، والذي هو موضوعنا هنا والآن. وقد اخترت متعمدة أن أبدأ بالحديث عنّي كامرأة أولاً قبل أشياء أخرى كثيرة.

ببساطة لم أنجب حتى الآن، وربّما لن أنجب أبداً، لأنّني اخترت أن أكون جزءاً من الثورة السورية كما اخترت أن أتزوّج داخل السجن من رجل ربّما سيمضي حياته، ويفقدها، داخل السجنكما حدث بالفعل. لست نادمةً على مشاركتي بالثورة ولا على زواجي بباسل، بل إنّ هذين أهمّ حدثين في حياتي، ولكننّي خائفة وحائرة لاحتمالية ألّا أستطيع اختبار شعور الأمومة بيولوجياً بالرغم من أنّي أختبره بشكل عاطفيّ يومياً، حيث أشعر بالأمومة الطاغية تجاه أولاد أختي، عمّار وماسة، وهما في سوريا، وقد مضى أكثر من عام عن زيارتهم الأخيرة لي في بيروت. أشعر حرفيّاً بالتمزق بسبب بعدي عنهما. ورغم أنّ كل عائلتي في سوريا، لكنّ عمّار وماسة هما أكثر من أفتقد.

أشعر بالأمومة أيضا تجاه زيوس كلبي، وسيسي قطتي. أشعر أنّهما خرجا من رحمي، وأنادي لهما ماما، لدرجة أنّ عائلتي وأصدقائي يسألونني عنهما بصيغة كيف الولاد؟“.

وأهمّ ما مررت به أنّني شعرت بأنني أمٌّ لمعظم المعتقلين الذين كنت أزورهم في السجن، وكان العديد منهم يناديني بماما.

حياتي تمضي وأنا أقارب الأربعين، وحيدةً وعازبةً وبعيدةً عن عائلتي وبلدي. وأشاهد يوميّاً كل الهزائم والخسارات التي تحاصر وطني وتحاصرني.

لم يكن اندلاع الثورات في تونس ومصر مؤشّراً على انفجار المنطقة فحسب، بل كان الملهم لنا في سوريا. وبالنسبة إليّ شخصياً فقد كان الدافع الذي جعلنا نبدأ بالتخطيط.

كنّا نجلس في مقهىً في ساروجا في قلب دمشق، نرسم سيناريوهات مختلفة لكيفية البدء بالثورة في سوريا، ونحاول التخطيط لكلّ المخاطر الممكنة ووضع كل الاحتمالات وتصوّر كل الطرق التي سيجابهنا بها النظام.

قبل أن تكتمل خططنا ويخبو وهج احتفالنا بسقوط النظامين التونسي والمصري، اندلعت ثورتنا في درعا في 18 آذار 2011. ومن هنا وبعد عدة محاولات في مناطق أخرى، بدأت استمرارية المظاهرات أسوةً بما حدث لدى الشقيقتين تونس ومصر.

كنت قد قاربت الثلاثين في 2011. وفي أول مظاهرة شاركت فيها في الغوطة الشرقية في دمشق في الأول من نيسان 2011، سمعت صوته برفقة أصوات الرصاص الذي كان يُطلق من قبل الأجهزة الأمنية على المتظاهرين.

هل حقاً الأذن تعشق قبل العين أحياناً؟

هناك سحر خاص في صوته المفعم بالرجولة واللطف المبالغ فيه.

دخلت الغرفة لأجد شاباً طويلاً يدير ظهره إلى الباب ويتكلم على الهاتف باللغة الانكليزية وينقل ما يحدث من أخبار حولنا.

والتفت إليّ، وكانت هذه الالتفاتة كافية لأبقى معلّقة في هاتين العينين إلى الأبد.

عسل مسكوب في عيني رجل، عسل يذيب الفؤادباسل.

شابٌّ فلسطيني سوري في نفس عمري، مبرمج على مستوى العالم، وناشطٌ في مجال الحريات على الانترنت والأمان الرقمي وحق الحصول على المعرفة. عاش جزءاً كبيراً من حياته خارج سوريا، وكان في سوريا عندما بدأت الثورة.

