Facebook graffiti defaced during "Second Day of Rage " demonstration on May 27, 2011 in Tahrir Square in downtown Cairo, Egypt. (Photo by Kim Badawi/Getty Images)
تعليق

مِن أداةٍ للحرية إلى وسيلةٍ للقمع: ماذا حدث للإنترنت منذ “الربيع العربي”؟

في عام 2011، وعلى جدارٍ بالقُرب مِن وزارة الداخلية في تونس، رَسَمَ المُتظاهرون على الحائط  شعارشكرًا فيسبوكإشارة إلى الدور الذي لعبته منصَّات التواصُل الاجتماعي في تمكين النشطاء من تنظيم الاحتجاجات وتغطيتها ونشر المعلومات على مُستوى العالم. وعلى الرغم مِن أنّ وسائل الإعلام الدولية وغيرها من المحللّين والمُراقبين الدوليين قد بالغوا في طرح هذا الدور وتبسيطه، إلّا أنَّ الربيع العربي بلا شكّ يُعد لحظة تاريخية مفصليّة ساهمت في تشكيل وتعزيز دور الإنترنت كعنصر أساسيّ لممارسة حقوق الإنسان في عصرنا الرقمي.

ولكن الانتفاضات العربية اتَّخذت، بما فيها الفضاء المدنيّ على الإنترنت، في البحرين ومصر وليبيا وسوريا واليمنوعبر العالم العربـي بالمجمل وباستثناء تونسمنعطفًا كارثيًّا. حيث أيقنت الديكتاتوريات، قديمُها وحديثها، أهمية هذا الفضاء وتعلَّمت بسرعةٍ كيفيّة تسليحه واستغلاله ضد المواطنين/ات لقمع كافة أشكال التعبئة والمُعارضة السياسية، سواءً عبر الإنترنت أو على الأرض.

وتزامناً مع الذِّكرى العاشرة للربيع العربي، نقف هنا لنستعرض مدى تزايُد استبداد الفضاء الرقمي والتّكتيكات التي أضافتها الحكومات العربية الدكتاتورية إلى قواعد اللُّعبة منذ ذلك الحين.

تجريم الخطاب عبر الإنترنت

منذ بدء الربيع العربي، عملت الأنظمة العربية على ضمان عدم ظهور أية حركات اجتماعية أو سياسية مرَّة أخرى، وسعت تحتَ ذريعة ما يسمّى بمكافحة الإرهابوحمايةالأمن القوميّإلى إثارة الخوف ولجم وسائل ومؤسسات الإعلام المُستقلّة وتنظيم حملات التضليل والتشهير ومضايقة الصحفيين/ات والنشطاء/ات والمواطنين/ات واعتقالهم على خلفية منشوراتهم  على الإنترنت.

وأصبحت التشريعات القمعيّة مثل قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية حجر الزاوية القانوني للقمع عبر الإنترنت. ففي مصر على سبيل المثال، قامت نيابة أمن الدولة العليا، وهي فرعٌ خاصٌّ عن النيابة العامّة المسؤولة عن ملاحقة الجرائم المتعلّقة بالإرهاب وأمن الدولة، بمقاضاة النشطاء/ات والصحفيّين/ات والمحامين/ات المصريّين/ات وغيرهم بتُهمٍ باطلة عارية عن الصحة مثل مساعدة او الانضمام إلى جماعات إرهابية ونشر الأخبار الكاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصُل الاجتماعي وذلك بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2015، وقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لعام 2018 بالاضافة إلى قانون العقوبات. وامتدّ هذا القمع باستخدام قانون الجرائم الإلكترونية في الآونة الأخيرة ليطال الخطاب غير السياسي أيضاّ كما حصل في  قضية  فتياتالتيك توك اللاتي تمّت مقاضاتهنّ وسجنهنّ بتُهمةالاعتداء على  قيم الأسرة المصرية“.

وفي البحرين، قد  تُؤدّي التغريدات إلى السجن لمدة خمس سنوات. في قضية المُدافع البارز عن حقوق الإنسان نبيل رجب أيَّدت محكمة الاستئناف في البحرين عام 2018 حُكمها بالسّجن لمدة خمس سنواتٍ بسبب تغريدات نشرها أو أعاد نشرها ضدّ الحرب في اليمن والتعذيب في سجن جو. أما في العراق، فقد لجأت الحكومة والميليشات إلى حملات التشهير والاغتيالات لإسكات أولئك الذين يجرؤون على تجاوُز الخطوط الحمراء كما حصل مع الطبيبة والناشطة العراقية ريهام يعقوب التي اغتيلت بالرّصاص على أيدي الميليشيات المسّلحة في سيارتها بسبب ارائها ونشاطها المُناهض لانتهاكات حقوق الإنسان.

