Night view of high-rise buildings in Giza, the twin-city of Egypt's capital Cairo, on October 15, 2022. (Photo by AMIR MAKAR/AFP via Getty Images)
تعليق

موجة جديدة من الخصخصة في مصر: اقتصاد حر ومجتمع مكتوف اليدين

في أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلنت الحكومة المصرية عن توصلها لإتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي يشمل قرضًا جديدًا – هو الرابع من نوعه منذ عام 2016. أعلن الصندوق في بيان عن نجاح المفاوضات بين الجانبين، وهو بيان حمل بعض العبارات التقليدية في مثل هذه المناسبات، والتي تعني الكثير لمتابعي برامج صندوق النقد عمومًا، وبرامجه في مصر خصوصًا. 

من ضمن أبرز تلك العبارات كانت العبارة التالية: إن تنفيذ أجندة الإصلاح الهيكلي الشامل للسلطات سيعزز تدريجياً القدرة التنافسية للاقتصاد، ويقلل من دور الدولة في الاقتصاد، وتكافؤ الفرص للقطاع الخاص. تشير تلك العبارة لتدشين مرحلة جديدة من الخصخصة في مصر، مدعومة مجددًا من صندوق النقد، وهي مرحلة تبدو استثنائية بما تشمله من الإعلان لأول مرة عن خروج الدولة من قطاعات كاملة والإعلان عن العائدات المستهدفة من البرنامج بشكل مسبق. لكن الأهم، هو السياق الذي يتم فيه تنفيذ هذا البرنامج، والتي تجعل منه نموذجًا لغياب الشفافية و لتقييد حق المجتمع في مراقبة مصير ممتلكاته، على نحو يبدو معه الاقتصاد حرًا، ولكن المجتمع مكتوف اليدين. 

يُرجع البعض الإعلان عن هذه المرحلة إلى تصريحات رئيس الجمهورية في إبريل/نيسان الماضي في حفل “إفطار الأسرة المصرية” – في شهر رمضان، والذي ظهرت تفاصيله لاحقًا في مؤتمر صحفي لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي. قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إنه كلّف الحكومة بالإعلان عن برنامج لمشاركة القطاع الخاص في الأصول المملوكة للدولة يستهدف عشر مليارات دولار سنوياً ولمدة أربعة سنوات. بالطبع، يبدو الإعلان مسبقًا عن حجم ما تستهدفه الحكومة من “طرح” – وهو اللفظ الذي تفضل الحكومة دومًا استخدامه بديلًا عن “خصخصة” أو “بيع” – الأصول الحكومية أمرًا ملفتًا للنظر، بما يثيره من تساؤلات حول ما إن كان هذا التقدير يستند لاحتياجات مصر من النقد الأجنبي أم على القيمة العادلة لهذه الأصول. يبدو من الصعب معرفة ما إذا كانت الحكومة قد أجرت تقييمًا جماعيًا لأصولها – أصول الشعب – على النحو الذي يسمح بهذا الإعلان، ما قد يعني أن الرئيس قد استند في تقديره إلى احتياجات البلاد من النقد الأجنبي بغض النظر عما إن كان حجم العائدات المستهدفة متناسب من عدمه مع قيمة هذه الأصول.

في واقع الأمر، يعود تاريخ الإعلان عن هذا التحول الجوهري إلي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، حين أصدرت رئاسة مجلس الوزراء المصري بيانًا استعرض ما قالت أنها نتائج دراسة “مهمة” أعدها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار – وهو مركز للدراسات تابع لمجلس الوزراء، حول “الخطوات والإجراءات التي من شأنها تعزيز توجه الدولة نحو دعم ومساندة القطاع الخاص”. 

كان أهم ما تضمنه البيان حول نتائج الدراسة – التي لم يطلع عليها الرأي العام حتى الآن – هو الاتجاه لـ”تحديد القطاعات الرئيسية التي ستستمر بها الدولة، والقطاعات التي ستخرج منها، والقطاعات التي سيتم الخروج التدريجي منها، إلى جانب إعادة إصلاح القطاع العام من خلال الإبقاء على الشركات الكبرى في القطاعات الاستراتيجية والأكثر أولوية، والتخلي عن الشركات في القطاعات الأقل أولوية”. 

