قانون معاملة كبار قادة القوات المسلحة: عدالة انتقالية أم عدالة انتقائية؟

07/25/2018 . By Mai El-Sadany

تم ترجمة هذا المقال من اللغة الإنجليزية. لقراءة النسخة الأصلية اضغط هنا

***

في بلدٍ لا يُقيم اعتبارًا للعدالة الانتقالية وينظر إليها على أنها مسألة ثانوية، إلى جانب فشل السّلطة التشريعية فيه في تمرير قانونٍ للعدالة الانتقالية رغم الحاجة الدستورية إلى ذلك، يرى كثيرٌ مِن المراقبين أنه من المفارقات ودواعي السخرية أن يُعلن مجلس النواب المصري موافقته المبدئية في الثالث من يوليو الماضي على مشروع قانونٍ من شأنه أن يمنح العفو لبعض كبار قادة القوات المسلحة، وهو ما يعني تسييسًا واستغلالًا مُتعمَّدًا لمفهوم العفو بوصفه أحد أكثر آليات العدالة الانتقالية إثارة للجدل. وكان مشروع القانون، الذي تُفيد التقارير بأن الحكومة لم تُقدّمه سوى قبل يومٍ واحدٍ من الموافقة المبدئية عليه، دُفع على عجلٍ خلال الإجراءات البرلمانية، قبل الموافقة النهائية عليه بأكثر من ثلثي أعضاء البرلمان وفقًا إلى التشريع؛ إذ لم يعترض سوى ثمانية أعضاء على مشروع القانون.

ووفقًا إلى الدراسات التي تناولت العدالة الانتقالية فإنه يُمكن تعريف مفهوم العفو على أنه «تدابير قانونية تؤدي إلى حظر الملاحقة القضائية المستقبلية ضد أشخاص معينين أو مجموعات بعينها بسبب عمل إجرامي محدّد ارتُكب قبل اعتماد العفو.» ورغم أن المؤيدين لمبدأ العفو يوضّحون أن منح العفو لمسؤولين بعينهم عن ارتكاب الجرائم من شأنه أن يُسهم في تبديد مخاوفهم بشأن الملاحقة القضائية، ومن ثمّ إحلال السلام في المجتمع بشكل فوري وعاجل، فإن البعض الآخر يُخالفهم الرأي. في حالات سابقة، منحت حالات العفو غير المثالية مظلّة حماية من الملاحقة القضائية للمنتصرين في صراع أو مرحلة انتقالية سياسية، في الوقت الذي فشلت في توفير حماية مماثلة لآخرين؛ إذ حدثت هذه التدابير في فراغ قانوني، وفي ظلّ غياب أدوات العدالة الانتقالية الأخرى التي تسمح للضحايا تحقيق العدالة التي ينشدونها من خلال آلية بديلة، كما أن تدابير العفو هذه جاءت شاملة عن جميع الجرائم المرتكبة، وهو ما يعني إشاعة ثقافة الإفلات من العقاب حتى مع أكثر الجرائم خطورة وفقًا للقوانين والأعراف الدولي.

ونتيجة لكلّ هذا، ثمّة خطر أن يُعيد مشروع القانون الجديد تكرار السيناريوهات السابقة. ويُمكّن التشريع المُسمّى «مشروع قانون معاملة كبار قادة القوات المسلحة» الرئيس مِن استدعاء مجموعة من كبار ضبّاط القوات المسلحة الذين يصدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية لخدمة القوات المسلحة مدى حياتهم، ويضمن لهم الاستمتاع بكلّ المزايا والحقوق المقرّرة لوزير في الحكومة، فضلًا عن تحديد الرئيس بقرار منه «المزايا والمخصصات الأخرى التي يتمتّع بها المخاطبون بأحكام هذا القانون، ويجوز الجمع بين المزايا والمخصصات المقرّرة بناءً على أحكام هذا القانون، وبين أيّ ميزة مقررة بموجب أي قانون آخر.» وفوق هذا وذاك، يمنح مشروع القانون هذا كبار قادة القوات المسلحة الذين صدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية حصانةً من الملاحقات القضائية تتعلّق بأي أفعالٍ ارتكبوها في أثناء «تأديتهم مهام مناصبهم أو بسببها» خلال الفترة الزمنية ما بين تعليق العمل بالدستور المصري في يوليو 2013 وأوّل انعقادٍ لمجلس النواب في يناير 2016، وحال سفرهم إلى الخارج فإنّ هؤلاء الضبّاط يتمتّعون بحصانة أعضاء ورؤساء البعثات الدبلوماسية.

