Presidents Abdel Fattah al-Sisi and Vladimir Putin during a meeting in Sochi in October 2017. (Photo by Alexei Druzhinin/TASS via Getty Images)
تعليق

ماذا وراء الشراكة الروسية المصرية؟

.here Read this article in English 

أطلقت مصر وروسيا تدريبا بحريا مشتركا في خليج الإسكندرية في التاسع من ديسمبر 2021. وقد نشرت البحرية الروسية السفينة الحربية فرقاطة “أميرال جريجوفيتش”، الدعامة الأساسية لسرب البحر الأبيض المتوسط، وهي جزء من أسطول البحر الأسود، إلى جانب سفينة مخصصة للدوريات وقارب إنقاذ. ومن جانبها ساهمت مصر بسفينة فرقاطة واحدة، طراداتين (كورفيت)، وسفينة واحدة للدعم. يأتي هذا التدريب في أعقاب توقيع وزراء دفاع البلدين برتوكولا للتعاون في أغسطس من نفس العام، ويبرز التدريب المشترك العلاقات الوطيدة بين القاهرة وموسكو. حقيقة الأمر أنه منذ استيلاء الجيش في 2013 ووصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، ازدهرت الروابط الثنائية وامتدت على الصعيد الدبلوماسي، والأمني، والدفاعي، والاقتصادي.

تمثل مصر لروسيا لاعبا محوريا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية عادت موسكو تدريجيا للمنطقة بعد توقف استمر لعقود طويلة. كما عزز التدخل الروسي في سوريا لدعم نظام الأسد منذ خريف 2015 وحتى الآن دورها كقوة فاعلة في السياسيات الداخلية. وبفضل هذه الحرب نجحت روسيا في توسيع وجودهم السياسي والدبلوماسي بالإضافة إلى تأسيس وترسيخ علاقاتها مع كل تكتلات وأطراف القوة الرئيسية، بما في ذلك إيران، تركيا، دول الخليج الملكية، وإسرائيل. وأظهرت روسيا مرونة في التعامل مع صراعات القوى في المنطقة. على سبيل المثال، فإن روسيا لديها علاقات مع إيران وخصومها في آن واحد. كما تتحدث مع إسرائيل من جهة والسلطات الفلسطينية من جهة أخرى، وتتعامل كذلك تركيا والمقاتلين الأكراد في سوريا، ومع الجزائر-شريكها الدائم- ومنافستها المغرب.

تتربع مصر بالتأكيد على قائمة أولويات روسيا الإقليمية. وقد كانت إقامة شراكة مع القاهرة مهمة سهلة نسبيا. على عكس إيران أو تركيا، تقع مصر بعيدا عن الحيز الجغرافي الذي تلى الاتحاد السوفيتي، وبالتالي ليس لديها مصالح متضاربة مع موسكو. على خلاف السعودية، لم تتورط مصر في نشر الفكر السلفي في الدول المأهولة بالمسلمين التابعة للفيدرالية الروسية. واتسمت الدبلوماسية الروسية بالمرونة إذ بنت جسورا مع كل القوى المشار إليها سابقا، وجنبت الصراعات، وركزت على المصالح المتداخلة. علاوة على المزايا الاستراتيجية والتجارية التي قدمتها لموسكو، تقوم مصر بدور الجسر بين روسيا و المملكة السعودية–الداعم الأبرز للسيسي والراعي للمليشيات المناهضة للأسد في سوريا.

على نحو مماثل ترى مصر أن روسيا شريك مرغوب فيه–أحد الأسباب هو التقارب الأيديولوجي. في أوائل عام 2010، كان الكرملين ينتقد الربيع العربي بشدة ويحذر من التهديد الذي يمثله على الاستقرار المحلي والإقليمي. كما حذرت روسيا من صعود “الإسلام السياسي الراديكالي” وهو تحد واجهته في شمال القوقاز وكذلك في محيطها في آسيا الوسطى. هذا يتوافق إلى حد كبير مع رواية نظام السيسي. على الرغم من أن موسكو تعاملت مع محمد مرسي واستقبلته في زيارة رسمية في أبريل 2013، إلا أن السيسي–الذي أطاح بمرسي–وجد دعمًا من روسيا أكبر بكثير من الغرب عقب سيطرته على السلطة في يوليو من العام نفسه. في سبتمبر 2014، أبرمت مصر وروسيا صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار لشراء طائرات مقاتلة من طراز MiG-29M2، وطائرات هليكوبتر من طراز Ka-52، وأنظمة Antey-2500 المضادة للصواريخ الباليستية. بينما قامت إدارة أوباما في الوقت نفسه بتجميد بعض عمليات نقل المعدات إلى القاهرة، وفرض الاتحاد الأوروبي حظرًا على الأسلحة. ولهذا فإن روسيا لم تساعد السيسي في مقاومة الضغط الخارجي فحسب، بل وقفت أيضًا مع جهوده لإعادة مصر لسياسات القوة في الشرق الأوسط. في أعقاب ذلك وجد الصرح الصناعي الدفاعي الروسي سوقًا رابحا. في عام 2018 على سبيل المثال، بدأت مصر في شراء 31 طائرة مقاتلة من طراز Su-35 في صفقة قيمتها 2 مليار دولارا. وأصبحت روسيا إلى جانب فرنسا شريكًا رئيسيًا للقاهرة في سعيها لتنويع العلاقات بعيدًا عن الولايات المتحدة، ما جعل السيسي يتجاهل تهديد الولايات المتحدة باللجوء لتفعيل قانون 2017 لمكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA) ضد مصر.

