Libya's new Minister of Foreign Affairs Najla al-Manqoush (L) meets with her Tunisian counterpart Othman Jerandi, in the Libyan capital Tripoli, on March 17, 2021. (Photo by -/AFP via Getty Images)
تعليق

ماذا تعني السّياسة الخارجيّة النّسويّة لليبيا؟

.here Read this article in English 

انتشرت رسائل إيجابيّة في يونيو الماضي عبر وسائل التّواصُل الاجتماعي لدعم إعلان وزيرة الخارجيّة الليبيّة بشأن تبنِّي سياسة خارجيّة نسويّة. مِن الصّعب عمليًّا تخيّل أي محاولاتٍ تُسهِم في جعل البنية السياسيّة نسويّة، ناهيك عن تبنّي هذه السّياسة على مستوى السّياسة الخارجيّة. لكن ماذا يعني تنفيذ سياسة خارجيّة نسويّة؟ وكيف كان أداء هذه السّياسة في ليبيا؟

يُمكن تعريف السّياسة الخارجيّة النّسويّة على النّحو التّالي:

…” هي سياسة الدولة التي تُحدِّد تفاعلاتها مع الدّول الأُخرى، وكذلك الحركات والجهات الفاعلة الأخرى غير الحكوميّة، إذ تُعطي الأولويّة للسّلام والمُساواة بين الجنسين والسّلامة البيئيّة، وتحفظ حقوق الإنسان للجميع وتُعززها وتحميها، وتسعى إلى تحطيم هياكل السّلطة الاستعماريّة والعنصريّة والأبويّة الذّكوريّة، وتُخصّص مواردَ كبيرة، لاسيما لإجراء البحوث وتحقيق تلك الرُّؤية. وتتسق السياسة الخارجيّة النسويّة في نهجها عبر جميع أجهزة نفوذها، وترتكز على مُمارسة تلك القيم في الدّاخل، وتُشارك في تأسيسها النّاشطات والجماعات والحركات النّسويّة، في الدّاخل والخارج “.

منذ عام 2019، التزمت سبع دولٍ بتعزيز السّياسة الخارجيّة النّسويّة، إذ قادت السويد هذا التوجُّه عام 2014. لكن الكثير مِن المُعارضة الدّوليّة في البداية تجاه تبنّي السّويد لسياسة خارجيّة نسويّة لم تُقدِّر أهميّة هذه السّياسة واعتبرتها “في غيرمحلها” كما لو كان دمج نُصف سُكّان العالَم قضيّةً غير مُلحّة بالنّسبة إلى المُجتمع الدولي. وفي سياق تنفيذ سياسة خارجيّة نسويّة، ضمنت السّويد مُشاركة النّساء مِن مُختلف المجالات ومُنظّمات المجتمع المدني، لتخلق توازنًا بين الجنسين في الزّيارات والبعثات والحوار الخاصّ بالسياسة الخارجيّة مع البلدان الأُخرى، لاسيما البلدان التي تمرّ بمرحلة ما بعد النّزاع.

أثر هذا التوجه بشكل أساسي على الطّريقة التي يتعامَل بها مجلس الأمن التّابع إلى الأمم المتحدة الآن مع الصّراعات على أرض الواقع، إذ يجرى التّعامُل مع القرارات مُتعدّدة الأطراف مع مراعاة تعميم سياسة خارجيّة نسويّة. علاوةً على ذلك، تُرفَض اللجان المُشكَّلة مِن الذُّكور وحدهم والوفود المُكوَّنة مِن الذّكور فقط ما لم يلتزموا بمبادرة He For She. وفي عام 2020، عزَّزت بعثة الأمم المتحدة للدَّعم في ليبيا منتدى الحوار السياسي الليبي عقب قرار مجلس الأمن رقم 2510 لدعم عمليّة السّلام التي تقودها ليبيا. بدأ المنتدى في تونس واختُتم في جنيف، وقد تشكّلت حكومة انتقاليّة “حكومة الوحدة الوطنية مِن خلال هيئةٍ مُكوَّنة مِن 75 عضوًا، اختارتهم بعثة الأمم المتحدة للدّعم في ليبيا. واحتلّت النّساء 17 مقعدًا مِن إجمالي 75 مقعدًا، أي ما يُمثّل 22.6٪ فحسب.

