Protest at Egyptian Embassy, Washington, DC // Ted Eytan
عربى

مصر وطن يعيش فينا…ولا نستطيع العيش فيه: تنظيم وناشطية المصريين من المنفي

في يونيو الماضي حلت الذكرى الأولى لرحيل الناشطة الكويرية سارة حجازي في منفاها في كندا. شهدت الأيام التي تلت وفاتها العديد من الوقفات في عواصم ومدن بكل من أمريكا وكندا وأوروبا، بل وعواصم عربية أيضا حيث شهدت العاصمة تونس وقفة أمام السفارة المصرية نددت بقمع السلطات المصرية لسارة التي أجبرها على الرحيل من مصر. أما الأصدقاء و المحبين والمدافعين عن حقوق الإنسان من داخل مصر فقد لجأوا إلى فضاء الانترنت لتأبين ذكراها، حيث أصبح من درب المستحيل تنظيم وقفات احتجاجية في القاهرة والتي أصبحت منذ يونيو 2014 رسميا تحت قبضة نظام السيسي الحديدية.  تلك  القبضة التي أحكمت سيطرتها على المجال العام واتسعت فيها دائرة القمع إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي دفع العديد من المصريين إلى الرحيل، ومع خروجهم حاول البعض منهم مواصلة الاشتباك مع الواقع السياسي المصري ولكن هذه المرة من المنفى.

لعب المصريون في الخارج دورا واسعا في تنظيم تلك الفعاليات الخاصة بسارة حجازي، ولكن تلك الفعاليات لم تكن استثناءا يخص قضية سارة رغم أنها الحالة الأبرز. في خريف عام 2021، تظاهر العديد من المصريين المعارضين في مدينة جلاسكو الاسكتلندية احتجاجا على مشاركة الرئيس السيسي في قمة المناخ. وقبل رحيل سارة بأربعة أشهر أثار اعتقال طالب الماجستير باتريك جورج زكي حملة تضامن واسعة حيث شهدت العديد من العواصم الأوروبية وقفات احتجاجية. تكرر الأمر نفسه مع طالب الماجستير المحكوم عليه حكم نهائي بالسجن اربعة أعوام أحمد  سمير سنطاوي، والناشط رامي شعث وآخرين.

تطرح تلك الفعاليات التساؤلات التالية:  كيف أصبحت العواصم الخارجية أكثر تفاعلاً مع أحداث المصريين من عاصمتهم؟ هل يمكن ربط صعود وتطور ذلك النوع من الفعاليات بالزيادة الملحوظة لخروج النشطاء من مصر منذ 2013 حتى الآن؟ مَنْ غادر مصر بعد 2013 ولماذا غادروا وإلى أين ذهبوا؟ كيف تفاعلوا مع الواقع المصري؟ وما هي أبرز أشكال الناشطية والتنظيم من المنفى التي تفاعلوا من خلالها مع ذلك الواقع؟ وما هي أهم التحديات التي تواجه ناشطية الخارج؟ يحاول المقال الإجابة على تلك التساؤلات.

موجز تاريخي للمنفى المصري ما بعد يوليو 1952 

مع وصول عبد الناصر إلى السلطة واستقرار حكمه شهدت مصر خروج ثلاثة أطراف رئيسية  كان على رأسهم اليهود المصريين، كذلك بعض أفراد الإخوان المسلمين وبعض المفكرين والمثقفين الشيوعيين. مع وصول السادات إلى السلطة شهدت مصر بداية هجرة الأقباط كذلك بداية ناشطيتهم من المهجر. كانت تلك الهجرة مدفوعة بالسياسات الطائفية التي انتهجها نظام السادات وتصاعد الخطاب والعنف الطائفي. كما تسببت سياسات التحرير الاقتصادي واتفاقيات السلام مع إسرائيل في دخول السادات في مواجهة مع التيارات الشيوعية والناصرية فرحل العديد منهم للخارج.

لم يشهد عصر مبارك خروج مجموعات كبيرة من تيار أو فصيل بعينه، بل علي العكس شهد في البداية عودة العديد من المثقفين اليساريين والناصريين ليتولوا العديد من المناصب الحكومية في الصحافة والإعلام. ورغم خوض مبارك صراع مع الحركة الاسلامية المسلحة وغير المسلحة إلا أن ذلك لم ينعكس في خروج أعداد كبيرة منهم، وكان خروج معظمهم بشكل مؤقت لبلدان الخليج.

 خاض مبارك صراعاً مع الحركة الحقوقية المصرية الوليدة في نهاية الثمانينات والتسعينات. وفي عام 2000 وجهت نيابة أمن الدولة إلي الحقوقي حافظ أبوسعدة تهم بتلقي تمويل أجنبي من الخارج، ولكنه كان موجودا في فرنسا وقيل أنه كان يسعى إلى التقديم على لجوء سياسي. أزعج ذلك نظام مبارك وطبيعة الصورة التي يسعى إلى تصديرها للخارج. كان هناك أيضا تخوفا من أن يكون ذلك الخروج بداية لأنشطة حقوقية من خارج مصر، فأرسل مبارك اثنين من كبار رجاله وقتها زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية  وكمال الشاذلي وزير مجلسي الشعب والشوري كي يقنعوه بالعودة. وبعد عودته لم يخضع للمحاكمة ولكن لم تسقط التهم عنه.كانت حادثة أبوسعده تعبيرعن وضع العمل الحقوقي في عهد مبارك حيث ظلت المؤسسات الحقوقية تعمل من مصر، ولكن تحت حصار أمني.

 كان الاستثناء الوحيد في عصر مبارك هو استمرار خروج الاقباط بالرغم من تحسن العلاقة بين الرئاسة والكنيسة، حيث قام مبارك بإلغاء قرار الرئيس السادات الخاص بعزل وتحديد إقامة البابا شنودة وإعادته على رأس الكنيسة القبطية مرة أخرى، إلا أن أحداث العنف الطائفي ضد الأقباط  لم تتوقف في عهد مبارك.

وجدت الحركات السياسية الصاعدة في نهاية عهد مبارك 6 أبريل والجمعية الوطنية للتغيير جمهور لها من المصريين في الخارج، وتشكلت مجموعات تابعة لهم في بعض العواصم الأوروبية والولايات المتحدة، وتركز دورهم على جمع التوقيعات للحملة التي أطلقها الدكتور البرادعي في 2010 للإصلاح السياسي. كما تم تنظيم بعض التظاهرات المحدودة في الخارج إلي قيام الثورة في 2011 حيث قادت تلك المجموعات المصريين في الخارج للاحتجاج أمام السفارات المصرية.

أما الفترة من 2011 إلى 2013 فقد شهدت ثلاث موجات من الخروج. ارتبطت الأولى بخروج العديد من قيادات نظام مبارك بعد التنحي، ثم كانت الموجة الثانية بخروج أكثر كثافة من الأقباط والتي ارتبطت بتصاعد أحداث العنف الطائفي ضد الأقباط، وحصول الإخوان والسلفيين علي نسبة كبيرة في برلمان 2012، ووصول الرئيس السابق محمد مرسي إلى السلطة، ما  ساهم في زيادة وتيرة خروج الأقباط من مصر. ثم جاءت الموجة الثالثة من الخروج والتي بدأت مع عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو 2013، و اشتعال المواجهة بين الدولة والإسلاميين وفي القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي قاد إلى فض اعتصامي رابعة والنهضة، واعتقال العديد من قيادات وأفراد الإخوان والمتعاطفين معهم. ومع وصول الرئيس السيسي إلى السلطة اتسعت دوائر قمع النظام لتشمل نشطاء الأحزاب السياسية الليبرالية واليسارية المعارضة، ونشطاء المجتمع المدني، لتشهد مصر واحدة من أوسع موجات الهجرة في تاريخها الحديث.

يظل أهم ما يميز تلك الموجة من الخروج للمصريين عدة أمور، على رأسها الأعداد غير المسبوقة في تاريخ المنفى المصري، ثانيا التنوع في شكله الأيديولوجي والمهني لمن تركوا مصر بين إسلاميين معظمهم من الإخوان المسلمين و محسوبين على تيارات ليبرالية، نشطاء سياسيين، وحقوقيين، وفنانين، وأدباء، وأكاديميين، وصحفيين، ومحامين.  كذلك التنوع العمري والاجتماعي، حيث شهدت موجات الخروج أعمار متنوعة وطبقات وخلفيات اجتماعية مختلفة. ثالثا وهو الأهم ارتبطت تلك الموجة من الهجرة بظهور أشكال متعددة من النشاط السياسي للمصريين في المنفى، تحاول الاشتباك مع الواقع السلطوي في مصر، وتعتمد على أدوات متعددة بغية الوصول إلى ذلك الهدف.

