مثلث ماسبيرو مِن المُشاركة المجتمعية إلى الإخلاء القسري

07/25/2018 . By Omnia Khalil

تم ترجمة هذا المقال من اللغة الإنجليزية. لقراءة النسخة الأصلية اضغط هنا.

***

في صباح أحد أيّام شهر رمضان في سبتمبر 2008، انهارت كتلة صخرية ضخمة مِن أعلى جبل المقطم على منطقة الدويقة في القاهرة، مما أسفر عن موت أكثر من 130 شخصًا تحت الأنقاض. كان الدمار كبيرًا لدرجة لم تتمكّن معها الحكومة انتشال جميع الجثث لدفنها، وعليه قرّرت الحكومة على الفور إنشاء هيئة لمواجهة أزمة «العشوائيات» في مصر وكل ما يتعلّق بهذا الملف، ممثّلةً في «صندوق تطوير المناطق العشوائية» الذي بدأ العمل به في أواخر عام 2008، ولَم تكن خطة الصندوق واضحة بعد. وتبعا ما حدّده برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة) من معايير دولية، صنّف صندوق تطوير المناطق العشوائية أكثر من 400 منطقة على أنها غير آمنة، بناء على 4 مستويات من المخاطر: مواقع قريبة من مجاري السيول، وظروف مسكن غير ملائمة، ومخاطر تهدّد الصحة العامة في المنطقة، وعدم ضمان الحيازة وافتقاد حائزي العقارات في تلك المناطق إلى حرية التصرّف في ممتلكاتهم. وكان مِن بين هذه المناطق منطقة «مثلث ماسبيرو» والتي تقع في جنوب حي بولاق أبو العلا، باعتبارها حيازة غير مستقرة وهو ليس بالصحيح نتيجة للملكيات الخاصة للأراضي.

بعد عشر سنوات مِن «كارثة الدويقة»، أصبحت منطقة «مثلث ماسبيرو» مصدرًا للتوتر بين السكان والمسؤولين في الحكومة الذين يطالبونهم بإخلاء الحي حتى يمكن تطويره، لكنهم يتخلّون عن وعودهم بمشاركة المجتمع المحلي في خطط التطوير. وفي الوقت الذي تُصوّر فيه وسائل الإعلام المصرية هذه العملية على أنها مبنية على المشاركة، تكشف المقابلات التي أجريت مع السكان وممثّلي المجتمع منذ عام 2015 الحقيقة الخفيّة: على مدى العقد الماضي، أصبح الأمر يبدو واضحًا أنه إخلاء قسري بهدف تجديد حي «مثلث ماسبيرو» القديم وتطويره.

تستخدم الحكومة المصرية مصطلح «تطوير العشوائيات» لتصف جهودها في نقل السكان إلى مناطق أخرى، وهي الجهود التي تشمل أحيانًا الإخلاء القسري واستخدام قوات الأمن لإجلاء الأسر. بيد أن مصطلح «التطوير» لا يصف بدقة هذه الجهود، إذ تعتمد المناهج الإنمائية والتطويرية الحديثة على عدة مراحل، تبدأ بالتحدّث مع الأهالي أو السكان، أو بعبارة أخرى، التخطيط العمراني القائم على المشاركة المجتمعية بين السكان وفريق عمل متخصص والجهات المسئولة من الدولة. وتتطلّب هذه الطريقة قدرًا كبيرًا من الوقت فضلًا عن منهجية إثنوغرافية مُكثّفة لفهم ثقافة المجتمع المحلي، إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعمرانية. ثم تتضمّن بعد ذلك مرحلة التصميم القائم على المشاركة التي يعمل فيها المخطّطون مع السكان لتصميم نماذج تصوّر المنطقة التي يمكن الاستعانة بها للتطوير. لا يمكن أن تحدث هذه العملية دون شفافية من كل الأطراف، لا سيما من جانب الحكومة، حتى يُمكن بناء الثقة وإقامة سُبل التعاون. وتضمن طريقة التخطيط هذه على الأرجح الاستقرار والأمن على المدى البعيد، لأنها تنطوي على مشاركة المجتمع في عمليات صنع القرار. وفي حالة «مثلث ماسبيرو»، بدأ المخططون العمرانيون للمشروع بالعمل مع السكان، متبعين مبادئ التخطيط والتصميم الحضري القائم على المشاركة، لكن الحكومة غيّرت مسارها، مفضّلة اتخاذ مسار تقليدي معهود لعملية تجديد الأحياء القديمة وتطويرها.