باسل الناشط الّلاعنفي، حصل على عدّة تصنيفات على مستوى العالم، وبعضها أثناء وجوده في السجن. فقد صُنِّف من قبل مجلةفورين بوليسيكواحد من أعظم مئة شخصية مؤثرة في العالم لعام 2012 ، كما اعتُبر من أهمّ المبرمجين عالميّاً، وهو من مؤسّسي العديد من البرامج مثل ويكبيديا وموزيلا، إضافةً إلى تسمية عدّة برامج وتطبيقات باسمه بعد وفاته.

وقعت في حبّه كما وقع هو. كنّا شريكي الثورة. قمنا بكل الأنشطة معاً: قاومنا معاً، خفنا معاً، فرحنا معاً، وبكينا معاًوحلمنا، حلمنا، حلمنا معاَ.

تمّت خطوبتنا بعد هذا اللقاء بعدة شهور تحت وقع الرصاص والاعتقالات والتعذيب والملاحقة باستمرار، وحدّدنا عرسنا في الذكرى الاولى لتعارفنا في 1 نيسان 2012.

إن أرفقت عقد زواجي هنا، سيظهر لكم تاريخه في 1 نيسان 2012، ولكنّ الأمر لم يكن بهذه الصورة الطبيعية أو السهلة.

اُعتقل باسل في 15 آذار 2012، أي قبل أسبوعين من موعد زفافنا. 

إلى الآن لا أستطيع تحديد ما الذي كان مؤلماً أكثر، صدمة اعتقال باسل بحد ذاتها، أم توقيت اعتقاله.

كنت وقتها أنتظره لإحضار فستان زفافي الذي كان قد أصبح جاهزاً بعدما أنهت الخيّاطة تفاصيله الأخيرة. كل شيء كان جاهزا، باستثناء العريس الذي اختفىويالسذاجتي حين أعتقدت أنّ اختفاءه لن يكون أبدياً

أكثر من تسعة شهور مضت حينها على اختفاء باسل قسراً في أحد الأقبية السرية للمخابرات السورية دون ثمّة يقين عن حياته أو مكانه، إلى أن ظهر أخيراً بعد نقله إلى سجن دمشق المركزي، ولكن دون السماح بزيارته. لا بأسبتُّ أعلم أنّه بخير.

تبادلنا الرسائل لمدة شهر، إلى أن اختفى باسل مجددا، ولكن هذه المرة إلى ما يسمّى بالمسلخ البشري، سجن صيدنايا العسكري.

كنت ملاحقة أمنياً حتى قبل اعتقال باسل. وقد أخبرني أحد من كانوا برفقته في فرع التحقيق العسكري أن باسل عقد اتفاقاً مع السلطات الأمنية، حيث اعترف بكل ما أُسند إليه من تهم عجيبة مقابل ضمانة بإلغاء مذكّرات التوقيف بحقي، وقد نجح في هذا.

ومع مجموعة من الأصدقاء من كل بقاع الأرض، أسّسنا حملة الحرية لباسل بعد أشهر من اختفائه الأول، والتي أصبحت من أهم حملات الحرية في العالم.

نجحت هذه الحملة في إنقاذ باسل من ويلات سجن صيدنايا العسكري، وعاد بعد شهر إلى سجن دمشق المركزي، وسُمح بزيارته أخيراً.

اتصل بي ليخبرني، ظننت أنني أحلم. ذهبت إليه في اليوم التالي. استلمت بطاقة الزيارة الرسمية التي تحمل صورة باسل، وأخبرت الشرطي على الباب أنّهم وضعوا صورة سجين آخر بالخطأ، فهذا الذي يظهر في الصورة ليس باسل.

صمت الشرطي، ربما سمع هذه الكلمة مئات المرات من غيري.

دخلت إلى قاعة زيارة المحامين كوني محامية، ودخل باسل بعدي بدقائق كانت كأنها الأبد. للوهلة الأولى لم أعرفه، حدس الحبيبة وحده كان دليلي إليه.

بعدها بعشرة أيام تم عقد قراننا في السجن بحضور والدينا، على الشبك، وبصورة شبه سرية.

لم تعلم إدارة السجن بما حدث إلا من نشرات الأخبار والصحف العربية والعالمية التي تحدثت ولا زالت عن زواج عروس وعريس الثورة داخل السجن.

بعد عدة شهور استطعت تثبيت عقد زواجنا في المحكمة وتسجيل تاريخ الزواج بـ 1 نيسان 2012 كما كان مقرراً.