يعتبر هذا الإعلان تغيرًا جوهريًا في تاريخ الخصخصة في مصر، والذي يعود لمطلع التسعينيات، فللمرة الأولى يصبح المنطق وراء الخصخصة هو تخلي الدولة عن قطاعات بكاملها تقريبًا، واختيار قطاعات بعينها فقط لمواصلة الاستثمار فيها. 

بحلول منتصف يونيو/حزيران الماضي، أطلقت الحكومة بالفعل مسودة وثيقة ملكية الدولة – التي تزال مطروحة للتعديل بناء على مشاورات جرت مع ممثلين للقطاع الخاص فقط دونًا عن أي أطراف أخرى. كشفت الوثيقة عن نية الدولة الخروج من قطاع الصناعات التحويلية خلال ثلاث سنوات بالنسب التالية: قطاعات الغزل والنسيج بنسبة 90%، والطباعة والتغليف بنسبة 78%، والصناعات الهندسية بنسبة 77%، والصناعات الكيماوية بنسبة 75%، والصناعات الغذائية والمشروبات بنسبة 73%، والصناعات الدوائية بنسبة 50%، والصناعات المعدنية بنسبة 40%. 

 جدير بالذكر أن عددًا من تلك القطاعات، التي تنوي الدول الخروج منها، هى قطاعات كثيفة العمالة، مثل قطاع الغزل والنسيج. فالشركة القابضة للغزل والنسيج، التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، والتي تضم عدد من الشركات التابعة، هي أعلى شركات قطاع الأعمال العام من حيث عدد العمالة، والذي يتجاوز 49 ألف عامل طبقًا لأحدث البيانات المتاحة. وكذلك الحال بالنسبة لقطاع الصناعات الكيماوية والورق والتغليف اللذان يضمان أكثر من 26 ألف عامل. ومع ذلك، لم تر الحكومة ضرورة لمناقشة مدي تأثير الخروج من تلك القطاعات على مستقبل العمالة فيها بعد الخصخصة. 

حاولت الحكومة على ما يبدو أن يظهر هذا التحول، أو بالأحرى الإعلان عن التحول، كما لو كان نابعًا فقط من إدراكها لضرورته. لكن التصور المعلن لهذا التحول، كان متطابقًا بالكامل، تقريبًا، مع مضمون “نصائح” صندوق النقد الدولي للحكومة المصرية في تقرير المراجعة الثانية – الصادر في يوليو/تموز من العام الماضي- لبرنامج القرض الذي حصلت عليه مصر في عام 2020، أي قبل بيان الحكومة بأربعة أشهر.

 أوصى التقرير صراحة بـ “تحديد سياسة واضحة لملكية الدولة: [إذ] يجب أن يبدأ إصلاح قطاع الشركات المملوكة للدولة بتطوير سياسة الملكية لتعزيز المساءلة والشفافية، وتحديد القطاعات التي ينبغي أن تتواجد بها الدولة كجزء من التزاماتها نحو الخدمات العامة، وتنفيذ تدابير تعزيز الأداء [في هذه القطاعات]. هذا من شأنه تمكين انسحاب الدولة من القطاعات الأخرى، والسماح بمكاسب الإنتاجية التي يقودها القطاع الخاص”. 

هذا الخطاب الذي يربط بين تدابير الشفافية والخصخصة يشكل في حد ذاته مفارقة واضحة، فواقع الأمر أن هذه القفزة نحو هذه المرحلة الجديدة من الخصخصة ترتبط بالعكس تماما، غياب أدنى معايير الشفافية والمحاسبة. فالجانب المسكوت عنه في أي جدل حول هذه المرحلة هو كونها تجري في ظل غياب الرقابة القضائية على الصفقات مع القطاع الخاص من ناحية، وتقييد قدرة الجهات الرقابية، وعلى رأسها الجهاز المركزي للمحاسبات، على مراقبة عدالة تلك الصفقات من ناحية أخرى. تأتي هذه الموجة الجديدة من الخصخصة بعد إقرار تشريعين قيدا الرقابة القضائية ورقابة الأجهزة الرقابية المعنية بمكافحة الفساد على أي صفقة مزمعة بين الحكومة والقطاع الخاص. 