لماذا اختار المصريون المنفي أفراد ومؤسسات بعد 2013

أسباب عديدة دفعت المصريين للمنفى، على رأسها بالقطع البحث عن ” الأمان الشخصي والهروب من الاعتقال و ملاحقات الأمن”، حيث استطاع البعض الخروج من مصر عقب ورود أسمائهم كمتهمين على ذمة قضايا، أو إدراج أسمائهم على قوائم الإرهاب. كما رحل آخرون بعد مرورهم بتجربة اعتقال سواء انتهت بقضائهم المدة أو انتهت بالإفراج علي ذمة التحقيقات، أو حصولهم علي براءة، وذلك تخوفا من ظاهرة تكرار القبض على معتقلين سابقين. كما رحل آخرون بعد استدعائهم من قبل جهاز الأمن الوطني للتحقيق أو التهديد وحثهم على التعاون مع الأجهزة، فيما رحل البعض بعد التهديد الأمني الذي وصل لهم بطرق غير مباشرة عن طريق الإعلام مثل الحقوقي  بهي الدين حسن والذي تلقى تهديدات بالقتل من قبل مقدم برنامج تلفزيوني مصري. فيما اختارت العديد من الأسر الرحيل بعد اعتقال ذويهم، أو سافروا للحاق بذويهم في الخارج هربا من الملاحقة الأمنية التي يتعرض لها أحيانا أسر المعتقلين أو النشطاء في الخارج. كان خروج معظم هؤلاء بدون خطة واضحة وأحيانا بطرق غير رسمية، فكان نصيب السودان (عمر البشير) وقطر وتركيا وماليزيا وبعض بلدان أفريقيا النصيب الأكبر من تلك الموجة من الهجرة.

مع تفاقم القمع الأمني وإحكام النظام قبضته على الجامعات، والإعلام والصحافة والإنتاج الفني، ومحاصرة المنظمات الحقوقية والعديد من العاملين بها عبر القضية 173  لسنة 2011 وغيرها،  إلى جانب تضاؤل فرص التغيير عبر العمل الحزبي والسياسي وتعرض العديد من نشطاء القوي المدنية الحقوقيين والصحفيين والأكاديميين للاعتقال قام العديد من النشطاء السياسيين والعاملين في تلك المجالات بالرحيل  مدفوعين بالطبع بالتخوف من البطش الأمني، وبأسباب مهنية، حيث لم يعد المناخ في مصر يتيح لهم القيام بوظائفهم كما ينبغي. مع تلقي العديد منهم فرص واعدة للعمل أو الدراسة في الخارج استطاعوا مواصلة عملهم الاكاديمي أو الحقوقي أو الصحفي أو الفني من الخارج.  فإلى جانب تركيا وقطر، كانت وجهة الكثير منهم تونس وأوروبا خصوصا ألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة وكندا، ومن هناك شرع بعضهم في تأسيس المنظمات التي ولدت بالكامل في الخارج.

كان الخروج أيضا قرار الكثير من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، والذي جاء عقب  إصدار وزارة التضامن الاجتماعي في يوليو 2014  تحذيرها لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مصر بضرورة توفيق أوضاعها وفقا لقانون 2002 في موعد لا يتجاوز نوفمبر وإلا واجهت عقوبات بالحبس والغلق، والذي جاء متبوعا بتعديل المادة 78 من قانون العقوبات الخاصة بتجريم الحصول على تمويل أجنبي لتصل العقوبة إلى المؤبد.  كانت أبرز المؤسسات التي تركت مصر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الذي غادر بعد أكثر من عشرين سنة عمل من القاهرة. ومع تصعيد النظام لاحقا هجماته ضد الحقوقيين واعتقال العديد منهم، قررت العديد من المنظمات الإبقاء على مكاتبها أو بعض موظفيها في مصر مع مغادرة بعض الموظفين الآخرين الأكثر عرضة للخطر بسبب شغلهم مناصب تتعلق بالمناصرة أو التمويل أو تمثيل المؤسسة إعلاميا، وهكذا أصبح اللجوء للمنفى بشكل كلي أو جزئي أحد استراتيجيات المنظمات الحقوقية لمواصلة عملها، والقيام بكافة الأدوار التي تطمح إليها.

رحل العديد من المصريين للخارج للعمل أو الدراسة بشكل تقليدي ولم يكن في حسبانهم أنهم لن يستطيعوا العودة. ولكن مع تكرار حالات الاعتقال التي طالت طلبة ماجستير ودكتوراة ونشطاء في أحزاب سياسية وصحفيين بمجرد عودتهم إلى مصر، الأمر الذي جعل من مطار القاهرة مصيدة للقادمين من الخارج، أضحي جمهور واسع من المصريين في الخارج يعيش وتملئه الشكوك تجاه تجربة العودة الى مصر، بقدر اقتناعهم أنهم بعيدين منذ سنوات عن ممارسة أي شكل من الاشتباك مع الواقع السياسي المصري، بقدر تخوفهم من عشوائية الاعتقالات واتساعها في دوائر مختلفة، وطابعها الانتقامي من نشطاء سابقين. يشير أحد هؤلاء “خرجت من المطار بشكل قانوني للدراسة، طوال حياتي في مصر لم يتم توقيفي لأي سبب، ولكنني اليوم  ومع متابعة تطورات الاعتقالات متخوف من العودة ولن أخاطر بها.” ما يميز تجربة المنفى المصري عن غيرها أن معظم من خرجوا كان لديهم شعور بالعودة القريبة، وأن كثير منهم ما يمنعهم عن تلك العودة هي تلك الشكوك المرتبطة باحتمالية تعرضهم للاعتقال، والتي قد تكون موجودة وقد لا تكون. هكذا استطاع النظام السلطوي في مصر عبر توسيع دائرة القمع في الداخل، واستهداف العائدين من الخارج، تحويل غربة العديد من المصريين إلي منفي إجباري.

أشكال الناشطية من المنفى

خرج المصريون الي المنفي وقد تركوا عائلات وأصدقاء بعضهم موجود في السجن وبعضهم يعيش تحت وطأة نظام سلطوي، تركوا أيضا حلم قديم نحو التغيير والحصول على وطن أفضل، إذ أن الحلم الرئيسي لقطاع عريض منهم لا يزال هو العودة الى مصر، ولكن مصر التي  يستطيعون العيش فيها بأمان وحرية وديمقراطية كما يتصورون، كما تركوا مسار وظيفي أمضوا فيه سنوات عديدة وخبرة تخص الواقع المصري، دفعت تلك الأسباب عدد من المصريين في الخارج إلى ممارسة أشكال متعددة من الناشطية من المنفى.

تستهدف تلك الناشطية من المنفي على المدى القصير- كما يرى معظم القائمين عليها- إحداث انفراجة في أوضاع الحقوق والحريات في مصر عبر خروج المعتقلين السياسيين، وتغيير العديد من التشريعات السلطوية، وتوفير بيئة تسمح للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والصحافة المستقلة باستكمال عملها من الداخل. أما الهدف الاستراتيجي كما يري البعض من وراء ناشطية المنفي فهو أن تسهم مع الضغوط الموجودة بالداخل في إجبار النظام الحاكم على التفاوض مع قوى المعارضة المصرية في الداخل والخارج من أجل إدارة انتقال سياسي ناجح يتفادى الأخطاء التي وقعت في المسار السياسي ما بعد 2011، ويوفر الضمانات اللازمة لتطبيق عدالة انتقالية ناجحة وفعالة في المستقبل، وفي سبيل تحقيق ذلك يطور المصريون في الخارج أشكال متنوعة من الناشطية سنناقش أشكالها المختلفة بالتفصيل.

 تتأثر ناشطية المنفي  بعدة عوامل، على رأسها التحولات السلطوية في الداخل المصري وتوسعها الغير مسبوق وقدرتها على الهيمنة على المجال العام و محاصرة المجتمع المدني والقضاء على العديد من أشكال ناشطية الداخل، الأمر الذي فرض على المنفي المصري القيام بتلك الأدوار وتطويرها بما يتناسب مع وضع النظام السلطوي في مصر الآخذ في التطور كذلك إحتياجات الناشطين في الداخل. العامل الثاني هو البلد المستضيف وطبيعة نظامه السياسي و الفرص السياسية المتاحة على أرضه وطبيعة علاقته مع مصر و وتطورها في ظل سياق إقليمي ودولي أوسع. أما العامل الثالث فهو طبيعة المهارات المهنية التي يمتلكها الناشطون وشبكة العلاقات التي يتواجدون فيها بالإضافة إلى وضعهم في البلد المستضيف وحجم التطورالذي صاحب مهاراتهم المهنية وشبكة علاقاتهم سواء عن طريق العمل أو الدراسة من المنفى.

إنتاج المعرفة

منذ  توليه السلطة حرص نظام السيسي على إحكام هيمنته على كافة أشكال إنتاج المعرفة عن مصر وتجريم أي شكل لا يستطيع الهيمنة عليه أو أي شكل يمثل تهديدا لرواية السلطة عن واقع الأحداث في مصر، وهو ما عبرعنه ضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات (الجهازالحكومي الذي أصبح الواجهة المدنية لدورالأجهزة الأمنية في متابعة عمل الصحفيين الأجانب) ” هناك ثلاث جهات تأتينا منها الضربات، الإعلام، منظمات حقوق الانسان، بعض مراكز البحوث، الدول الرسمية أنا مش خايف منها، لكن الثلاثة دول بيأثروا على المواقف الرسمية وممكن يهزوها في أي لحظة. تدرك السلطة خطورة الفاعلين الثلاث، كما يدرك الفاعلين الثلاث خطورة تحول مصر إلى غرفة مظلمة يحكمها صوت وحيد هو صوت النظام.