«تاريخ تطوير منطقة «مثلث ماسبيرو

تُعدّ منطقة «مثلث ماسبيرو» حيًّا تاريخيًّا يقع بين شارع الجلاء وشارع 26 يوليو ويطلّ على نهر النيل. ويقع في الحي الذي تبلغ مساحته 84 فدانًا مبنيان حكوميان مهمّان، هما مقر اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري ووزارة الخارجية، فضلًا عن القنصلية الإيطالية، بخلاف عدد من المناطق السكنية الأخرى والفنادق. ويعود تاريخ بعض المناطق إلى القرن الخامس عشر في عصر المماليك، بينما بنيت بقية المناطق الأخرى في القرن التاسع عشر. ومع ذلك، تضرّرت غالبية هذه المناطق التراثية من الزلزال الذي ضرب البلاد عام 1992. واحتاجت العديد من المنازل إلى الصيانة والترميم حتى تُصبح آمنة وصالحة للسكن، لكن الحكومة رفضت منح تراخيص الترميم إلى المالكين والمستأجرين. وفي عام 1997، أصبحت محافظة القاهرة مهتمة بشراء بعض المنازل، كما بدأت شركة «ماسبيرو للتنمية العمرانية»، وهي شركة تأسّست في العام نفسه، في شراء المنازل بدورها.

لم يتغيّر الوضع كثيرًا حتى عام 2008، عندما بدأت محافظة القاهرة تُعلن عن تهجير العديد من الأسر بسبب الظروف السكنية غير الآمنة. ازداد تهجير السكان خلال هذا العام، ونُقل السكان إلى مشاريع سكنية في النهضة والسلام في الجزء الشمالي الشرقي من القاهرة الكبرى. وفي العام ذاته، أسّس الشباب الذين يعيشون في منطقة مثلث ماسبيرو «رابطة شباب ماسبيرو» لحشد السكان ضد عملية التهجير وهدم المنطقة ضمن ما اعتبروه بمثابة تجديد الحي القديم وتطويره. وفي عام 2008، بدأ الجمهور بالتعرّف على مشروع القاهرة 2050، الذي أعلنه بعض الشخصيات الحكومية بشكل غير رسمي في وسائل الإعلام. ثمّ تسرّبت وثيقة المشروع آنذاك، إذ شملت خططًا خاصة في منطقة «مثلث ماسبيرو» لتصبح جزءًا من مركز للسياحة والترفيه والتطوير. وقرّرت «رابطة شباب ماسبيرو» التحرّك وتعاونت مع مجموعة تصميم معماري لوضع تصوّر لتطوير المنطقة وتجديدها دون هدم منطقة الفقراء العشوائية التراثية. بعد ذلك بعامين، عُرضت هذه الخُطة على الهيئة العامة للتخطيط العمراني التابعة إلى وزارة الإسكان، إلا أنّ الرؤية لم تُنفّذ على الإطلاق.

نَشطت «رابطة شباب ماسبيرو» مرة أخرى بعد انهيار عقارين في حارة «عثمان رشدان علي» في ديسمبر 2011، وهو ما أسفر عن موت 11 شخصًا. ونظّمت الرابطة تظاهرة احتجاجًا ضد محافظة القاهرة التي رفضت إعطاء السكان تصاريح ترميم للعقارات الآيلة للسقوط. ورغم أن هذه التظاهرة نتج عنها عقد اجتماع بين السكان ومحافظ القاهرة، فإن هذه الاجتماعات لم تحقق أي نتائج، كما أعلن المحافظ في ما بعدُ عن خُطة شملت بناء 64 برجًا سكنيًّا ونقل الأهالي إلى مناطق أخرى، لذا قام الأهالي بقطع الطرق ورسم الكتابات والشعارات على الجدران، رافضين مغادرة الحي الذي يسكنون فيه.