التشريع الأول هو قانون “إجراءات الطعن على عقود الدولة” الذي يقيد الرقابة القضائية على الصفقات والعقود التي تبرمها الدولة. يعود تاريخ هذا القانون، المثير للجدل، إلى عام 2014، وأصدره آنذاك الرئيس المؤقت عدلي منصور. ينص القانون على حظر الطعن على العقود التي تبرمها الدولة إلا من قبل طرفي العقد، بما فيها قرارات تخصيص العقارات، وهما الحكومة والمستثمر. وقد تم تبرير ضرورة وجود هذا القانون بـ “حماية للمراكز القانونية والحقوق، ودرءًا للاضطراب والانهيار والفوضى”، فيما يعد إشارة مضمرة لممارسة الشعب حقه الطبيعي في الرقابة على ممتلكاته.

ومن المهم أن نتذكر السياق الذي صدر فيه القانون بعد شهور من صدور قانون تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب، المعروف باسم قانون التظاهر عام 2013، وهو القانون الذي قيد، عمليًا بشدة، كل أشكال الحراك العام، وكان وقتها أحد العناوين الرئيسية للإجراءات التي هدفت إلى محو أي أثر لثورة يناير، وتضيق الخناق على الحركة العمالية والاجتماعية. وبصدور قانون “إجراءات الطعن على عقود الدولة” كانت الدولة، عمليًا، تحاصر الحركة العمالية والاجتماعية، وهي الحركة التي ساهم انتزاع أحكام قضائية ببطلان إجراءات الخصخصة قبل عام ٢٠١١، في انتظامها ضمن الحراك الاحتجاجي المتواصل، الذي قاد في النهاية لثورة يناير ٢٠١١، عبر التواصل بين قياداتها والمجتمع المدني.

ولا يقف القانون عند هذا الحد، بل انه أوقف كذلك كل الطعون التي بدأ نظرها أمام جميع المحاكم، حتى لو كانت مرفوعة بتاريخ سابق على صدور القانون، “الأمر الذي يترتب عليه تحصين تعاقدات الدولة السابقة، وتحصين المزيد من التعاقدات المستقبلية التي من شأنها أن تهدر أصول الدولة وثرواتها الطبيعية،” حسب المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو منظمة من منظمات المجتمع المدني المرموقة، التي سبق وانتزعت أحكامًا قضائية ببطلان عددًا من صفقات الخصخصة. 

في عهد الرئيس السابق مبارك، انهمر طوفان من الدعاوى القضائية أمام القضاء الإداري في محاولة لإبطال صفقات الخصخصة – لأسباب تتعلق بفساد العقود أو التقييم أو عدم التزام المستثمر بشروط العقد – من قبل عاملين في الشركات الحكومية. نتج عن هذه الدعاوى أحكام قضائية نهائية متتالية مثلت في واقع الأمر توثيقًا لجانب من مسار الخصخصة في مصر في عهد مبارك. من أبرز الأمثلة على أحكام إبطال صفقات الخصخصة، كانت الأحكام بعودة شركات عمر أفندي والنصر للمراجل البخارية وأوعية الضغط وطنطا للكتان والزيوت وشركة شبين الكوم للغزل والنسيج.

ما يلفت النظر في هذه الأحكام القضائية، هو تكرار الإشارة لفساد عملية تقييم الشركات، وما ترتب عليه من تدني قيمة بيعها. مثلا، قالت المحكمة الإدارية العليا في حكمها النهائي ببطلان خصخصة شركة شبين الكوم للغزل والنسيج إن عملية الخصخصة قد شابهما فساد ظاهر وإجراءاتها استباحت مال الشعب، وذلك ببيعها بسعر يقل عن قيمتها الحقيقية، بعدما كانت المحكمة الإدارية – وهي المحكمة المختصة بالنظر في الطعون على القرارات الحكومية – قد قالت في حكم الدرجة الأولى – في نفس القضية – إن “إهدار جسيم للمال العام وتجريف لأصول الاقتصاد المصري تم تحت قيادة العديد من الوزارات لأكبر عمليات تخريب للاقتصاد المصري”. 