لذلك اختار العديد من العاملين في تلك المجالات المنفى والذي وجدوا فيه ملاذا وفضاءا يقدر الاحترافية ومساحة أوسع من التأثير عبر مخاطبة جمهور أوسع، لكي تستكمل الأطراف الثلاثة عملها المهني بالإضافة لباقي أشكال الإبداع الأدبي والفني، ومن المنفى يستكملون صراعهم مع النظام حول  ما يحدث في مصر ويتحدون روايته عبر تقديم رواية بديلة، فكان انتقال جانب كبير من إنتاج المعرفة عن مصر ليكون من الخارج تعبيرا عن التحديات التي تواجه إنتاج المعرفة من الداخل، كذلك عن طبيعة من تركوا مصر وما يمتلكون من مهارات وظيفية يتعلق معظمها بإنتاج المعرفة، وعن رغبتهم في توظيف مهاراتهم الوظيفية في مقاومة السلطوية في مصر.

ففي الجانب الأكاديمي والبحثي استطاع العديد من الأكاديميين والباحثين الذين تركوا مصر الانضمام إلى جامعات ومراكز أبحاث متعددة بعضها في الولايات المتحدة وبعضها في إنجلترا وأوروبا وقطر وتركيا. كما قام عدد من المصريين في المنفى بتأسيس مؤسسات بحثية مثل المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية والذي يعمل من تركيا ويخصص الجزء الأكبر من تحليلاته على الشأن المصري، لعب الدعم القطري دور في احتضان بعض الباحثين المصريين خصوصا القريبين منهم من الإسلام السياسي كأيديولوجيا وإطار فكري في العديد من مراكز الأبحاث بمختلف أحجامها ومدي مهنيتها التي تمولها قطر والتي تنتشر في بلدان متعددة بجانب قطر وتركيا.

لكن وبالرغم من تعدد تخصصاتهم الأكاديمية وتوجهاتهم الفكرية إلا أن جانب كبير من الباحثين المصريين في الخارج مهتم بشكل مستمر بالاشتباك مع السلطوية الحالية في مصر وتحولاتها، ويعهد إليهم مجتمع المعارضين في الخارج دوما بتلك المهمة من أجل محاولة تطوير فهم تحولات السلطوية في مصر وكيفية مواجهتها وعدم تكرار أخطاء الماضي المتعلقة بثورة 2011 وما تلاها. و يساهم  أحيانا عملهم في التأثير على القرار الرسمي في البلدان الديمقراطية بقدر ما، خصوصا من يشغلون منهم مناصب رفيعة في مراكز أبحاث مرموقة موجودة في واشنطن ولندن. وتستعين كثير من البرلمانات لاسيما الكونجرس بالعديد من الأكاديميين في جلسات الاستماع الخاصة بها وتستند على العديد من إنتاجهم المعرفي في البيانات التي تصدرها بخصوص مصر والشرق الأوسط. كما يمتد عملهم  إلى التأثير على الرأي العام العالمي حيث يشغل حاليا الدبلوماسي السابق والأكاديمي عزالدين شكري زمالة جمال خاشقجيفي جريدة الواشنطن بوست، المنصب الذي يوفر له مساحة لمخاطبة الرأي العام الأمريكي والعالمي من خلال منصة إعلامية هي الأهم عالميا.

علي صعيد العمل الحقوقي تنتج المنظمات الحقوقية التقارير والأرشيفات التي توثق انتهاكات النظام المصري وفقا للمعاييرالدولية لحقوق الإنسان، والتي تستخدم في مواجهة رواية النظام حول إحرازه تقدم في ملف حقوق الإنسان، وتستخدم أيضا في الأنشطة المختلفة للمناصرة ومخاطبة الجهات الدولية. أصبحت تلك التقارير مصادر شديدة الأهمية للفاعلين الدوليين عند انتقادهم لأوضاع حقوق الإنسان في مصر.عقب لقائه بالرئيس السيسي في إطار الجهود المشتركة  لوقف إطلاق النار بين اسرائيل وغزة مؤخرا استشهد وزير الخارجية الأمريكية – في معرض رده على سؤال عن الإفراج عن الأمريكان وغيرهم الموجودين في السجون المصرية –بالتقرير الصادر عن مبادرة الحرية عن تأثير ممارسات الاحتجاز التعسفي  في مصر على المواطنين الأمريكيين وأسرهم في عام 2020. كما كان محمد سلطان مؤسس مبادرة الحرية وبهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أحد من استمعت إليهم اللجنة الفرعية الخاصة بالشرق الاوسط وشمال افريقيا في الكونغرس في جلسة استماع نظمتها في سبتمبر 2020، تخص مستقبل مصر السياسي والاقتصادي وأوضاع حقوق الإنسان.  و في جلسة استماع مماثلة قبل ذلك بسنوات في مايو 2015، أدلت الدكتورة نانسي عقيل -المدير التنفيذي السابق لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط- برؤيتها حول تطورالأحداث السياسية في مصر في ذلك التوقيت.

على صعيد العمل الإعلامي والصحفي نجح العديد من الصحفيين ومقدمي البرامج الذين غادروا مصر في الالتحاق بالعديد من الشبكات الإعلامية الدولية مثل الحرة في الولايات المتحدة و DW في ألمانيا، ومشروعاتها التي تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل الساحة و السلطة الخامسة، والتي اجتذبت جمهورا واسعا من متابعي منصات التواصل الاجتماعي. كذلك لعب الدعم القطري – قبل التقارب المصري القطري –  دورا كبيرا  في بروز العديد من المنصات الإعلامية التي يعمل بها  مصريون في الخارج وتعطي الشأن المصري أولوية ملحوظة في التغطية على رأسها  جريدة العربي الجديد، والتليفزيون العربي الذي يبث من لندن ويقدم برنامج “بتوقيت مصر” والذي يعتبر منصة لاستضافة الباحثين والصحفيين والحقوقيين السابق الاشارة إليهم،  في تكثيف لتفاعل النشاط السياسي للمصريين في الخارج .ولا تزال القنوات التابعة أو القريبة من جماعة الإخوان المسلمين تبث من تركيا ولها تأثير في الشارع المصري وأشهرها “الشرق” و “مكملين” على الرغم مما تعرضت له من ضغوط من السلطات التركية تخص سياستها الإعلامية تجاه مصر وما لحق بأبرز إعلاميها من إيقاف.

كما لعبت المبادرات الإعلامية التابعة للتيارات الليبرالية دورًا مهمًا في الخارج في توفير وسائل إعلام منخفضة التكلفة ومستقلة عن ضغوط القوى الإقليمية. بدأ عدد من الكتاب والصحفيين من المنفى برامج البودكاست الخاصة بهم والتي تستضيف مفكرين وأكاديميين ومدافعين عن حقوق الإنسان من داخل مصر وخارجها لمناقشة التطورات السياسية في مصر وحول العالم. ومن أشهرها بودكاست 11، الذي قدمه لأول مرة الصحفي محمد أبو الغيط وتقدمه الآن من فرنسا الصحفية التي أطلق سراحها مؤخررًا سلافة مجدي. كما أطلق الصحفي البارز حافظ الميرازي بودكاست جديدًا باسم مع حافظ الميرازي، ومؤخرًا أطلق الكاتب والسيناريست بلال فضل لبودكاست الخاص به  من منفاه في نيويورك. شكل آخر من وسائل الإعلام المستقل  وهي صفحة  الموقف المصري والتي يقوم عليها نشطاء ديمقراطيين، ويبلغ عدد متابعيها ما يزيد عن مليون متابع على موقع فيسبوك، وتستخدم لغة مبسطة في التعاطي مع قرارات الرئيس والحكومة وتحليلها وحث المواطنين على مناقشتها مع عائلاتهم، وتشبه  إلى حد كبير أسلوب صفحة ” كلنا خالد سعيد” والتي أثرت  في التعبئة والحشد الذي سبق ثورة 25 يناير، على اختلافها الأيديولوجي ومدى مهنيتها. كسرت منصات العمل الإعلامي من الخارج هيمنة النظام الحاكم في مصر على الإعلام سواء الموجه للمصريين أو الموجه للعالم عن مصر.

وفرالمنفي فرصة للعديد من الأدباء والفنانين والمبدعين بكافة أشكالهم للاستمرار في عملهم الإبداعي بعد أن تعرض الكثير منهم لمضايقات وصلت للاعتقال من قبل السلطة،  مثل الروائي أحمد ناجي والذي حُكم عليه بالسجن لمدة عامين قضى منهم ما يقرب العام في السجن. كانت قضيته مثال كيف أسس السيسي نمط محافظ من السلطوية يستحيل معه وجود أشكال من الإبداع الفني، حيث حُكم ناجي بتهمة خدش الحياء. لم يوفر المنفي لناجي الأمان للاستمرار في إبداعه الفني فقط، حيث أخرج العديد من الكتابات من المنفي أشهرهم حرز مكمكم  والتي تركز على تجربته كمتهم بمخالفة الأداب العامة، ولكن سمح له أيضا بالكتابة لجمهور أوسع عن تجربته مع الثورة والأدب كأديب في المنفى.  آخرين نجوا بفنهم مثل المغني رامي عصام والذي قدم في يناير 2020 واحدة من أبرز حفلاته في العاصمة دي سي التي شهدت حضور معظم المنفيين المصريين في دي سي، في مشهد يعيد للذاكرة حفلات ميدان التحريرالتي لطالما قدمها عصام. بعد شهور قليلة من تلك الحفلة في مايو 2020 توفي في محبسه المخرج شادي حبش والذي قُبض عليه بعد إخراجه كليب أغنية رامي عصام بعنوان “بلحه” ينتقد فيها الرئيس السيسي.

