12 March 2022, Syria, Kansafra: Buildings are seen destroyed after Russian airstrikes on the village of Kansafra. (Photo by Anas Alkharboutli/picture alliance via Getty Images)
تعليق

مُحاسبة “فاغنر” على الانتهاكات الرّوسيّة في سوريا

.here Read this article in English 

في الذِّكرى العاشرة للثورة السورية، قُدِّمت شكوى إلى المحاكم الرّوسيّة ضد الشركة العسكرية الروسية الخاصّة “مجموعة فاغنر” (Wagner)، وهي أوَّل قضيَّة على الإطلاق تُرفع ضد هذه المجموعة. وبعد عامٍ تقريبًا، رأت المحكمة أنّ لجنة التّحقيق التّابعة لروسيا الاتحادية ليست مُلزمةً باتّخاذ إجراء حيال جريمة تعذيب أحد المدنيين السوريين وقتله على أيدي أعضاء مجموعة “فاغنر”، وهي المحكمة التي كانت لديها سُلطة فتح التحقيق في هذه الجريمة. وفي 9 فبراير عام 2022، أيَّدت محكمة مدينة موسكو هذا القرار الخاصّ بلجنة التحقيق بشأن عدم فتح تحقيق في جرائم الحرب (التعذيب) والقتل والارتزاق في سوريا. ورغم أنّ هذا القرار يضع نهاية لجهود السعي وراء تحقيق العدالة للسوريين من خلال نظام المحاكم الروسي فإنّ القضية تُمثّل خطوة أولى حاسمة ضمن جهود أكبر توجّه لمحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية وانتهاكات حقوق الإنسان في السياق السوري بانتهاج أساليب بديلة جديدة لتحقيق العدالة.

ومنذ بَدء العمليّات العسكريّة الرّوسيّة في سوريا لدعم نظام بشار الأسد عام 2015، ارتكبت الدولة الرّوسيّة جرائم دولية بحقّ السوريين، ومجازر كبيرة، واستهدفت المواقع المدنيّة لا سيما المدارس والمستشفيات والمؤسّسات الدينية، كما استهدفت العاملين في المجال الطّبي والإعلامي والدّفاع المدني، واستخدمت أسلحة غير مشروعةٍ مثل الذخائر العنقوديّة لتمكين النظام السوري عبر قائمةٍ واسعةٍ من الانتهاكات المماثلة. كما نشرت روسيا أيضًا قوّات تتكوَّن مِن مجموعات مرتزقة؛ مثل مجموعة “فاغنر” لارتكاب هذه الانتهاكات. في البداية أنكرت روسيا تمامًا وجود مجموعات مثل مجموعة “فاغنر”، إذ ما تزال المجموعة غير مُسجَّلةٍ في روسيا حتّى اليوم. وفي عام 2019، أقرّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيرًا بوجود الشّركات العسكرية الخاصّة في سوريا، لكنّه أكّد أنّها لا تنتمي إلى الدولة.

ولأن روسيا تتمتع بحقّ النقض والجهود الأُخرى أمام عددٍ مِن الهيئات الدولية؛ مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية تقوم بعرقلة المساءلة عن الجرائم المرتكبة في سوريا. بموجب مبدأ الولاية القضائية العالميّة شهدنا محاكمة مُرتكبي جرائم الحرب التي ارتكبها أفرادٌ مِن دولٍ أُخرى. وتجدر الإشارة إلى أن هيكل الشّركة العسكريّة الخاصّة التي يعمل بمقتضاها “فاغنر” يسمح لروسيا بالتحكّم فيها، ومع ذلك تنأى روسيا بنفسها عن هذه الشركة، مما يجعل السّعي وراء المساءلة عن جرائم “فاغنر” أمرًا بالغَ الصّعوبة. وتطلب المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان، التي تتمتّع بولايةٍ قضائيّةٍ على انتهاكات الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيّة الأوروبيّة لحماية حقوق الإنسان (التي صدَّقت عليها روسيا)، استنفاد جميع سُبل الانصاف الفعّالة داخل روسيا أوّلًا. وفي هذا الصَّدد، وعلى الرّغم مِن التوقعات السّائدة وقت تقديم الشّكوى بأنّ المحكمة الرّوسية سترفض فتح تحقيقٍ في قضية “فاغنر”، تعدّ هذه الشكوى مبادرة وسابقة ضرورية.