على صعيد الصراع القائم في ليبيا، وجدت روسيا ومصر أنهما على نفس الجبهة. كلاهما ألقى بثقله لدعم الجيش الوطني الليبي التابع لخليفة حفتر، ومجلس النواب المتمركز في شرق البلاد المفككة. في أواخر2019 وحتى أوائل 2020، تزعم الهجوم على طرابلس مرتزقة مجموعة فاغنر بقيادة رجل الأعمال التابع للكرملين يفغيني بريغوزين. منذ فشل الأخيرفي الهجوم، نأت مصر وروسيا بنفسيهما عن حفتر، وأقبلا على التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية والتي شُكلت كنتيجة للحوار الذي رعته الأمم المتحدة. ومع تطلع روسيا لتأسيس مجال نفوذ، ستظل ليبيا محورا مركزيا في التعاون الدبلوماسي بين القاهرة وموسكو.

أخيرًا، وليس آخرًا، تجمع روسيا ومصر روابط اقتصادية متينة. مع بداية 2010، استقبلت منتجعات البحر الأحمر في الغردقة وشرم الشيخ حوالي 3 ملايين سائح سنويًا من الفيدرالية الروسية–حوالي ثلث السياح الأجانب الذين يزورون مصر. ولكن الأعداد انخفضت بعد سقوط طائرة مستأجرة لنقل السياح الروس إثر تعرضها لهجوم إرهابي في 2015، ومؤخرًا بسبب تداعيات كوفيد 19. ومع ذلك، فإن أعداد السائحين بدأت تتزايد ببطء وثبات.

برزت مصر أيضا كوجهة رئيسية لصادرات روسيا المزدهرة من القمح. يأتي من الفيدرالية الروسية ما يقرب من ثلث القمح الوارد إلى مصر (التي تعتمد على واردات القمح بشكل ملّح لسد النقص لديها). وأخيرا تشترك شركة روساتوم المملوكة للدولة الروسية في مشروع بناء أول محطة للطاقة النووية في مصر بالضبعة، وذلك بموجب عقد تم توقيعه في ديسمبر 2017 وبحضور فلاديمير بوتين والسيسي.

من الممكن أن ينخدع البعض ويظن أن المرحلة الحالية هي إعادة للعلاقات الخاصة التي جمعت مصر والاتحاد السوفيتي في خضم الحرب الباردة. في الفترة من منتصف الخمسينات وحتي بداية السبعينيات، كانت مصر حقا حليف موسكو الرئيسي في الشرق الأوسط. وقد أمدها الاتحاد السوفيتي بالسلاح، والمساعدات الاقتصادية، والخبرات الفنية. ظلت مصر شديدة الأهمية بالنسبة للوجود العسكري السوفيتي في شرق المتوسط لتنافس خصمها الأمريكي حتى عام 1972، عندما قام الرئيس السادات بطرد المستشارين السوفيت.

ومع هذا فإن القياس على الحرب الباردة من الممكن أن يكون مضللا. مصر وروسيا كلاهما لا يعتبران علاقتهما على درجة من الأهمية الاستراتيجية الحيوية. بالنسبة لمصر فإن دول الخليج الملكية هم حلفاء القاهرة الرئيسيون ومصادر الدعم المالي لها. وعلى الرغم من الخلافات ورغبة الولايات المتحدة في الانسحاب من الشرق الأوسط، تبقى أمريكا على رأس أجندة مصر الدبلوماسية. ومن جانبها، ليست روسيا نسخة طبق الأصل من الاتحاد السوفيتي. لا يزال التواجد الروسي في المنطقة خارج نطاق سوريا محدودا نسبيا. كذلك ليس لدى روسيا رغبة أن تحل محل الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هذا الدور الذي يتطلب الكثير من المسؤوليات والتكاليف. لهذا فإن مصر واحدة ضمن مجموعة كبيرة من الحلفاء الذين تجمعهم علاقات بموسكو في سعيها لتحقيق مكاسب دبلوماسية واقتصادية. ما يعني أن تلك العلاقات لا تتسم بطابع مؤسسي، ولكنها مرهونة بالتفاهم الإيجابي بين القائدين “الأقوياء”.

من المتوقع أن يظل التعاون قوياً بين موسكو والقاهرة في جميع المجالات. لكن لن يكون هناك إلتزام طويل الأمد من قبل أي من الطرفين. ستبقى روسيا ومصر أصدقاء دون أن يؤدي ذلك إلى تحالف رسمي. على العكس سيستمر السيسي في تحقيق التوازن بين روسيا والقوى الغربية مثل الولايات المتحدة وفرنسا. يأتي هذا الاتجاه كخيار طبيعي في ظل شرق أوسط جديد يتسم بحضور أمريكي متضائل. وعلى غرار باقي الفاعلين في المنطقة، ستعمل مصر على تحقيق التوازن بين مراكز القوى المختلفة من أجل انتزاع مزايا سياسية ودبلوماسية، وضمان استقرار النظام الداخلي.

ديميتار بيتشيف محاضر في كلية أكسفورد للدراسات الدولية والإقليمية بجامعة أكسفورد، وباحث زائر في مركز كارنيجي بأوروبا.