لكن هذه المرحلة الجديدة من الخصخصة تأتي في سياق مجال عام مُغلق وُمقيد، يحاول المجتمع المدني بطبيعة الحال مواجهة قانون الطعن على عقود الدولة، الذي يبدو فريدًا في سلطويته بما يشمله من نزع حق المجتمع في الرقابة على مصير ممتلكاته، وتقييد حق التقاضي، فطالب أمام المحكمة الإدارية – وهي المحكمة المختصة بالنظر في الطعون على القرارات الحكومية – بإحالة القانون للمحكمة الدستورية. وبالفعل قضت إحدى دوائر هذه المحكمة بإحالة القانون للمحكمة الدستورية العليا، للنظر في مدى توافقه مع الدستور من عدمه، بناءً على تقرير من هيئة مفوضي الدولة – وهو قطاع تابع للمحكمة الإدارية يضم خبراء يقدمون الرأي الفني لهيئة المحكمة – يشكك في دستورية مواد في القانون. 

لايزال مصير النزاع حول ممتلكات الشعب تلك معلقًا في انتظار قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن دستورية القانون، وهي نفسها المحكمة التي كان عدلي منصور رئيسًا لها قبل أن يصل لمنصب الرئاسة بعد الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي. ولكن اقترب البت في دستورية القانون نهائًيا بعدما قررت المحكمة إعلان حكمها في منتصف يناير/كانون الثاني المقبل. وفي حال رفض الدعوى، فسيعني ذلك أن مصير كل عقود الخصخصة القائمة قد أصبح بعيدًا عن أي رقابة قضائية. 

ثاني هذه التشريعات كان قيام الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو/تموز 2015 بإصدار قرارًا بقانون لتحديد معايير إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم. يقوض هذه القرار بقانون استقلال الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو أحد الأجهزة الرقابية المستقلة وفقًا للدستور

شمل هذا القرار بقانون بندًا واحدًا، غامض وفضفاض للغاية، هو حق رئيس الجمهورية في إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية في عدة حالات، إذا “قامت بشأنه دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، أو إذا فقد الثقة والاعتبار، أو إذا أخل بواجبات وظيفته بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية، أو إذا فقد شروط الصلاحية للمنصب الذي يشغله لغير الأسباب الصحية”.

لقد تم تطبيق هذا القرار بقانون فعليًا بعد أقل من عام، وبالتحديد في مارس/آذار 2016، بإقالة هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو ما جاء بعد يوم واحد من إعلان نيابة أمن الدولة العليا استدعاء جنينة للتحقيق معه في واقعة تصريحاته بشأن تكلفة الفساد في مصر 2015. 

طبقًا لتقرير صندوق النقد الدولي – الذي سبق الإشارة له – تمتلك الدولة أكثر من 300 شركة، من ضمنها شركات تندرج تحت قطاع الأعمال العام والقطاع العام وشركات مملوكة للقوات المسلحة، بالإضافة إلى ما يقرب من 645 شركة أو مشروع مشترك مع القطاع الخاص و53 هيئة اقتصادية، يمثل كلًا منها هدفًا محتملًا للخصخصة خلال السنوات الأربعة القادمة على الأقل. وبغض النظر عن مدى وجاهة الأسباب وراء قرار الخصخصة أو عدالة السعر أو تأثير القرار على السوق، فمن المؤكد أن ملاك تلك الثروة، الشعب، لن يسمح لهم بإبداء الرأي في مصيرها عبر أي حراك، ولن يمكنهم وقف تنفيذ قرار التصرف في ممتلكاتهم. سيبدو بعدها أن الاقتصاد قد صار أكثر “حرية” – تبعا لمعايير صندوق النقد الدولي، ولكن بعدما تم تقليم أظافر المجتمع، وسلب حقه في الرقابة على ممتلكاته.