المناصرة

تركز الجانب الأكبر من أنشطة المناصرة للمنظمات الحقوقية المصرية قبل يونيو 2013 على أنشطة المناصرة الموجهة للداخل المصري خصوصا في فترة ما بعد الثورة، وخارجيا كان التركيز الأكبرعلى آليات الأمم المتحدة. ومع تضاؤل أو استحالة فرص المناصرة الداخلية بعد يونيو 2013 توجه الجانب الأكبر من أنشطة المناصرة للخارج. ساعد الوجود في المنفى المنظمات الحقوقية ومراكز الأبحاث المعنية بالديمقراطية – والتي قامت بالجانب الأكبر من أنشطة المناصرة – على تطوير موضوعات المناصرة وأدواتها.

كما لعبت الشراكة مع المنظمات ومراكز الأبحاث الدولية دورا كبيرا في هذا التطور، ولعب أبناء المصريين في الخارج والتي دفعتهم ثورة 2011 إلى الاهتمام بتطورات الوضع السياسي المصري دورا  لا تخطئه العين في إنشاء بعض المنظمات في الخارج وفي تطوير استراتيجيات المناصرة للمنظمات العاملة بما يمتلكه هؤلاء من رصيد تعليمي وخبرات عملية وقدرة أكبر على الاندماج في مجتمعات الخارج من أبرز الأمثلة لذلك معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط.  كما استعانت بعض المنظمات بموظفين من نفس البلدان التي تنوي التفاعل معها عبر أنشطة المناصرة ما ساهم في تطوير خطابها ومطالبها من تلك الدول.

سعت أنشطة المناصرة من الخارج عبر منصات مختلفة الي وضع قضية حقوق الإنسان في مصر على طاولة نقاش معظم الفاعلين الدوليين مع الحكومة المصرية من أجل حثهم على موضعة ملف حقوق الإنسان كمكون من مكونات سياساتهم تجاه مصر. وظفت المنظمات الحقوقية كافة آليات المناصرة مع مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة و المقررين الخواص، إذ كان تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مصر محل بيانات وتقارير كلا منهما وصولا إلى حدث هو الأول من نوعه، وهو الإعلان المشترك الصادر عن حكومات 32 دولة، والمقدم أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والذي أعربت فيه الدول عن «القلق العميق» إزاء انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق التي ترتكبها السلطات المصرية.

فيما يظهر الدور القطري والتركي قبل التقارب المصري معهما واضحا في بروز وتنامي أشكال مختلفة من إنتاج المعرفة عن مصر. غابت تركيا وقطر بالطبع عن أنشطة المناصرة (كممولين لها أو مستهدفين بها) وذلك نظرًا لطبيعة نظامهما السياسي وموقفهما السياسي السابق من مصر، إذ وجهت المنظمات غالبية أنشطة المناصرة الخاصة بها مع الدول الديمقراطية التي تجمعها شراكة استراتيجية مع مصر لاسيما الولايات المتحدة لحسها علي تغيير سياساتها تجاه مصر بما يساهم في إيقاف تدهور أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية في مصر، الأمر الذي لم يكن على هذا النحو مطلقا قبل 2013.

خاضت بعض المنظمات المصرية مع شركاء دوليين حملات مناصرة مستمرة من أجل تخفيض المعونة الأمريكية العسكرية لمصر (تعتبر مصر ثاني أكبر متلقى للمعونة في الشرق الأوسط بإجمالي 1.3 مليار دولار) وربطها بتحسين أوضاع حقوق الإنسان[1]. استهدفت أيضا المناصرة التشريعات، إذ تحاول منظمة التضامن المسيحي تمرير تشريع في الكونجرس يخص حقوق الاقباط.  في الذكرى العاشرة للثورة المصرية  25 يناير 2021 أعلن نائبي الكونجرس دون باير (ديمقراطي – فرجينيا) وتوم مالينوفسكي (ديمقراطي – نيوجيرسي) عن تشكيل التكتل المصري لحقوق الإنسان في الكونجرس. يتابع التكتل أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ويصدر بيانات عن تطوراتها،  كان أهمها بيان ينتقد فيه أعضاء التكتل بالإضافة إلى نواب آخرين قرار الإدارة بحجب 130 مليون فقط من إجمالي 300 مليون أراد الكونجرس حجبهم، وأضاف بيان التكتل أنه سيعمل في المستقبل على ضمان عدم قدرة هذه الإدارة والإدارات المستقبلية على التهرب من متطلبات الكونجرس. لقد أضحى الكونجرس هو الطريق الأكثر رجحانا للمعارضة المصرية للتأثير على السياسة الأمريكية تجاه مصر، خصوصا بعدما قدمت إدارة بايدن موازنتها للعام 2022 وبها نفس الدعم العسكري لمصر دون أي شروط تخص أوضاع حقوق الإنسان. مع تقديم نواب بحجم بيرني ساندرز وكيرس ميرفي تشريعا لتعزيز سلطات الكونجرس فيما يخص مبيعات الأسلحة والطوارئ والعمليات العسكرية  قد يبدو أن دور الكونغرس في رسم السياسة الخارجية الأمريكية في طريقه للتوسع، وبالطبع إن حدث ذلك سيتزايد تأثير دور أنشطة المناصرة على طبيعة العلاقات المصرية الأمريكية.

فيما كانت أوروبا والعديد من دولها محل أنشطة مناصرة العديد من المنظمات المصرية. في ديسمبر 2020 أصدر البرلمان الأوروبي قرارا وصفه أحد المصادر الموجودة في البرلمان الأوروبي ب الأشد قسوة حتى الآن وتضمن 18 توصية أهمها إنشاء آلية دولية طويلة المدى لرصد أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وفرض عقوبات على الحكومة المصرية، وملاحقة المسؤولين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، والإفراج الفوري عن السجناء السياسيين.

نجح النشطاء الموجودين في أوروبا في تشكيل مبادرات تركز على المناصرة في بلد بعينها. ساهمت عوامل خارجية في تسهيل مهمة المناصرة في تلك البلدان بجانب كونها بلدان ديمقراطية تتعدد فيها مؤسسات صنع القرار، وتتبني على المستوى الخطابي على الأقل احتراما لحقوق الإنسان وبها مجتمع مدني وصحافة حرة.  في إيطاليا لعب مقتل الطالب الايطالي ريجيني على يد السلطات المصرية واعتقال طالب الماجستير باتريك جورج دورا في بروز أنشطة المناصرة في إيطاليا، حيث كان البرلمان محط العديد من أنشطة المناصرة المتعلقة بأوضاع حقوق الإنسان في مصر وقضيتي الباحثين ريجيني وباتريك جورج زكي. في مداخلة بمجلس الشيوخ الإيطالي طالبت المبادرة المصرية الإيطالية لحقوق الأنسان Egypt Wide بمراجعة شاملة لبنود العلاقات المصرية الإيطالية ووضع التقدم الملموس في مجال حقوق الإنسان كمحدد رئيسي للتعاون الإيطالي المصري، كما طالب نواب إيطاليون الحكومة بمنح باتريك جورج  زكي الجنسية الايطالية لزيادة انخراط الحكومة الايطالية في الضغط على نظيرتها المصرية للإفراج عنه. ورغم ما تشهده العلاقات المصرية الإيطالية من تطور عسكري واقتصادي نجحت أنشطة المناصرة في جعل ملف حقوق الإنسان عقبة في طريق ذلك التطور. في انجلترا يتكرر الأمر حيث تركز منظمة Egypt Watch جهود المناصرة الخاصة بها، كان آخرها تنظيم مؤتمر خاص باستعراض كيف توظف الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط واردات الأسلحة والتكنولوجيا الغربية في قمع الشعوب، تم ذلك مع منظمة مشروع من أجل السلام والعدالة التي أسسها السياسي البريطاني الشهير جيرمي كوربن. كما يلعب شركاء و زوجات المدافعين عن حقوق الإنسان من حاملي الجنسيات الأجنبية دورا في دعم أنشطة المناصرة الخاصة بالإفراج عن ذويهم، مؤخرا طالب عدد من نواب البرلمان البريطاني وزيرة الخارجية البريطانية بالضغط علي الحكومة المصرية في ملف حقوق الإنسان بما في ذلك إسقاط التهم عن موظفي المبادرة المصرية بما فيهم الباحث كريم عنارة المتزوج من بريطانية.