محاولات مشاركة المجتمع المحلي

في العام نفسه، تطوّع فريق مِن المركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي لتقديم الدعم القانوني لسكان منطقة “مثلث ماسبيرو”، وأجرى المركز دراسات اجتماعية وقانونية للمنطقة لعرضها على المسؤولين، وأضاف عنصرًا يتعلّق برؤية التصميم الحضري إلى هذه الدراسات. وافقت “مد” (Madd Platform)، التي تتكون من مجموعة مُستقلّة من الباحثين والمخططين في مجال العمارة والتصميم العمراني، على تحمّل مسؤولية هذا العنصر. بدأ فريق العمل الميداني في يوليو 2013، وخلال عام واحد، قدّم رؤية شاملة مبنية على الطرق القائمة على المشاركة تتعلّق بكيفية تطوير “مثلث ماسبيرو” تتضمن إعادة تقسيم الملكيات ما بين أصحابها وهم الشركة السعودي والشركة الكويتية وشركة ماسبيرو والأهالي.

في يونيو من العام التالي، عَرض كلّ من المركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي و«مد» النتائج على «رابطة شباب ماسبيرو»، مؤكدين على دَعم الفرق لحقوق السكان والأهالي في البقاء دون تهجير. وبعد شهر، التقى «باهر شوقي»، أحد مؤسسي المركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي، «ليلى إسكندر» وزيرة الدولة للتطوير الحضري والعشوائيات، وهي الوزارة التي أنشئت حديثًا آنذاك في يونيو ٢٠١٤. ونظرًا لخلفيتها عن المنظمات الشعبية، أعطت «إسكندر» الأولوية للمشروع وزيارة المنطقة والاستماع إلى السكان، والتأكد من أنّ فريق «مد» يعمل معهم بطريقة تعاونية. ثمّ بدأت سلسلة من الاجتماعات مع ممثلين من «رابطة شباب ماسبيرو» و«مد» و”المركز المصري للإصلاح المدني والتشريعي». واقترح فريق «مد» بشكل أساسي إعادة تقسيم “مثلث ماسبيرو« إلى مناطق للسماح لكلّ مالك بملكية مشتركة في منطقة معينة، مع تجميع الأهالي على مساحة 12 فدانًا تكون مبنى سكنيًّا يُمكن للسكان الحاليين الانتقال إليه. وافق كلّ من المالكين والسكان على الاقتراح وكان ذلك إنجازًا كبيرًا. وواصلت «منصة مد» العمل مع الأسر والوزارة لمسح المنطقة ومعرفة عدد الأسر التي تريد المغادرة، والأسر الأخرى التي ترغب في تعويضات، وكذلك الأسر التي تريد البقاء. اختارت الأغلبية البقاء والانتقال إلى المباني السكنية المقترحة، وأعدّت «منصة مد» الشروط المرجعية ووصفًا مُفصّلًا لتقسيم المناطق لتقديمها إلى الوزارة لبَدء مناقصة معمارية عامة. وبعد بضعة أشهر، فازت شركة الهندسة المعمارية البريطانية المبتكرة » فوستر وشركاه» (Foster + Partners) بالمناقصة، وتضمّنت اللجنة التوجيهية للمشروع أعضاء » رابطة شباب ماسبيرو».

لكن في يونيو 2016، أدّت التغييرات الوزارية في الحكومة إلى انتقال المشاركة المجتمعية للمشروع، ثم القيام بإنهائها في نهاية المطاف بعد ذلك. وأغلقت وزارة «إسكندر» أبوابها، ولم تعد لديها السلطة للقاء الأسر والاستماع إلى الشكاوى. ونُقل المشروع إلى وزارة الإسكان والمرافق وتولت مسؤوليته محافظة القاهرة وفريق من صندوق تطوير المناطق العشوائية تحت إشراف الوزارة التي غيَّرت جميع القيم الإيجارية للوحدات السكنية الجديدة التي يجب أن تكون متاحة للأهالي، وبدأت تتغيّر وعود الحكومة. تراوحت القيم الأصلية للوحدات السكنية تبعا لرغبات السكان ما بين 165 و800 جنيه مصري، في حين تراوحت القيم الجديدة بين 1400 جنيه و2050 جنيهًا مصريًّا. ولم يستطِع السكان تحمّل هذه الإيجارات، وهو ما دفع الأغلبية إلى اختيار التعويض المادي أو الانتقال إلى مشروع سكني آخر يقع على بُعد ساعة على الأقل بالسيارة مِن حيّهم، بدلًا من انتظار مستقبل مبهم وغير معلوم.