القضيّة

في عام 2017، نشر مصدر غير معروفٍ على الإنترنت مقطع فيديو ظهر فيه خمسة رجالٍ يرتدون زيًّا عسكريًّا يتحدَّثون الرّوسيّة ويضربون بعنفٍ رجلًا سوريًّا بملابسَ مدنيّة. جرى تداول الفيديو على نطاقٍ واسعٍ في عام 2019 بعد نشر نسخةٍ كاملة منه على الإنترنت تظهر الرّجال يُعذّبون المدني السوري محمد طه إسماعيل العبد الله والمعروف باسم حمادي البوطة، ويقطعون رأسه ويُمثّلون بجثته. كانت المجموعة الإعلاميّة الروسية المُستقلّة، نوفايا غازيتا (Novaya Gazeta)، هي أوَّل مَن حدّد الجُناة في الفيديو بوصفهم أعضاء في مجموعة “فاغنر” بعد أن قامت بتحقيق مفصّل. وبناءً على الأدلّة التي جمعتها المجموعة الإعلاميّة في بحثها الاستقصائي، تولّت ثلاث مُنظّماتٍ غير حكوميّةٍ وهي المركز السوري للإعلام وحرّيّة التعبير(SCM)،والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) ،ومركز ميموريال لحقوق الإنسان صياغة وتقديم شكوى مرفوعة من قبل أخو بوطة نيابةً عن الضحيّة ضد أعضاء مجموعة “فاغنر”.

وطالبت الشّكوى ببَدء تحقيقٍ جنائيّ بناءً على الانتهاكات المزعومة وفقًا للقانون الجنائي الروسي الذي ينصّ على وجوب مُعاقبة أي مواطن روسي جنائيًّا ومحليًّا على الجرائم المُرتكبة خارج الأراضي الرّوسيّة، لا سيما جرائم القتل وجرائم الحرب والارتزاق. ونظرًا لأنّه لم يُحاكم الرّجال الذين تمّ تحديدهم في الفيديو وكذلك لم تُحاكم مجموعة “فاغنر” في سوريا، دفعت الشّكوى بوجوب إجراء تحقيق حول دور “فاغنر” في سوريا في إطار روسي . وعقب تقديم عدّة شكاوى وطلبات حصول على معلومات والتّأجيل في نظر الشّكوى، أعلنت محكمة مقاطعة باسماني في موسكو يوم 18 يناير 2022 رفضها للشّكوى، مدّعيةً أن عدم اتّخاذ لجنة التحقيق أي إجراءٍ بشأن هذه القضية كان له ما يُبرّره. وبرَّرت المحكمة أنّ الشّكوى لم تثبت أركان الجريمة وأن حُجّة تورُّط مواطنين روس في جريمة القتل غير مُؤكَّدة. وقد استُؤنف القرار في محكمة مدينة موسكو، التي أعلنت بعد فترةٍ وجيزةٍ أنّها ستُؤيّد القرار لأسبابٍ مُماثلة.

وبهذا استُنفد المسار القضائي المتاح لهذه القضيّة بالتّحديد داخل روسيا، وأظهرت الإجراءات أنّه من المُحتمل عدم نجاح مثل هذه القضايا. وبما أنّ قرار المحكمة الرّوسيّة كان مُتوقّعًا، فالسّعي هنا وراء الهدف الأكبر للشّكوى مُتمثِّلا في دعم القضيّة مِن خلال المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان. وكما صرّح إيليا نوفيكوف، أحد المُحامين الذين قدَّموا الشّكوى: “ما تُعلنه لنا المحاكم الروسيّة لا يُمثّل فَرقًا كبيرًا لدينا. سنُواصل مُحادثتنا بشأن الأُسس الموضوعيّة للقضيّة مع السّلطات الرّوسيّة عبر محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في ستراسبورج بطريقةٍ أو بأخرى.”

التّداعيات

تمتدّ تداعيات الشّكوى إلى ما هو أبعد مِن اكتساب الحقّ في التقدّم إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لتوضيح عدم رغبة الدولة الرّوسيّة في مُتابعة المُساءلة عن هذه الجرائم. استُخدمت هذه الشّكوى داخل روسيا لإثارة اهتمام الرأي العام بشأن موضوع التدخّل في سوريا، الذي أخذ في التراجع عن دعمه للتدخل، رغم أن هذا لم يسفر عن تشكيل ما يمكن اعتباره حركة مناهضة للحرب، لا سيما في ضوء اعتماد روسيا على المرتزقة بدلًا من قوات الدولة. كما عززت الشكوى المحادثات الناشئة بشأن الوضع غير الرسمي لمجموعات المرتزقة في روسيا، والنظر في مشاركتهم المتزايدة في التدخّلات خارج البلاد. كان الخطاب حول وضع “فاغنر” داخل روسيا يُهيمن عليه المرتزقة السّابقون وعائلاتهم الذين يسعون إلى الحصول على حقوقٍ مماثلة، إن لم تكُن الحقوق نفسها، لتلك الممنوحة للمُقاتلين الذين تدعمهم الدولة لتعزيز أهداف روسيا في الخارج. بيد أنّ هذه القضية تُضيف إلى هذا الخطاب منظور الضحايا السّوريين لانتهاكات حقوق الإنسان على أيدي هؤلاء المرتزقة.