ولم تشغل النّساء منصب وزير سوى في خمس وزاراتٍ مِن أصل 35 وزارة، وكانت على رأس هؤلاء النّساء الدكتورة نجلاء المنقوش، التي أصبحت أوَّل وزيرة للخارجيّة في ليبيا. وتسلّمت الحكومة مهامها في مارس 2021 وكان مِن المُقرّر أن تنتهي فترة ولايتها في 24 ديسمبر، وهو التّاريخ المُحدَّد لموعد الانتخابات الوطنيّة، التي لم تُجرَ قط. بعد ذلك، رفض رئيس الوزراء عبد الحميد الدّبَيْبة ترك منصبه وبناءً عليه جرى تمديد ولاية الحكومة الانتقاليّة حتى يونيو 2022.

خلال هذه المرحلة الانتقاليّة، ركّزت ليبيا على تنفيذ نتائج خارطة طريق مُنتدى الحوار السياسي الليبي، التي تشمل حماية الخطوات التي قطعتها النّساء على مدار العقد الماضي وتعزيزها. وفي جنيف، أدلى الوفد النّسائي ببيانات مُهمَّة بشأن التزامات ليبيا بقرارات مجلس الأمن الرّئيسيّة التي تُعزّز أجندة المرأة والسّلام والأمن، مثل القرارَيْن 1325 و2467، وأجندة المرأة والسَّلام والأمن على نحو أشمل. كما أعلنت نجلاء المنقوش التزام ليبيا بسياسة خارجيّة نسويّة، ما يجعلها أوّل دولة إفريقيّة تتبنّى هذه السّياسة. وفي مُنتدى جيل المساواة، صرَّحت نجلاء بأنّ “إطلاق سياسة خارجيّة نسويّة لن يُساعد ليبيا في تحقيق الاستقرار فحسب، بل سيُؤدّي أيضًا إلى استقرار منطقتنا”.

وعلى الرغم مِن ذلك، لم تشهد البلاد العديد مِن التغييرات منذ الإعلان الذي كان مِن شأنه أن يضمن مُشاركة المرأة وإدماجها على أرض الواقع بشكل كافي، بل على العكس جرت تطوّرات مُثيرة للقلق في ليبيا.

في منتصف نوفمبر، أُبلغ عن احتجاجاتٍ في العاصمة طرابلس لرفض مُذكّرة تفاهم مُوقّعة مع الأمم المتحدة بشأن أجندة المرأة والسّلام والأمن، التي تنصّ على أنّ تلتزم ليبيا باتفاقيّة الأمم المُتّحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وزعم المتظاهرون أنّ الاتفاقيّة تنتهك المبادئ والقيم الإسلاميّة.

تماشيًا مع هذا الادّعاء، نشرت العديد مِن المُؤسّسات الإعلاميّة الليبية وحسابات وسائل التواصُل الاجتماعي روايات تزعم أنَّ السياسة الخارجيّة النّسويّة واتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وأجندة المرأة والسّلام والأمن تتعارَض مع الشّريعة الإسلامية. كما أصدرت لجنة المُجتمع المدني في ليبيا أيضًا بيانًا أطلقته ضد تعميم القرار 1325، رغم أنّ هذه اللجنة هي مُؤسّسةٌ حكوميّةٌ تأسَّست عام 2011 باعتبارها منصّة لمُنظّمات المجتمع المدني في ليبيا، وقد أشركت النّساء والمجتمعات المُستضعفة منذ إنشائها.

فضلًا عن ذلك، تُثير معاملة وزيرة الخارجيّة نجلاء المنقوش القلق، وقد أظهر الدّور السياسي الذي أدّته على السّاحة الدّوليّة أهميّة التّفاوض والحوار والتّعاوُن لتحقيق علاقات أفضل مع الدّول الأُخرى، إلا أنّها واجهت تكتيكات إقصائيّة مِن المجلس الرّئاسي، مثل تعليق مهام عملها و”منعها” مِن السّفر بسبب “مُخالفات إداريّة”، إضافة إلى تعرّضها للإساءة الشّخصيّة منذ بداية تولّي منصبها.