ويُعدّ حظر المواقع الإلكترونية ممارسةً شائعةً أخرى للرقابة في جميع أنحاء المنطقة. ففي مصر، تعرَّض أكثر مِن 600 موقعٍ إلكتروني في البلاد إلى الحظر منذ عام 2017، لا سيّما تلك المواقع الإلكترونية الإعلامية المُستقلّة والمواقع الخاصّة بجماعات الدفاع عن حقوق الإنسان وكذلك المواقع المرتبطة بالإخوان المسلمين. وفي الأردن، حجبت الحكومة نحو 291 موقعًا إلكترونيًّا بما في ذلك مجلّة كويرية. وقد تشعّب حجب المواقع الإلكترونية والرقابة في المنطقة حتى اتخذ منحى جيوسياسيّ. فعلى سبيل المثال، تحجب كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة والبحرين ومصر المواقع الإلكترونية التابعة لإيران أو القادمة منها، كما تحجب أيضاً المواقعَ الإلكترونيةَ الإعلاميةَ التابعةَ لقطر مثل قناة الجزيرة العربية وقناة الجزيرة الإنجليزية وقناة الجزيرة الوثائقية، وغيرها الكثير.

حجب الانترنت 

خلال أيّام الاحتجاجات الجماهيرية عام 2011، أمرت الحكومات في البحرين ومصر وليبيا وسوريا شركات الاتصالات بقطع الإنترنت وذلك لتعطيل تدفّق المعلومات وشلّ  المُتظاهرين عن التواصُل.

تُواصِل الحكومات العربية استخدام هذا التكتيك، لا سيّما أثناء الانتخابات والاحتجاجات الشعبية وامتحانات المدارس الوطنيّة. ففي أكتوبر 2019 على سبيل المثال، قطعت حكومة العراق الإنترنت على فتراتٍ مُتقطِّعةٍ لأكثر مِن 50 يومًا وسط احتجاجاتٍ حاشدةٍ مناهضةٍ للحكومة قُتل خلالها أكثر مِن 23 مدنيًّا واعتُقِل كثيرون آخرون. وبالمثل، في عام 2018، ومع تصاعد الاحتجاجات الجماهيرية، منعت السلطات السودانية الوصول إلى منصّات التواصُل الاجتماعي خاصةً فيسبوك و واتساب وتويتر.

كان ولا يزال حجب  الإنترنت، وهو  عمل غير مشروع  بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، أحدَ أشكال العقاب الجماعي، كما حدث في البحرين عام  2017 عندما حجبت الحكومة الاتصال في قرية الدراز الشيعية كل ليلةٍ بين الساعة 7 مساءً و1 صباحًا لمدة عامٍ كامل، والذي يعد أطول عمليات حجب الإنترنت في العالم.

وتلجأ الحكومات على نحو متزايدٍ إلى إجراءات أكثر ضبابيّةً وأصعب إثباتاً مثل إعاقة توصيل خدمات الإنترنت أو إبطائه. وقد استخدمت الحكومة الأردنية هذا التكتيك مرارًا وتكرارًا، وتحديدًا إعاقة البثّ المُباشر على منصة فيسبوك، مِن أجل منع المواطنين مِن التصوير وتبادُل المعلومات، لا سيّما في أثناء الاحتجاجات.

ولاتزال بعض تطبيقات الهواتف المحمولة محظورة تمامًا في في عدد من الدول العربية، ممّا يُجبر مستخدمي الإنترنت على أن يستخدموا منصّاتٍ محددّة ومُعتمدة مِن قبل الحكومة والمُستخدمة للمراقبة الجماعية. حيث تحظر الإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عُمَان بصفةٍ دائمةٍ تطبيقات واتساب وسكايب وفيس تايم ولا تزال تواصل حظرها على الرغم مِن استمرار جائحة كوفيد 19 وحاجة  العديد من المجتمعات إلى الاتصال والتواصُل.

المُراقبة والتجسس عبر الإنترنت

 استثمرت الحكومات العربية ملايين الدولارات لشراء  تكنولوجيات المراقبة وبرامج التجسُّس الخبيثة لاستهداف المُدافعين/ات عن حقوق الإنسان والنشطاء/ات على الإنترنت. ومِن أشهر تقنيات برامج التجسُّس التي تستخدمها الأنظمة العربية هو برنامج التجسّس بيجاسوسالتابع إلى مجموعةإن إس أو والذي  يعتمد على تقنيّة خفيّة خبيثة، مُتطوِّرة واجتياحيّة“. يعمل برنامج التجسُّس هذا على تحويل الهواتف المُخترقة إلى أجهزة جواسيس صغيرة في جيوب المُستخدمين. وبمجرِّد تثبيته، يسمح بالوصول إلى البيانات الخاصّة بالشّخص المُستهدَف، ويشمل ذلك قائمة جهات الاتّصال وكلمات المرور ورسائل البريد الإلكتروني والرّسائل النَّصِّيَّة والمُكالمات الصّوتية والتقويم وسِجل التصفُّح. ويُمكنه أيضًا تشغيل كاميرا الهاتف والميكروفون للتجسّس على الشّخص المُستهدَف دون علمه. وقد عُرف الاستخدام سيّء الصيت لهذا البرنامج للتّجسّس على المُدافع عن حقوق الإنسان أحمد منصور في الإمارات وكذلك النشطاء السعوديين في المنفى بمَن فيهم زملاء جمال خاشقجي. كما اسْتُخدِم مُؤخَّرًا لاستهداف الناشط والصّحفي المغربي عمر راضي الذي يُواجِه حاليًّا تُهمًا كاذبةً بالتجسُّس والاعتداء الجنسي.