على نحو مماثل خاطبت أيضا زوجة الناشط رامي شعث الفرنسية سيلين لبرون الرئيس ماكرون لكي يضغط على السيسي في زيارته الأخيرة للإفراج عن زوجها. ورغم رفض الرئيس الفرنسي  ربط صادرات الأسلحة لمصر بأوضاع حقوق الإنسان، إلا أن أنشطة المناصرة التي قام بها المصريون في المنفي مع المجتمع المدني الفرنسي والدولي والشراكة معهم عززت من فرصها في  فضح انتهاكات حقوق الإنسان التي تُمارس في مصر بأسلحة فرنسية. كذلك كشفت الصحافة الفرنسية  مؤخرًا كيف وظفت مصر الأسلحة والتكنولوجيا والمعلومات الاستخباراتية الفرنسية في إرتكاب جرائم متعددة ضد حقوق الإنسان، الأمر الذي دفع المعارضة في البرلمان كذلك وزير الدفاع الفرنسي لفتح تحقيقات بخصوص الوقائع المذكورة، شملت أنشطة المناصرة أيضا المستويات التنفيذية المحلية إذ منحت عمدة باريس حديثا نشطاء مصريين المواطنة الشرفية تقديرًا منها للتضحيات التي يقدمونها في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان في مصر.

من الجدير بالذكر أنه في الأنظمة الديمقراطية حتى عندما تغيب الإرادة السياسية للسلطة التنفيذية عن لعب دور في تحسين أوضاع حقوق الإنسان في الأنظمة السلطوية ،أو حتى التوقف عن تزويد الأنظمة السلطوية بأدوات القمع، يساهم هنا التضامن والمناصرة العابرة للحدود بين منظمات المجتمع المدني والصحافة في إرغام السلطة التنفيذية على الأقل على مراجعة سياستها تجاه الأنظمة السلطوية والحذر في المستقبل من ضغوط المجتمع المدني والصحافة التي عادةً ما تدعمها المعارضة في البرلمان.

 بناء التحالفات وتوسيع الشبكات

وفر المنفي للمصريين في الخارج فرصة واسعة لبناء التحالفات والتشبيك على عدة مستويات، على رأسها التنسيق المصري – المصري، والذي اتخذ شكلين كان الأول بين النشطاء والمنظمات الذين يعملون من المنفي ونظرائهم في الداخل. على المستوى الفردي لعبت العديد من الناشطات المصريات في المنفى دورا شديد الأهمية في دعم حراك النساء المصريات ضد العنف الجنسي و قمع الدولة للنساء تحت مسمىقيم الأسرة المصرية، إذ لعبت الناشطات في الخارج أدوارا تعذر على شركائهن في الداخل القيام بها على رأسها التظاهر اعتراضا على الأحكام الصادرة بحق فتيات التيك توك. من خلال الظهور الإعلامي والتواصل مع منصات متعددة من مراكز أبحاث ومنظمات حقوقية لتوفير الدعم الدولي اللازم للضغط علي الحكومة المصرية بخصوص تلك القضايا، لعبت أيضا الناشطات في الخارج مع شركائهن في الداخل دور في بناء منصات آمنة للنساء للحكي عن تجاربهن مع العنف الجنسي.

أما على المستوى المؤسسي ساهمت الشراكات بين منظمات الخارج والداخل في تطوير وزيادة فاعلية نشاط منظمات الداخل، حيث قدمت بعض المنظمات  في الخارج دعما تقنيا لنظيرتها المصرية في صياغة تقاريرهم الموجهة للأمم المتحدة والمقررين الخواص. من جهة أخرى عملت هذه الشراكات كقناة تواصل لتعزيز فرص الشراكات بين المنظمات في الداخل والمنظمات الدولية. كذلك قامت بعض المنظمات بالخارج باستيعاب العديد من الباحثين والمحامين داخل هياكلها لكي يستكملوا عملهم في الداخل بعد أن تعرضت منظماتهم للإغلاق بسبب قمع السلطة. أما الشكل الآخر للتنسيق المصري المصري كان بين منظمات وأفراد الخارج مع بعضهم البعض عبر بناء تحالفات وتشبيك بين المصريين في المنفى بغرض التنسيق السياسي. يعد المنبر المصري من أشهر تلك التجارب وهو تجمع مستقل للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان المصريين في الخارج يسعى للتنسيق بين كافة الجهود المبذولة في الخارج من أجل بناء توافق واسع حول آليات مواجهة السلطوية الحالية.

أما المستوى الثاني هو بناء تحالفات وفرص للعمل المشترك بين المنظمات المصرية ونظيرتها الدولية أو مؤسسات البلد المستضيف.  أضحت تونس – على سبيل المثال – مقصد كثيرا من منظمات حقوق الإنسان الدولية الباحثة عن مقر إقليمي في الشرق الأوسط، كذلك المؤسسات الحقوقية الإقليمية، وغيرها من المنظمات الحقوقية، والمدافعين عن حقوق الانسان في الشرق الاوسط خصوصا القادمين من مصر وليبيا وباقي بلدان شمال افريقيا. سمح ذلك المناخ للمنظمات الحقوقية المصرية التي تعمل من تونس ببناء شراكات مع المكاتب الإقليمية للمنظمات الدولية كذلك مع المنظمات الحقوقية التونسية والليبية الموجودة في تونس، والانفتاح على تجارب وتكتيكات جديدة للعمل الحقوقي. وبذلك أصبحت تونس محطة لمعظم التدريبات المقامة حول حقوق الانسان في الشرق الاوسط، ومؤخرا ظهرت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات وهي منظمة حقوقية ناشئة نتاج تعاون بين حقوقيين مصريين وتونسيين تعمل على قضايا الجندر ومجتمع الميم في الشرق الأوسط،  فيما عزز وجود الناشطين المصريين في مناصب هامة داخل مؤسسات حقوقية دولية من فرص التعاون وبناء شراكات مستدامة بين مؤسسات مصرية حقوقية ونظيرتها الدولية.

برز المستوى الثالث في صورة شراكات بين المصريين ومنظماتهم في الخارج والقادمين من العالم العربي إلى المنفى في أوروبا وأمريكا. برلين هي الأخرى أضحت عاصمة جاذبة للعديد من المنفيين القادمين من الشرق الأوسط.،  دفع ذلك أكاديميين وفنانين مصريين لإنشاء مؤسسة باسمنواره”  وهي رابطة  مقرها برلين للباحثين والفنانين والناشطين من شمال أفريقيا وغرب آسيا. تهتم نوّارة في ممارساتها وأنشطتها على الأخص بالقضايا النسوية والكويرية. كما تأمل نوّارة في تزويد المجتمعات المحلية المرتبطة بمنطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا في المهجر والمنطقة بالأبحاث والتدريبات والمشورة التي تلبي احتياجاتهم. وبالتعاون مع مؤسسة مساحات وهي مؤسسة  سورية تعمل من النرويج على نشر الثقافة العربية في المنفى نظمت نوارة سلسلة من الندوات مع أكاديميين مصريين وسوريين في المنفى بهدف تإعادة التفكير فيما جرى من عشر سنوات على بداية الربيع العربي. يوفر المنفي فرصة في إعادة التفكير في الربيع العربي عبر شراكة نشطاء من دول الربيع العربي المختلفة، كما يتيح فرصة للصراع مع الأنظمة الحالية حول الذاكرة ونشر رواية بديلة للأحداث عبر مختلف الأعمال الثقافية والفنية.

أما المستوى الرابع من الشراكات والتنسيق كان بين منظمات وأفراد مصريين في الخارج وشبكات وتجمعات مهنية بالأساس، على رأسها مجموعة العمل علي مصر والتي تضم مجموعة من خبراء العلاقات الدولية ممن يشغلون مناصب رفيعة في مراكز الأبحاث والجامعات الأمريكية المرموقة أو ممن تولوا مناصب في إدارات أمريكية سابقة. وتركز المجموعة عملها على دعوة الإدارات الأمريكية المختلفة إلى تبني المزيد من السياسات الخارجية تجاه مصرالتي تعكس القيم الأمريكية في الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وتولي الإدارات الأمريكية المتعاقبة اهتماما بما تصدره المجموعة من بيانات تخص مصر، بحسب أحد أعضاء المجموعة المؤسسين. مثال آخر رابطة دراسات الشرق الأوسط MESA ، والتي تولي اهتمام خاص بواقع الحريات الأكاديمية في مصر، وما طال العديد من الأكاديميين والباحثين المصريين من انتهاكات مختلفة وصلت للاعتقال، وجهت الرابطة العديد من البيانات إلى السلطات المصرية للإفراج عن أكاديميين مصريين، أو للتوقف عن انتهاك الحريات الأكاديمية بحق البعض الآخر، كما خصصت جزء من خطاباتها للخارجية الامريكية للعب دور أكثر فاعلية في إيقاف تدهورالحريات الاكاديمية في مصر، كما وجهت تحذيرا أمنيا للدارسين والباحثين الراغبين في ممارسة أنشطتهم البحثية والدراسية من مصر.  يقف خلف هذا التفاعل من تلك المؤسسات مع الشأن المصري شراكات تم بنائها وأنشطة من التواصل والمناصرة تقوم بها المنظمات المصرية في الخارج.

فيما كان المستوى الخامس من خلال محاولة بناء قواعد من المصريين حاملي جنسية البلد المستضيف. تقوم منظمة مبادرة الحرية بتنظيم فاعلية سنوية تحت عنوان يوم المناصرة المصري، حيث يجتمع المصريون-الأمريكيون للحديث عن أوضاع حقوق الإنسان في مصرمع ممثليهم في الكونغرس، بجانب كونه نشاط للمناصرة يهدف أيضا إلى بناء وتنظيم  قواعد وإكسابها المهارات والخبرات اللازمة للقيام بأدوار أكثر احترافية في المناصرة. شكل آخر وإن لم يتبلور بشكل منظم وهو محاولة  تنظيم وبناء قواعد من أبناء بلد المهجر، وذلك لتوسيع دائرة المناصرة واستدامة التأثير عبر حث القواعد على التواصل مع ممثليهم في البرلمانات والمجالس المنتخبة المختلفة لتشجيع الممثلين في المجالس المختلفة لممارسة مزيد من الضغط والتأثير على السلطات التنفيذية التي تبقي لأسباب متعددة أقل تأثرًا بأنشطة المناصرة من الممثلين في المجالس البرلمانية والمحلية.