يُذكر أنّ مشروع القانون حين قُدِّم من الحكومة، جرى تحديد فترة حصانة كبار ضباط القوات المسلّحة بتواريخ محددة: مِن الثالث من يوليو 2013 إلى الثامن من يونيو 2014. لكن، عدّلت لجنة برلمانية مشتركة بعد ذلك مشروع القانون وفترة الحصانة لتمتدّ من وقت تعطيل العمل بالدستور حتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه، أي بين الثالث من يوليو ٢٠١٣ حتى العاشر من يناير ٢٠١٦. وتتضمّن تلك الفترة العديد من الأحداث الفارقة في التاريخ الانتقالي الحديث في مصر، بما فيها أحداث الحرس الجمهوري، وفضّ ميدانَي النهضة ورابعة العدوية، وصولًا إلى العديد من تقارير القتل خارج نطاق القانون خلال الفترة الطويلة «للحرب على الإرهاب». وبموجب ذلك القانون سيتمكّن الرئيس مِن تحديد مجموعةٍ من ضبّاط الجيش للبقاء على قوة الاحتياط مدى الحياة، دون وضع مبادئ توجيهية محددة تتعلّق بأهلية الضبّاط الذين سيُصدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية لخدمة القوات المسلحة مدى حياتهم، ودون وضع قيود على معدّل تكرار إعلان الرئيس عن إصدار أسماء ضبّاط بعينهم، وهو ما يجعل الرئيس قادرًا على اختيار الضبّاط الذين يضمن ولاءهم له، في ما قد يترك آخرين للتضحية بهم إذا دعت الحاجة. وبمجرّد اختيار أسماء الضبّاط، سيتمتّع كلّ واحد منهم يشمله القانون بحصانةٍ مدى الحياة من المساءلة القانونية على أيّ تجاوزات قام بها خلال واحدةٍ من أهمّ الفترات الانتقالية في تاريخ البلاد. فعلى سبيل المثال، فإن ضابط القوات المسلحة الذي أصدر الأمر بفضّ اعتصام رابعة، والذي ربما كان سيتحمّل مسؤولية فض هذا الاعتصام، بات محميًّا بموجب هذا القانون ولن يُسأل أبدًا عن مقتل المواطنين المصريين، حتى وإن اعتُبرت حالات القتل تلك جرائم خطيرة يُعاقب عليها المجتمع الدولي. بدلًا من ذلك، فإنه سيُكرَّم مدى الحياة، ويُعامل معاملة وزيرٍ حالي في الحكومة، ويحمل حصانةً دبلوماسيةً حين يُسافر خارج البلاد.

ووسط الانتقادات، لم يُقيِّم المؤيّدون مشروع القانون باعتباره آليةً لتطبيق العدالة، وإنما كوسيلةٍ لتكريم أعضاء القوات المسلحة المصرية لإسهاماتهم وتضحيّاتهم من أجل المجتمع المصري. لكن من منظور قانوني، فإنّ تأثير مشروع القانون واضحٌ دون شكٍ. أولًا، يفرض مشروع القانون نوعًا انتقائيًّا وتعسفيًّا من العفو؛ فعوضًا عن منح عفوٍ عن جميع الجرائم غير الخطيرة التي ارتكبها كلّ من المدنيين والعسكريين في حادثٍ مُحددٍ، فإنه يحمي أعضاء القوات المسلحة فحسب، بوصفهم الفئة التي يُنظر إليها باعتبارها “منتصرةً” من المرحلة الانتقالية في مصر، ويمنحهم حصانة خلال فترةٍ طويلةٍ تبلغ عامين ونصف العام رُصدت خلالها انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان. بعض هذه الانتهاكات ارتكبتها القوات المسلحة وقوات الأمن في البلاد. ثانيًا، يغطي مشروع القانون فترة عانت فيها البلاد من فراغٍ قضائي وقانوني، وهي فترة كانت فيها الملاحقات القضائية المتعلّقة بانتهاكات الحكومة السابقة ومسؤولي قطاعها الأمني ​​محدودةً، تحديدًا عندما كانت لجان تقصي الحقائق تميل إلى تبرئة الحكومة من أيّ مخالفات أو تجاوزات، وكان يجرى إسكات أولئك الذين يعبّرون عن أي وجهات نظر مغايرة. ثالثًا، فشل مشروع القانون في استيعاب أو ذِكر أي استثناءات تتعلّق بالجرائم الخطيرة. بمعنى آخر، فإنّ إشاعة ثقافة الإفلات من العقاب بشأن بعض أخطر انتهاكات حقوق الإنسان التي شهدتها البلاد خلال الفترة الانتقالية الحديثة -مثل فض اعتصام رابعة على سبيل المثال- يُعدّ بمثابة الفشل في توفير العدالة لقطاعٍ كبيرٍ من المواطنين، وترك واحدة من أهم المسائل دون حلّ، في الوقت الذي من الطبيعي أن تكون هذه المسائل بمثابة جوهر أي جهود مصالحةٍ في المستقبل.