لم أرد الانتظار بطرق تقليدية، أردت أن أنتظر بطريقتي أنا.

كانت زيارتي لباسل في أيّام السبت والإثنين والأربعاء. مررنا بخلاف حول زيارة الشبك في أيام السبت، فباسل لا يحب الشبك لأنّه يبعده عني، وأنا أحب الشبك لأنه المكان الذي أمضيت سنوات من طفولتي ومراهقتي أزور والدي خلاله.

فمنذ التسعينات، التقيت بمئات الأشخاص في السجن نفسه، الذي احتضن والدي بعد اختفائه كما احتضن باسل بعد اختفائه. هذا السجن الذي قدّم لي رجُلي حياتي بعد غياب بفارق عشرين عاماً بين اعتقاليهما. حيث اختفى والدي وباسل في الأفرع الأمنية وظهرا في هذا السجن الذي أتاح لي رؤيتهما بعد غياب طويل. اعتُقل والدي في 18 آذار 1992 واعتُقل باسل في 15 آذار 2012. وخرج والدي منه، بينما اختفى باسل إلى الأبد.

لم تكن الزيارة كما قد يتخيلها أي أحد. كانت مليئة بالمخاطرة، فالطريق إلى السجن كان تحت القنص والقصف كما السجن نفسه.

واجهت الموت أكثر من مرة، ومات بجانبي شخصان في السرفيس الذي يقلّني في مرتين منفصلتين برصاصتين ربّما كانتا مخصصتان لي.

لم تكن الزيارة أيضاً كئيبةً كل الوقت، كانت مليئة بالغزل والشغفوالثورة.

ولم أزر باسل لوحده أيضاً، فكوني محامية ومدافعة عن حقوق الإنسان كنت أزور سجناء آخرين لأخذ شهاداتهم وتوثيقها لتسهيل الدفاع عنهم ولإيصال حالاتهم إلى المنظمات المختصّة والإعلام.

كان الوصول إلى تفاصيل السجن أكثر سهولة بالنسبة إليّ من باقي زملائي المحامين، فإدارة السجن تعرفني منذ أن كان والدي هناك سجيناً، وللحقّ كانوا يكنّون الاحترام لباسل ولي.

عدا عن المشاهد العاطفيّة بيني وبين باسل والتي كانوا يتوقون إليها.

لم أكن أيضاً أقوم بدوري كمحامية فقط. كنت أقوم بما أسميه إعادة تأهيل المعتقلين الرجال أثناء وجودهم في سجن مدني، وهو ما أدعوه الفترة الانتقالية بين جحيم الأفرع الأمنية والعالم الخارجي.

زرت أكثر من 400 سجين خلال ثلاث سنوات من تواجد باسل في هذا السجن. كنت الزائرة الوحيدة لمعظم هؤلاء السجناء إذ لم يكونوا يعرفون شيئاً عن عائلاتهم التي تقبع تحت القصف والحصار.

كنت من يُحضر الشوكولا والدخان والأدوية ومواد الرسم والكتب سرّاً.

بنينا أنا وباسل عالماً داخل السجن.

واختفى باسل مجدداً عام 2015 لأعلم عام 2017 أنّه تمّ إعدامه بعد أيام من اختفائه.

وحُرمت زيارة السجن لأنّ الزيارة باتت تشكل خطورة على حياتي بعد فضحي لكل ما حدث.

عام 2018 اُضطررت لترك سوريا، ولم يكن هذا أسوأ شيء يحدث. الأسوأ هو أنّني سأضطر لإكمال نشاطي من الخارج، بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من النشاط في الداخل.

لم أتوقف رغم عشرات الانهيارات ومئات المرات التي انعدمت فيها رغبتي بالحياة.

أسّست مجتمعاً أنتمي إليه: نوفوتوزون

كان هذا حلماً وفكرة مشتركة بيني وبين باسل في 2011… منظمة تقدم الدعم القانوني للمعتقلين والمختفين قسراً وعائلاتهم إضافة إلى تسليط الضوء على معاناتهم، ولكنّ اعتقال باسل حال دون تحقيق الحلم مؤقتاً.

كما ذكرت سابقاً، تركت سوريا في بداية 2018 بسبب الملاحقات الأمنية والتهديدات ومذكرات الاعتقال. خرجت إلى لبنان، وكانت الخطة ان أنتقل إلى إنكلترا خلال ستة أشهر لأنني كنت قد حصلت على منحة لدراسة الماجستير.