توظيف القانون

وظفت المنظمات الحقوقية المصرية قبل الثورة القانون الدولي و لجأت للمؤسسات الدولية من أجل الضغط على الحكومة المصرية لتبني بعض الإصلاحات. في ديسمبر 2010 أقامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دعوى ضد نظام الاعتقال الإداري في مصر أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب،  وهو ما استمر بعد الثورة ففي ديسمبر 2013  قبلت اللجنة الأفريقية دعوى مقدمة من المبادرة المصرية تتعلق بالانتهاكات الجنسية التي تعرضت لها متظاهرات في 2011 فيما عرف وقتها بكشوف العذرية. كان اللجوء للقانون الدولي في فترة ما قبل الثورة وصولا إلى يونيو 2013 متوازيا مع التوسع الذي شهده العمل الحقوقي المصري في الداخل من تقديم دعم قانوني للضحايا وتحقيق التقاضي الاستراتيجي نجاحات ملموسة في موضوعات متعددة. لكن مع تقنين القمع والسلطوية في مصر، وسيطرة الرئيس على القضاء عبر التعديلات الدستورية الأخيرة وتعديلات قانون السلطة القضائية، كذلك إحكام هيمنته على الأجهزة الرقابية في مصر، وتصاعد هجمات النظام الحاكم ضد المؤسسات الحقوقية والمحامين بشكل خاص عمق كل ما سبق من تضاؤل فرص محاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والفساد في مصر عبر اللجوء للقانون المحلي ومؤسسات العدالة المصرية. دفع ذلك العديد من المصريين في الخارج إلى التفكير في القانون الدولي أو قوانين الدول الديمقراطية التي تسمح لهم بمساءلة المسؤولين المصريين المتهمين بارتكاب جرائم حقوق الإنسان في مصر.

بالتوازي مع تفعيل كافة الآليات الأممية السابق الإشارة إليها في 2014 طلب عدد من المحامين الذين يمثلون جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة أن تحقق المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في الجرائم التي تم ارتكابها  ضد الإنسانية و المدنيين منذ 1 يونيو 2013. وقد قوبل طلبهم بالرفض من قبل المحكمة لأن الطلب لم يأتي من السلطة الحاكمة في مصر، وشدد بيان المحكمة على أن رفضها لطلب قبول الإختصاص في مصر لا يعني أن الجرائم لم تقع أو أنها لا تستحق المزيد من التحقيق. ولكن إذا كان سيتم التحقيق في هذه الفظائع المزعومة من قبل المحكمة ، فإن أفضل طريقة للمضي قدمًا هي أن تصدق مصر على نظام روما الأساسي وأن تصبح عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، وهو بالقطع ما لم يفعله النظام الحاكم حتى الآن.

ولكن يونيو 2020 استند الحقوقي ومؤسس مبادرة الحرية محمد سلطان  إلى القانون الأمريكي لمحاسبة رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي، إذ اختصم سلطان الببلاوي بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب (TVPA)، واتهمت الدعوى المقدمة من سلطان الببلاوي بمحاولة القتل خارج إطار القانون وبالتعذيب، وزعمت الدعوى أن الببلاوي بصفته رئيسًا للوزراء وجه قوات الأمن للقيام بمذبحة فض رابعة، كما أنه مسؤول عن التعذيب الذي تعرض له سلطان علي يد موظفين حكوميين مصريين. ورغم ما شهدته القضية من سجال قانوني بين دفاع الببلاوي والخارجية الأمريكية و محامي سلطان حول مدى تمتع الببلاوي بالحصانة الدبلوماسية نتيجة لشغله منصب الممثل الرئيسي المقيم (PRR) لجمهورية مصر العربية لدى صندوق النقد الدولي (IMF)، إلا أنها تعتبر أول سابقة في المحاسبة القانونية لمسؤول مصري رفيع المستوى بسبب ضلوعه في انتهاكات متعلقة بالتعذيب والقتل خارج إطار القانون، الأمر الذي يفتح باب جديدا لضحايا النظام المصري في البلدان المختلفة التي تسمح تشريعاتها بمقاضاة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

تعمل حاليا بعض المنظمات المختصة بالشأن المصري والموجودة في الولايات المتحدة على الاستفادة من القانون الأمريكي ماغنيتسكي الدولي للمساءلة حول حقوق الإنسان من أجل محاسبة بعض المسؤولين الحكوميين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.  وبموجب هذا القانون تفرض الحكومة الأمريكية عقوبات على مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد في جميع أنحاء العالم، وهو القانون الذي استندت إليه وزارة الخزانة الأمريكية في فرض عقوبات على المسؤولين السعوديين المتورطين في مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

عززت الشراكات التي بنتها المؤسسات الحقوقية المصرية مع نظيرتها الدولية من قدرتها على توظيف التشريعات المحلية في البلدان الديمقراطية لمحاسبة شركاء النظام المصري في القمع، ففي نوفمبر 2017 قامت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان بدعم من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بتقديم شكوى إلى وحدة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التابعة لمكتب المدعي العام بباريس بخصوص مشاركة شركة Nexa Technologies في العمليات القمعية التي نفذها نظام السيسي من خلال بيع تكنولوجيا تُوظف للمراقبة، الأمر الذي أكده بمزيد من التفاصيل موقع Disclose في تحقيقه المنشور مؤخرًا بعنوان مراقبة صنعت في فرنسا .” في يونيو 2021 قام القضاة بوحدة التحقيق في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التابعة لمحكمة باريس القضائية، بتوجيه اتهامات بحق المديرين التنفيذيين للشركة بتهمة التواطؤ في جريمتي التعذيب والاختفاء القسري في مصر عبر تزويد نظام السيسي بتقنيات استُخدمت للتعقب. ويشكل  قرار قضاة التحقيق الفرنسيين سابقة شديدة الأهمية في إمكانية مساءلة شركات تكنولوجيا المراقبة حول انتهاكات حقوق الإنسان من منظور التواطؤ.

 فيما يقوم حاليا تجمع لمنظمات حقوقية هولندية ودولية مستندة إلى تقارير منظمات حقوقية مصرية ودولية بخصوص تدهورأوضاع حقوق الإنسان في مصر، كذلك القانون المحلي الهولندي ومعاهدة تجارة الأسلحة الأممية والأوربية ،  بمقاضاة الحكومة الهولندية في إجراءات طارئة بغرض وقف صادرات الأسلحة الهولندية إلى مصر، واحتلت مصر مؤخرًا المرتبة الثالثة في الدول الأكثراستيرادا للأسلحة على مستوى العالم، ما يفتح بابا آخرا أمام المنظمات المصرية ونظيرتها الدولية للضغط على الحكومة المصرية من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان.

مؤسسات الدعم

يواجه المصريون في المنفى تحديات لها علاقة بتأمين وضع قانوني كذلك استقرار مالي ووظيفي، ورغم عدم بروز -إلى الآن – مؤسسات معنية بتقديم الدعم القانوني والمالي، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين تقدم لبعض أفرادها دعما ماليا ومساعدة في التعليم لحين تحسن أوضاعهم، وقد شوهدت العديد من الحالات التي وظفت فيها بعض قيادات الجماعة الدعم المالي لبعض أفرادها كأداة لحسم الصراعات داخل الجماعة، واسكات بعض الاصوات المعارضة داخل الجماعة.

يمتلك المهجر القبطي أيضا بعض المؤسسات التي تُقدم  الدعم المالي والقانوني، بينما يعتمد مجتمع النشطاء على البرامج المُقدمة من المؤسسات الدولية والتي تعمل مع الحقوقيين، والأكاديميين، والصحفيين، والكتاب الذين يواجهون خطرا في أوطانهم ، إذ توفر لهم فرص للزمالة في مؤسساتها، أو مع مؤسسات شريكة أو مع مؤسساتهم الأم التي انتقلت للخارج. تساعد تلك الزمالات النشطاء على استكمال عملهم من الخارج، ولكنها  بالطبع لا تزال ظاهرة محدودة ولا تستطيع تغطية كافة النشطاء. ولحداثة معظم تلك البرامج لم تتطور بالقدر الكافي الذي يؤهل النشطاء لاستكمال مسارهم المهني في البلد المستضيف بعد نهايتها ، أو تغطية جوانب خاصة بتحديات اللغة في البلد المستضيف، إضافة إلى جوانب الصحة النفسية. وتتأثر تلك الزمالات أيضا بحجم الطلب المتزايد عليها من دول أخرى تتفاقم فيها أوضاع حقوق الإنسان حالياً مثل أفغانستان وميانمار.