إنّ المناخ السياسي الحالي مُقلق بالفعل، إذ أصبحت النّساء أكثر عُرْضَة للتّهميش. وقد يتفاقَم هذا الوضع أكثر بعد أن عيّن مجلس النوّاب الليبي، الذي مقرّه في شرق البلاد، فتحي باشاغا رئيسًا للوزراء بشكلٍ مُؤقَّتٍ في فبراير 2022. لذا مِن المُهمّ دراسة كيف يُمكن للسّياسة الخارجيّة النّسويّة أن تتضمَّن المُشاركة الفعّالة والمُستدامة للمرأة في صُنع القرار بشأن القضايا التي ستُؤثِّر عليها وعلى سُبل عيشها. وبالنّظر إلى تمديد مهام حكومة الوحدة الوطنيّة إلى يونيو 2022، مِن المُحتمل أن تُغيِّر الأشهر المقبلة البيئة الاجتماعيّة والسّياسية في ليبيا.

ونظرًا لأنّ حكومة الوحدة الوطنيّة هي حكومةٌ انتقاليّةٌ، فلا يُمكن بمفردها ضمان التنفيذ السّليم لأجندة السّياسة الخارجيّة النّسويّة أو أجندة المرأة والسّلام والأمن في ليبيا. ومع هذا فإن مجرد فتح باب الحديث في هذا الشأن يعد أمرا هاما. ومِن الضّروري لتحقيق السَّلام المُستدام أن تكون جميع الأطراف التي تُعاني مِن الصّراع والعنف مُمثّلة على طاولة المُفاوضات، وتُصبِح جُزءًا مِن جهود بناء السّلام، وتُشارِك في صُنع القرار على المُستويات الدّوليّة والوطنيّة ودون الوطنيّة، لاسيما النساء.

ومع ذلك، توجد فجوة تواصُلٍ خطيرة، وتُعدّ الحملات والتوعية التي يُجريها صانعو السياسات ضروريةً لتوفير معلومات دقيقة حول ما تعنيه السّياسة الخارجيّة النّسويّة، وما تعنيه أجندة المرأة والسّلام والأمن، وما يستتبعه القرار 1325، وكيف يُمكن لخطّة عمل وطنيّة مُنسّقة أن تُفيد المرأة الليبية وتنهض بها. يوجد خطابٌ مُنتشرٌ على نطاقٍ واسعٍ يستخدم الدّين والعادات والتقاليد لإقصاء المرأة مِن عمليّة صُنع القرار ما يؤثر بشكل مباشر على سُبل عيشها.

كذلك لابد أن تكون السّياسة الخارجيّة النّسويّة الناجحة إرشاديةً ومُتوافقةً مع الواقع السّياقي ويسهل فَهمها لكسب قبول الجمهور والمُؤسّسات مثل لجنة المجتمع المدني. كما يجب على كُلٍّ مِن الحكومة والمجتمع المدني ضمان التزامهما بدمج المرأة. سيوفّر تنفيذ سياسة خارجيّة نسويّة تغييرات إيجابيّة في سُبل عيش النّساء والشّباب والرّجال المُتأثّرين بالعنف والرّدع وتداعيات الحرب التي تتعدّى الحدود الإقليميّة.

إنّ تحويل السّياسة الخارجيّة الليبيّة لتُصبح أكثر نسويّة يُعدّ خطوةً إلى الأمام لتحقيق السّلام وإصلاح قطاع الأمن ونزع السّلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وهي مجالات يُسيطر عليها الذّكور تقليديًّا. ورغم أن الدبلوماسيّة والسّياسة الخارجيّة مِن المجالات التي يُسيطر عليها الرجال إلى حدّ كبير، فإن النساء اللاتي يتحمّلن العبء الأكبر مِن العواقب يشعرن بتأثير هذين المجالين. وهذا يتّفق مع تصريح كوهن بأنّ الأمن الدّولي تقوده المفاهيم الذّكوريّة السّامة المُستمَدّة مِن المجالات التي يُسيطر عليها الذّكور.