الإخلاء القسري

سعى السكان إلى ضمان التعويض المادي لغياب الثقة في الحكومة، واعتقادهم بأنهم تجاهلوا مطالبهم. وبعد صيف 2017، فات الأوان لتغيير قراراتهم بشأن أوضاعهم المعيشية، بعد أن بدأت الحكومة بنقل المستأجرين إلى مشروع الأسمرات في حي المقطم. وفي أكتوبر من نفس العام، بدأت الحكومة بتعويض الأسر وإصدار شيكات لهم. طُلب من العائلات التي تُغادر المنطقة أن تخلع نافذة كدليل مادي على أنها لن تعود، وفي الوقت نفسه، خفضت الحكومة مبلغ التعويض لأصحاب المحلات.

شعر أعضاء “رابطة شباب ماسبيرو” بالخيانة من الأسر التي غيّرت قراراتها بشأن البقاء، على الرغم من أنهم أدركوا عدم قدرة أي فرد على تحمّل قيمة الإيجار الجديدة، وكذلك من الحكومة التي توقّفت عن إشراكهم وبدأت في المضي قدمًا في المشروع وفقًا إلى شروطها الخاصة، مهددةً العائلات بالإخلاء القسري إذا رفضوا شروطها. وفي فبراير 2018، ذَكَرَت التقارير أن 3200 أسرة من أصل نحو 4500 أسرة غادرت المنطقة، في حين كان على 850 أسرة أن تقرّر البقاء (يرغبون في العودة بعد إنهاء التطوير)، في الوقت الذي لم تحسم 170 أسرة أخرى أمر البديل الذي يريدونه، بالإضافة إلى 300 أسرة لم تتقاضَ تعويضاتها المادية حتى الآن. منحت المحافظة الأسر مُهلة أسبوعًا ليغادروا، قبل أن تبدأ اللجنة الهندسية في هدم المنازل. وفي نهاية شهر أبريل بدأت الحكومة في هدم المنازل، ونشر السكان صور الهدم على مجموعة “فيسبوك” الخاصة بهم، وأعربوا عن حزنهم وشكوكهم بشأن ما إذا كانوا سيتمكنون من العودة مرة أخرى.

كان مشروع «مثلث ماسبيرو» الذي قاده المجتمع المحلي هو الأوّل مِن نوعه في مصر المعاصرة، ونموذجًا غير مسبوق اتّبعته الحكومة. وانتظر نشطاء مدنيون، بما فيهم أنا شخصيًّا، لمدة عامين لمراقبة كيفية تنفيذه. وكنّا متشككين في أنّ الحكومة ستتبع استراتيجياتها القديمة في عمليات الإخلاء القسري ونقل السكان إلى مناطق أخرى. ونفّذت الحكومة مشروع «الأسمرات» لنقل سكان العشوائيات في القاهرة إلى مكان واحد. توضّح هذه التطورات أن خُطة «مثلث ماسبيرو» كانت مجرد مشروع آخر يهدف إلى تجديد الحي القديم وتطويره. فبدلًا مِن استخدام البلدوزر في هدم المنازل والأسر بداخلها، كما حدث في جزيرة الوراق وأدى إلى العنف، لعبت الحكومة لعبة جديدة، بالترويج للمشروع على أساس المشاركة، ثم غيّرت الشروط لإجبار الأسر على اختيار المغادرة.

يَطرح التاريخ المعقد لمنطقة «مثلث ماسبيرو» أسئلة صعبة أمام السكان والحكومة وأصحاب المصلحة الآخرين، وهو ما تترتّب عليه تداعيات كبيرة على صعيد السياسات. وتتضمّن تلك التبعات والتداعيات الأثر المُحتمَل للتراجُع عن جهود المشاركة في المحاولات المستقبلية للتخطيط والتنمية الحضرية الشاملة، فضلًا عن احتمال مقاومة السكان لمحاولات التطوير ورفض التعاون مع الخطط الحكومية. ورغم أن الإجابات عن مثل هذه الأسئلة ليست واضحة فإنّ حالتَي «الوراق» و«ماسبيرو» تشيران إلى أن هذه القضايا متعددة الأوجه ولا يمكن أن تعالجها الحكومة بمفردها وتتطلب مشاركة جميع أصحاب المصلحة، والقيام بخلاف ذلك يُهدّد بتنفيذ خطط غير مستدامة وخلق حالات صراع ممتد.

***

أمنية خليل، باحثة عمرانية تعمل في مجال العمران والمدينة منذ عام ٢٠٠٦. حاليا شريكة مؤسسة في شركة ١٠ طوبة، وطالبة دكتوراه في قسم الانثروبولوجي بجامعة سيتي في  City University of New York, the graduate center نيويورك.