وأثارت أحداث الرَّبيع العربي جولة من المناقشات الدوليّة حول ضرورة إقرار ضوابط أقوى لـ تصدير تكنولوجيا المراقبة الرقمية. وبعد سبع سنواتٍ من بدء هذه المحادثات، وفي أعقاب القتل الوحشي لخاشقجي، دعا مقرِّر الأمم المتحدة الخاصّ المعنيّ بالحقّ في حرية الرأي والتعبير، ديفيد كاي، إلىالوقف الفوري لبيع تكنولوجيا المراقبة ونقلها واستخدامها إلى حين وضع أُطُرٍ تنظيميّة مُتوافقة مع حقوق الإنسان“. ومع ذلك، فقد كان التقدُّم الدوليّ الذي أحرزه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودولٌ أخرى تجاه تحقيق الشفافيّة والعناية الواجب تنفيذها وضوابط التصدير الصارمة مُتواضعًا، بينما يستمر سوق أدوات المراقبة بالازدهار دون شفافيةٍ أو مساءلة وخاصّة مع ارتكاب الأنظمة القمعية انتهاكات ضد حقوق الإنسان باستخدام هذه الأدوات.

أولويّة الرّبح على حساب حقوق الإنسان

تستحقّ الشركات العملاقة في مجال التواصُل الاجتماعي، وبالتحديد فيسبوك وتويتر ويوتيوب، الاهتمام مجدّدًا، لكن هذه المرّة ليس للأسباب نفسها التي أشاد العالم بها عام 2011. فبعد عقدٍ من تغنّي شركات التكنولوجيا بمجدها الرفيع، حيث وصفت نفسها بأنّها مُؤيَّدة لحرية التعبير، يبدو أنّها أدارت ظهرها للنشطاء والناشطات العرب. فغالبًا ما أدَّت السياسات والإجراءات التعسّفية وغير الشفّافة لإدارة المحتوى، والتي تتعامى عن السياقات المحلية والاقليمية لغوياً وسياسياً، إلى كتم وحذف الخطاب السياسي وخاصة للجماعات المُضّطهدة.

وهكذا تمَّت إزالة محتوى آلاف النشطاء/ات والمُستخدمين/ات أو تعليق حساباتهم/نّ دون إبداء أي تفسيرٍ بدايةً مِن سوريا إلى مصر، ومِن تونس إلى فلسطين. فعلى سبيل المثال، قامت شركة فيسبوك بإيقاف آلاف الحسابات السورية المُناهضة للأسد والتي تُوثِّق جرائم حرب منذ عام 2011 وذلك بحجَّة إزالة المُحتوى الإرهابي عن المنصَّة. وبالمثل، قام يوتيوب بمسح أرشيفات أدلَّة وتوثيقات لانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام السوري على مدار الأعوام الماضية.

وفي المقابل، تستسيغ منصَّات التواصل الاجتماعي أن تكون مرنةً مع الحكومات والديكتاتوريين، في حين اخترقت المملكة العربية السعودية مقرّ شركة  تويتر في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تجنيد اثنين مِن مُوظّفي الشركة للتجسّس على المُعارضين/ات السعوديين/ات ومشاركة بياناتهم/نّ الخاصّة مع الحكومة السعودية. أصبحت هذه الشركات تتمتَّع بقوةٍ كبيرةٍ لا يُقيَّدها أحد في تحديد مَن يُمكنه التحدُّث على منصّاتها ومَن لا يُمكنه ذلك.

الموروثات والنضالات غير المُكتملة

لاشك بأن الأوضاع الحاليّة في المنطقة قاتمة وسوداوية، لكن لا يزال هناك ثمّة أمل. ومع أنّ الأنظمة الحكوميّة تُواصِل تشديد الخناق على مساحات الفضاء المدنيّ وحريّات الإنترنت، يستمرّ النشطاء/ات والمُدافعون/ات عن حقوق الإنسان ومُنظّمات المجتمع المدني في دفاعهم عن حقوق الإنسان ومِن أجل إنترنت حرّ وآمنٍ ومفتوحٍ.

وعلى حدّ تعبير أنجيلا ديفيس، النّاشطة والباحثة مِن أصول أمريكية إفريقية، فإنّموروثات النضالات الماضية ليست ثابتةً. وإن كانت تلك الموروثات ذات معنىً راسخ فيتوجّب عليها تطوير استراتيجيات وتقنيّات جديدة للنّضال“. ومن هذا الباب، يُعدّ إرث الربيع العربي اليوم بمثابة تذكيرٍ عاجلٍ للحكومات والشركات الخاصَّة والمنظَّمات الدوليّة لكبح الموجة المُتزايدة مِن الاستبداد الرقمي والدفاع عن حقوق الإنسان في العصر الرقميّ الذي نعيش فيه.

نُشِر هذا المقال بوصفه جزءًا مِن مشروع معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط عشر سنواتٍ على التنظيم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا“.