وعلى الرغم مِن التقدّم الإيجابي، تظلّ هذه المحادثات داخل روسيا محدودة نسبيًّا، مع زيادة قمع نشطاء حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين. وقد استهدف قانون الوكلاء الأجانب مُؤخّرًا مركز ميموريال لحقوق الإنسان، وهو المُنظّمة الروسية الوحيدة غير الحكومية التي كانت ضمن المنظمات الثلاث المدعمة للشكوى، وبهذ أجُبرت أحد أبرز منظمات حقوق الإنسان في روسيا على الإغلاق في أواخر عام 2021. وبالتالي، فإنّ مثل تلك الشّكاوى التي نتحدّث عنها تُثبت أيضًا الوضع المُتردِّي للمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين داخل روسيا.

وتُشير طبيعة هذه القضية إلى تعقيد مُساءلة الجهات الفاعلة غير الحكوميّة بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان، فمُعظم الأنظمة القانونيّة الحالية غير مُجهزةٍ للتّعامُل مع الأساليب المُتغيِّرة للحروب، والتي تعتمد على نحو متزايدٍ على الوكلاء والقوات شِبه العسكريّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ مُحاسبة مُرتكبي جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان، لا سيما عندما يستمرّ هؤلاء الجناة في التمتّع بالسّلطة، هي عمليّةٌ صعبةٌ ومحدودة. توفر إجراءات العدالة التي اتُخذت في هذه القضية والتي وضحت في قضايا أُخرى في جميع أنحاء أوروبا وسيلة واحدا على الأقل للتعامُل مع الانتهاكات. ونظرًا لأن هذه القضية هي الأولى من نوعها، فقد فتحت الباب لإمكانية مواجهة الإفلات مِن العقاب الذي يتمتّع به المرتزقة ليس فقط في السّياق السوري، بل أيضًا في الشيشان وليبيا وأوكرانيا وأماكن أخرى أيضًا.

إنّ الإجراءات القانونيّة ليست السّبيل الوحيد لمواجهة إفلات الشّركات العسكريّة الخاصّة مِن العقاب، فقد استهدفت العقوبات الأمريكيّة يفغيني بريغوجين، وهو رجل أعمال ذو صلة بالكرملين، ويُعتقد بأنّه يُموّل شركة “فاغنر” العسكرية الخاصّة. وبينما كانت العقوبات الأمريكية تُحقِّق في التدخّل الروسي في انتخابات الولايات المتحدة لعام 2016، تمّ الاستشهاد بالقضية السورية الواردة في هذا التحليل في قرار الاتحاد الأوروبي بإعلان فرض عقوبات على مجموعة “فاغنر”، إلى جانب ثلاث شركاتٍ وسبعة أفرادٍ مرتبطين بها، لارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وفي الآونة الأخيرة، فرضت المملكة المتحدة أيضًا عقوبات على مجموعة “فاغنر”، بعد الإبلاغ عن تكليفها باغتيال الرئيس الأوكراني زيلينسكي.

نظرة مُستقبليّة

من الجدير بالذكر أنّ المُنظّمات غير الحكومية والمحامين الذين قدَّموا الشكوى لم يتَّخذوا بعد الخطوات التالية المتاحة للجمهور. ومع ذلك، أوضح المركز السوري للإعلام وحُرّية التعبير أنّه سيُواصل السّعي لتحقيق المساءلة لصالح عائلة بوطة. وعقب قرار المحكمة، أعلن مازن درويش مُؤسِّس ومدير المركز السوري: “سنُواصل جهودنا في السّعي لتحقيق العدالة للأسرة… وجميع الضحايا الآخرين، حيث سيجرى دراسة المزيد من الخيارات القانونية، وليس بالضرورة من خلال المحاكم الروسية. “

ورغم أنّ هذه القضية لم تُسفر عن أي تحقيقٍ أجرته روسيا بشأن مجموعة “فاغنر”، فإنّها كانت خطوة أولى ضرورية تجاه مُحاسبة المسؤولين عن تعذيب أحد المدنيين وقتله. وهذه القضيّة ليست سوى قمة جبل الجليد بالنسبة للسوريين الساعيين إلى تحقيق العدالة، إذ تعرّض السوريون للتعذيب على أيدي القوات العاملة بالوكالة، والجهات الفاعلة غير الحكومية؛ مثل الشركات العسكرية الخاصة و”داعش” غيرهم، إضافة إلى الدولة السورية. هذه الانتهاكات لم تبدأ فقط مع الصراع الحالي؛ إذ أن هناك أجيال مِن السوريين لم يحصلوا بعد على العدالة في الجرائم التي ارتكبت في حقهم في ظلّ نظام الأسد قبل الثورة السورية وفي عهد حافظ الأسد أيضًا. وبالطبع توجد عقبات كبيرة أمام تحقيق المساءلة، وهذا يتّضح جليا في حالة المرتزقة. كما أثبتت هذه القضيّة أن مُتابعة المساءلة عن جرائم الشركات العسكرية الخاصة يجب أن تنطوي على فكر إبداعي جديد ورؤية للمستقبل، ولابد من تكملتها باستخدام أدوات وسُبل بديلة.