معضلات التنظيم في المنفي

كما استعرضنا كانت هيمنة العمل الحقوقي من قبل منظمات محترفة على غالبية أشكال الناشطية من المنفى استمرارا لنمط انخراط النشطاء السياسيين في العمل الحقوقي والذي بدأ تاريخيا بتأسيس نشطاء يساريين وناصريين منظمات حقوقية، وتزايد مع العام 2014 بإحكام النظام قبضته على المجال السياسي، وتصاعد غير مسبوق لانتهاكات حقوق الإنسان. واستجابة لذلك ظهرت العديد من المنظمات الحقوقية الجديدة للنور، وقد جاء معظم مؤسسيها والكثيرين من فريق عملها من حركات سياسية مثل 6 أبريل أو أحزاب مثل الدستور ومصر القوية، أو جماعة الإخوان المسلمين. وفر العمل الحقوقي من خلال منظمات محترفة الكثير من الامتيازات لممارسة النشاط السياسي الغير متوفرة في العمل الحزبي والسياسي التقليدي ما جعل العمل الحقوقي رقما صعبا للاقتلاع من مصر، على رأسها ارتباط العمل الحقوقي بحركة عالمية تدافع عن حقوق الإنسان، تستخدم المنظمات الحقوقية لغتها وتوظف آلياتها في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان، وتصبح جزء منها يحظى بدعمها السياسي والمالي، ما يجعلها أكثر تأثيراً على المستوى الدولي والمحلي، وهو ما ساهم أن يغلب العمل الحقوقي علي معظم أشكال المعارضة من الداخل والخارج في الوقت الحالي. الأمر الذي جعل المنظمات الحقوقية المصرية في الوقت الراهن تقوم بدور يتجاوز الدور التقليدي للمنظمات الحقوقية في السياقات غير السلطوية، لتصبح الطرف الأكثر بروزا واستمرارية في معارضة النظام المصري داخليا وخارجيا.

تاريخيا دار في تسعينات القرن الماضي نقاش شديد الأهمية بين قيادات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان -التي تعتبرها  العديد من الدراسات  بداية تشكل العمل الحقوقي في مصر حول الشكل التنظيمي للمنظمة، سينعكس هذا النقاش لاحقا على الشكل الذي ستتخذه الحركة الحقوقية المصرية في معظم منظماتها. تركزت الخيارات حول ثلاث أشكال من التنظيم، الأول والأقل شعبية هو أن تتحول المنظمة المصرية إلي جبهة الدفاع عن الديمقراطية بمعنى أن تكون منبرا تمثيليا لقوى المعارضة السياسية، ُرفض هذا الاقتراح من الأغلبية تخوفا من سيطرة الإسلاميين على المنظمة، فلم تكن المنظمة وقتها على استعداد للتخلي عن دفاعها عن شمولية حقوق الإنسان من أجل تعزيز شعبيتها بالإسلاميين. أما الخيار الثاني هو أن تكون المنظمة منظمة عضوية بحيث تتحول في النهاية إلى حركة حقوقية شعبية، وقد رُفض هذا الخيار لنفس التخوفات السابقة. أما الخيار الذي انتصر واتخذته لاحقا معظم المنظمات الحقوقية هو أن تكون المنظمة مقصورة على المحترفين في العمل الحقوقي. حافظ هذا الخيار على التزام المنظمات الكامل بشمولية حقوق الإنسان، وأصبحت ذات تأثير لا تخطئه العين، ولكنه حرمها من أن تتحول إلى حركة حقوقية شعبية. يرى أحد المدافعين عن الخيار الثاني أن خيار منظمة عضوية  ربما كان الخيار الأفضل في مرحلة التسعينات، ولكن خيار منظمة مغلقة استمر في حالة معظم المنظمات حتى في سنوات الثورة بعد 2011، وحتى بعد انتقالها للمنفى، أو تأسيسها  هناك، لم تسع أي منها – حتى الآن – إلى استغلال المنفي، والشروع في تأسيس حركة حقوقية شعبية في أوساط المصريين في الخارج. هكذا يمكن وصف واقع النشاط السياسي المصري من المنفى اليوم بأنه مؤثر لكنه لا يستند إلى قاعدة اجتماعية في الداخل أو الخارج، كما يفتقد إلى مشروع سياسي أوسع ينظمه، وتصور واضح  للتغيير السياسي المنشود وطريقة تحقيقه.

في المقابل استهدفت دعوات عديدة تأسيس كيانات تسعى لتنظيم صفوف المعارضة وبناء حركة جماهيرية في المنفى، وفتحت باب عضويتها للمصريين في الخارج مثل المجلس الثوري المصري، والذي تم تأسيسه من تركيا في عام 2014 و يُعرّف نفسه بأنه ” كيانٌ للقوى والأفرادِ المصريين في الخارجِ ، على اختلافِ اتجاهاتهم السياسيةِ وانتماءاتهم الفكرية”،  ولكن تلك الدعوات فشلت في تقديم جديد ملموس على الصعيد السياسي لعدة أسباب على رأسها عدم قدرتها على تقديم مشروع سياسي قادر على تجاوز الاستقطاب السياسي، إذ جاءت معظم تلك الدعوات من أشخاص محسوبين على الإخوان المسلمين أو قريبين منهم . كما افتقدت تلك الكيانات إلى أدوات فعالة للناشطية السياسية من المنفى، على عكس العمل الحقوقي والإعلامي مثلاً، وفشلت في قيادة شراكة بين معارضي المنفي مؤسسات وأفراد والتوافق على قضية بعينها على غرار المنفي السعودي وقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي. وعانت بالقطع من الأزمات التقليدية المرتبطة بمحاولة بناء تنظيم  من تمويل وإنشاء للهيكل والديمقراطية الداخلية، وبالتالي عانت الكيانات التي تستهدف بناء قاعدة جماهيرية من غياب أدوات التأثير وهو ما أفقدها استمرار قدرتها على التعبئة السياسية واستكمال أدوارها، فالمنفي المصري اليوم جماهير بلا تنظيم، و منظمات ذات تأثير بلا حركة جماهيرية ومشروع سياسي.

الاستقطاب السياسي والطائفية

كما ذكرنا انتقلت بعض إشكاليات القوى السياسية المصرية معها  إلى المنفى بل وتفاقمت هناك، يأتي في مقدمتها الاستقطاب السياسي وتشظي وتحلل معظم القوى السياسية، إذ لا يزال الاستقطاب السياسي بين القوى الإسلامية ونظيرتها الليبرالية مسيطرا على نقاشات المنفي. يرى المحسوبين على القوى الإسلامية أن القوى الليبرالية كانت داعمَا رئيسيا لانقلاب الثالث من يوليو ومسئولة عما آلت إليه الأمور بعد ذلك، وأن هناك تغييب متعمد للتضامن الحقوقي من القوى الليبرالية مع معتقلي الحركة الإسلامية ومعاناتهم في السجون، بينما يرى الليبراليون أنه من المستحيل بناء أي تحالف مع قوى الإسلام السياسي وفي القلب منها الإخوان المسلمين بعد أدائهم السياسي في الفترة ما بين 2011 إلى 2013، وبعد انخراط بعض أطراف الحركة الإسلامية في استعمال العنف ضد الدولة. من جهة أخرى تساورهم الشكوك حول علاقة الجماعة بأجهزة سيادية في دول أخرى على رأسها تركيا وقطر والتي كانت يعتبرها النظام في مصر حتى وقت قريب عدوا إقليميا، وما زال تطبيع العلاقات المصرية التركية يواجه العديد من الصعوبات. هذا علاوة على صراعات الإخوان الداخلية وانقساماتهم الآخذة في التفاقم التي عززت من فكرة استحالة التنسيق معهم، بالإضافة إلى غياب كيان يحاول تمثيل الليبراليين في المنفى.

ورغم حضور الأقباط المصريين بنسبة معتبرة في الخارج ، وامتلاكهم تجربة تاريخية  ثرية في النشاط السياسي من المهجر، فمن الصعب حدوث أي تنسيق سياسي بين الأقباط الذين فروا من مصر هربا من العنف والخطاب الطائفي، والحركة الإسلامية التي يري قطاع كبير من الاقباط نها  سبباً رئيسيا في انتشار ذلك الخطاب. كما لازالت العلاقة الإشكالية بين القوى الليبرالية المعارضة بما فيها  المنظمات الحقوقية، والمنظمات القبطية في المهجر عائقا في التنسيق بينهم؛ إذ يرى جمهور أقباط المهجر أن أزمة الأقباط في مصر أكثر عمقاً من وجود نظام سلطوي يتزعمه السيسي، وأن الثورة بما مثلته من انفتاح سياسي مثلت أيضا تهديدا وزيادة لحوادث العنف الطائفي ضدهم، ما انعكس على تزايد هجرة الاقباط. على الجانب الآخر لا يقع ملف الأقليات الدينية على قائمة الأولويات العاجلة للعديد من المنظمات الحقوقية، بالرغم من سعي بعضها لتوثيق حالات القمع التي يتعرض لها الأقباط، ولكن باعتبار ذلك دليل على أن قمع النظام الحاكم قد طال الجميع، ولمواجهة خطاب النظام الحالي حول إحرازه تقدم على صعيد الحريات الدينية أمام المجتمع الدولي لاسيما الولايات المتحدة، ما يحجم بشكل كبير فرص التعاون بين الحركة الحقوقية والمنظمات القبطية في المهجر، على الرغم من وجوده بشكل محدود.