في أول عيد أمّ أمضيه بدون أمي في لبنان برفقة أمهات وزوجات المعتقلين والمفقودين، اتخذت قراراً بتبديل خططي بشكل كليّ. اعتذرت عن المنحة، وهو فعل أقرب للغباء والتهور كما وصفه العديد، وأسّست نوفوتوزون في لبنان.

لست المديرة لنوفوتوزون فقط، وإنما أقوم بتنفيذ الأنشطة مع عائلات المفقودين والمعتقلين ومعظمهم من النساء، كون معظم المستهدفين بالاعتقال والإخفاء هم رجال.

نقدم الدعم القانوني وبرامج لتمكين وبناء قدرات النساء من الناحية الحقوقية، وخاصة فيما يتعلق بحقوق أحبابهنّ المعتقلين وحقوقهنّ كعائلات وكنساء تحديداً. كما نخلق مساحة آمنة بيننا لنتشارك مشاعرنا وتجاربنا ونتعلم معاً كيف نتعامل مع جراحنا النازفة باستمرار في غياب أحبابنا في المجهول وعالم اللّايقين.

أؤمن بأنه من الواجب عليّ تمرير ما تعلّمته إلى هؤلاء النساء المذهلات ليصبحن تحت الضوء ومحور الاهتمام والممثل الوحيد لمعاناتهنّ واحتياجاتهنّ ومطالبهنّ في كل المحافل الدولية. فهنّ صاحبات القضية ويجب أن يكنّ صاحبات القرار.

بمقدوري أن أقول بكل صراحة إنّ عملي في نوفوتوزون هو السبب شبه الوحيد لاستمراري في مواجهة الحياةأشعر أنّني بين عائلتي برفقة هؤلاء النساء وأولادهنّ وبناتهنّ.

نغطّي معظم المناطق اللبنانية التي يتواجد فيها السوريون بكثرة، ونقدّم خدماتنا إلى كل من لديه مفقود في سوريا بغضّ النظر عن جنسيّته أو منطقته أو طائفته أو رأيه السياسي. ولقد كان من أهمّ ما أفتخر بتحقيقه أننا استطعنا أن نجمع نساءً من المولاة ونساءً من المعارضة معاً، وهذا حدث نادر في السياق السوري. وقد نشأت بين العديد منهنّ علاقات صداقة.

في نوفوتوزون نبحث عمّا يجمعنا، وما يجمعنا هنا هو شعور الفقد.

نحضّر حالياً لتوسيع أنشطتنا إلى تركيا، وربّما سنعمل يوماً ما في عدة مناطق في العالم. وأحلم أن تصبح نوفوتوزون منظّمة عالمية تخدم كل مفقودي ومعتقلي العالم.

لا شكّ أنّنا نعاني من صعوبات تتعلق بفرص التمويل وتسهيلات العمل في البلدان التي ننفذ أنشطتنا فيها، عدا عن بعض السلبيّات المتعلقة بالتنافسية وإملاءات المموّلين، ونحاول التعامل مع كل هذه التحديات.

طريقنا صعب وطويل، ولكن بالحبّ والإيمان بالقضية نستطيع الوصول.

وختاماً، وبمناسبة مرور عقد من الزمن على الربيع العربي، بإيجابيّاته وسلبيّاته، بإنجازاته وانتكاساته، أودّ البوح بأنّني خسرت كما ربحت، ونجحت كما فشلت، وتأملّت ويئست، ولكنني حتماً لن أترك تضحيات عشر سنوات تذهب سدىً. لم يعد لي من خيار سوى الاستمرار في سبيل الحرية والعدالة والمدنية. ولو عاد فيّ الزمن إلى الوراء ثانيةً لما اتخذت إلّا نفس قراري في أن أكون جزءاً من ثورة سوريافي أن أحقق ثورتي أنا

حُرمت من باسل ومن عائلتي ومن وطني ولم أرَ فستان عرسي إلى الآن، وهمّي الوحيد أن أسعى بكل طاقتي لتستمرّ نوفوتوزون ولأحاول ولو بشقّ الأنفس أن أصل لكل امرأة تعاني من اختفاء حبيبها، لعليّ أشفي جراحها.