وبمعزل عن التزامات مصر الدستورية  بحماية المواطنين من التمييز، وتحقيق المساواة أمام القانون، وحماية حقوق الضحايا في التقاضي، فإنّه من غير الواضح في عفوٍ كهذا أن يساهم في تحقيق الاستقرار في البلاد خاصة أنه لا يعترف بالجرائم المُرتكَبة سابقًا، ولا يُوفّر للضحايا المساحة لتحقيق أي شكلٍ من أشكال العدالة. ولا شك في أنّ السلطات المصرية بوجه عام لم تعطِ أولويةً أبدًا لتحقيق العدالة للضحايا من أبناء الوطن، بدءًا من نظام حسني مبارك وصولًا إلى حكومة الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. لكن، ما يتضح من مشروع القانون الجديد هذا، هو أنّ السلطات المصرية على استعدادٍ كذلك لاستمالة مبادئ العدالة وآلياتها، وتسييسها من حيث التطبيق والتأثير، وإعادة تجميعها في إطارٍ ليست القضية فيه العدالة، وإنما تكريم أفراد القوات المسلحة.

وفي بلدٍ يتمتّع مواطنوه بحسّ وطني قوي يتسم بشعورٍ عميقٍ بالولاء لقواته المسلحة، فإنّ مشروع قانونٍ كهذا من السهل الاقتناع والترحيب به على حدّ سواء. وبينما يقوم برلمان البلاد بوضع قانون لإرساء ثقافة الإفلات من العقاب على الجرائم التي ترتكبها القوات المسلحة، تُواصل السلطات المصرية كتابة الأحداث مِن منظورها الخاص بكتب التاريخ المدرسية للأطفال؛ فضلًا عن إسكات المنظمات غير الحكومية والصحفيين والأفراد الذين يتبنّون وجهات نظر مغايرةٍ للأحداث، وإرساء ثقافة مؤسسية تتآكل معها آليات المساءلة. وبالتالي، فإنه من الطبيعي أن تصبح آمال المصالحة بين أطياف المجتمع المتصدّع في البلاد أكثر ضبابيةً، وأن تستمرّ الاضطرابات التي لم تحدث لها تسوية في التزايُد مع الشعور العميق بالظلم الذي يُعززها.

***

مي السعدني هي زميلة غير مُقيمة للتحليل القانوني والقضائي في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط. وعملت سابقًا في مركز روبرت إف. كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان ومؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وذلك من بين عدد من المؤسسات الأخرى، وغطّت أعمال الأستاذة مي السعدني المنشورة عددًا مِن القضايا القانونية والدستورية في مصر، وقضايا حقوق الإنسان في سوريا، والعنف الطائفي في الشرق الأوسط، والانقسام بين السودان وجنوب السودان، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في القانون وشهادة في مجال شؤون اللاجئين وحالات الطوارئ الإنسانية من مركز القانون في جامعة جورج تاون، وشهادة الليسانس في العلوم السياسية من جامعة ستانفورد، ويمكنك متابعتها عبر «تويتر»: @maitelsadany.