التنسيق بين معارضة الداخل والخارج

على الرغم من وجود أشكال مختلفة من التنسيق بين الداخل والخارج المصري علي مستوي النشطاء والمؤسسات كما رصدنا، إلا أن ذلك التنسيق -خصوصا في حالة المؤسسات- يواجه العديد من العقبات على رأسها تباين المواقف السياسية بين الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية في الداخل ومنظمات الخارج في العديد من المناسبات، يعود ذلك إلى عدة أسباب أهمها غياب مشروع سياسي تستطيع أن تتبلور تحت مظلته ناشطية الداخل والخارج، والذي انعكس بالقطع في استراتيجياتهما المختلفة لمعارضة النظام الحاكم، إذ اتخذ جانب من معارضة ومنظمات الداخل منحى أقرب للتكييف مع الظروف الراهنة عبر تفادي الصدام المباشر مع السلطة، واستغلال المساحات الضئيلة المسموح بها للمعارضة، فيما كان خطاب الخارج أقرب للمواجهة المباشرة مع السلطة وفي ملفات شديدة الحساسية للنظام مثل المعونة العسكرية الأمريكية وصفقات الأسلحة.

بالطبع تختلف كل استراتيجية وفقا لطبيعة الفرص المتاحة للمعارضة لكل طرف، والسياق الذي يعمل فيه بما يشمل طبيعة المخاطر الأمنية التي من الممكن أن يتعرض لها كل طرف، كذلك تصوراتهم عن شكل التغيير قصير الأمد المنشود. عزز من ذلك التباين بين معارضة الداخل والخارج سعي الدولة لاستيعاب القليل من  أحزاب المعارضة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إضافة إلى دعوات النظام لتبني سياسات من شأنها إصلاح أوضاع حقوق الإنسان، واستبعاد بعض المتهمين من القضية 173 الخاصة بالتمويل الأجنبي، وإطلاق سراح بعض متهمي الرأي في مصر، الأمرالذي يطرح تحديات جديدة على التنسيق بين الداخل والخارج والذي لم يتوقف يوما.

التحديات العملية للناشطية من المنفى

بالرغم من الفرص التي أتاحها المنفي لظهور أشكال متنوعة من الناشطية والتنظيم في المنفي  إلا أن هناك جملة من التحديات العملية جعلته ظاهرة مقصورة إلى الآن على عدد من المؤسسات والنشطاء الذين سمحت لهم مهاراتهم الوظيفية وشبكة علاقتهم بتأمين وظيفة، يستطيعوا من خلالها ممارسة بعض من أشكال الناشطية  السابق ذكرها، أو سمح لهم استقرارهم في المهجر بالسعي لتأسيس بعض الكيانات أو بالانخراط في أنشطة سياسية فردية. وقفت تلك التحديات بجانب التحديات السابق ذكرها  كعائق أمام ظهور حركة اجتماعية واسعة النطاق والتأثير وذات قواعد تستطيع حشد وتنظيم المصريين في المنفى والمهجر نحو حراك سياسي.

علي المستوي الفردي

ينعكس المسار الذي يتخذه الفرد في المنفى ونمط الحياة الذي يعيشه على طبيعة وشكل انخراطه في أي نشاط سياسي من المنفى. فبسبب حداثة تجربة المصريين الحالية في المنفى (تترواح بين الـ 8 سنوات والسنة الواحدة) يعاني معظمهم من عدم الاستقرارعلى عدة مستويات. الأول متعلق بالوضع القانوني في البلد المستضيف، حيث صعوبة إجراءات اللجوء القانونية ، أو تأمين وضع إقامة قانوني والتي قد تدفعهم إلى الرحيل من  بلد إلى آخر ما يزيد من عدم استقرارهم. والثاني مرتبط بعدم الاستقرار الوظيفي والمالي، إذ أن رحلة البحث عن وظيفة في بلد جديد تتطلب بجانب وجود وضع قانوني يسمح بالعمل، مهارات ومعارف جديدة، ولغات، ربما لا تكون متوفرة لدى الجميع، ما يضطر البعض إلى الموافقة بوظائف أقل و بعيدة عن درجاتهم العلمية أو مسارهم المهني من أجل توفير الأمان المادي لأنفسهم وأحيانا لأسرهم. أما المستوى الثالث فهو الاستقرار النفسي؛ تجربة السجن وأحيانا التعذيب التي مر بها البعض، ومرارة هزيمة الثورة والغربة وفقدان الأمل في التغيير، وغموض المستقبل، وعقدة  الناجي (Survivor’s guilt) في حالة البعض الآخر تترك أثرا نفسيا عميقا قد يصل إلى حد الصدمة النفسية لدى نشطاء كثيرين في الخارج يحول أحيانا بينهم وبين مواصلة العمل السياسي من المنفى. تقف العوامل الثلاثة كعوائق رئيسية تواجه معظم الناشطين في المنفى، وتستنزف طاقتهم، وتجبرهم على وضع قضية الاشتباك السياسي مع الواقع المصري من الخارج في مستوى متدني من قائمة اولوياتهم، وإن كان يحرص معظمهم على متابعة التطورات السياسية في مصر بشكل يومي.

علي المستوي المؤسسي

تعاني أيضا المنظمات الحقوقية في الخارج خصوصا حديثة النشأة منها من تحديات عديدة والتي تنعكس على فاعليتها. يأتي على رأسها الإجراءات القانونية الخاصة بالتأسيس في الخارج إلى جانب صعوبات متعلقة بالتمويل إذ لم تعد مصر بنفس القدر من الأهمية للمانحين الذين يفضلون دوما مشروعات تغطي بلدان مختلفة في الشرق الأوسط، وبلدان يوجد بها مساحة أوسع لتأثير المجتمع المدني. كما لا يزال بعض المانحين يفضلون تمويل المنظمات التي يعمل معظم طاقمها في الداخل، وتقوم على مشروعات ليست ذات طابع سياسي صدامي مع السلطة. تحديات وتواجه المنظمات صعوبة في الحفاظ على استمرارية طاقمهم الموجود في مصر، إذ يتعرض العديد من المحامين والباحثين للاعتقال والتهديد على أيدي أجهزة الأمن المصرية. ويتخوف البعض من عدم دخول عاملين جدد للمجال الحقوقي بسبب ذلك المناخ القمعي، ما سينعكس لاحقا علي مؤسسات الخارج والعمل الحقوقي في المجمل.

رغم ما ذكرناه من تحديات تقف أمام ناشطية المصريين من المنفي، ونظرًا لحداثة مجمل التجربة  يبقى الزمن عامل مهم في تطور قدرة المنفي المصري على التعاطي مع تلك التحديات وابتكارأشكال جديدة من الناشطية، ولكن يظل التحدي الأهم هو سياسيات الدولة المصرية المتنوعة للتعامل معها والتي سنفرد لها المقال القادم.

 

ملاحظة المؤلف  لكتابة المقالة أعتمد المؤلف علي بحث مكتبي، وجلستين مغلقتين شارك فيهما مصريون وعرب في المنفي ،و ثمانية عشر مقابلة فردية مع مصريين في الخارج. تم إجراء المقابلات مع مبحوثين من خلفيات سياسية وأيدولوجية متنوعة يقطنون في دول مثل الولايات المتحدة وتركيا وتونس وألمانيا وبلجيكا وإنجلترا وقطر وإسبانيا وسويسرا وكندا ، ويعملوا في مجالات متنوعة من الصحافة إلى القانون. لم يتم تضمين أسماء الأشخاص الذين تمت مقابلتهم، وكذلك أسماء بعض المنظمات والتفاصيل المتعلقة بتكتيكات معينة في المقالة لأغراض أمنية وسط تصاعد القمع العابر للحدود من قبل النظام المصري.

 

 

[1] . وحتى مع وجود إدارة لا تضع على قائمة أولوياتها الديمقراطية وحقوق الإنسان في عهد الرئيس السابق ترامب سمح تعدد الفاعلين في السياسية الخارجية الأمريكية بتوسيع حملات المناصرة التي  استهدفت كافة الفاعلين في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية البيت الأبيض، والخارجية الأمريكية والكونجرس، وحتى مراكز الأبحاث الهامة وكتاب الرأي.  نجحت هذه الحملات في تجميد جزء من المعونة العسكرية في 2017 على خلفية إقرار قانون الجمعيات 2017 و أمور أخرى. كما  حجبت إدارة الرئيس بايدن ما يقرب من 130 مليون دولار من أصل 300 مليون دولار، كان الكونجرس قد  وضعهم تحت مشروطية تحسين أوضاع حقوق الإنسان ولكنهم خاضعين بالكامل للاستثناء الخاص بالأمن القومي من قبل إدارة الرئيس بايدن، وذلك في المعونة العسكرية الخاصة بعام 2020. كما كانت أنشطة المناصرة مع الكونجرس أكثر نجاحا في ربط 300 مليون دولار المعونة العسكري لمصر في ميزانية العام 2021، منهم 75 مليون دولارلأول مرة غير قابلين للاستثناء الخاص بالأمن القومي.  اما ميزانية العام 2022 فقد شهدت رفع الكونجرس المبلغ المشروط بتحسن أوضاع حقوق الإنسان الي  320 مليون دولار منهم 85 مليون دولار غير قابلين للاستثناء الخاص بالأمن القومي.