People take part in a Trans freedom march for victims of transphobic hatred on November 20, 2021 in Rome, Italy. (Photo by Simona Granati - Corbis/Corbis via Getty Images)
تعليق

‎⁨عابر جنسيا في مصر-تقتله البيروقراطية الطبية

.here Read this article in English 

في العشرين من نوفمبر من كل عام يدشن مجتمع العابرين/ات جندريا العالمي حملات لمناهضة والتعريف بجرائم الكراهية التي يروح ضحيتها سنويا عشرات العابرين/ات حول العالم. تنتج المنظمات إحصائيات عن عدد الأفراد العابرين/ات جندريا الذين تعرضوا للقتل أو دُفعوا للانتحار كونهم/ن عابرين/ات جندريا. تنطلق المسيرات المناهضة لرهاب العبور الجندري ويضيء الأفراد شموعا لضحايانا للتذكير بقصصهم والتنديد بقتلهم في محاولة لتحقيق العدالة التي لم يحصلوا عليها.

لكن هل يقتلنا الرصاص فقط!

دائما ما تعلق في أذهاننا القصص الأكثر قسوة ووضوحا التي يتعرض فيها فردا عابرا للقتل على خلفية هويته الجندرية. تلك القصص التي يكون طرفاها معروفين، قاتل ومقتول، جاني وضحية. لكن ماذا لو كان هناك ضحية تواطأت لقتلها منظومة كاملة!

تعتبر الصحف المصرية أن مصر بها متنفس طبي وقانوني واجتماعي للعابرين/ات جندريا، مقارنة بباقي دول المنطقة، حيث ظهر في السنوات الأخيرة عدد من الأفراد العابرين/ات معلنين عن هويتهم/ن. كذلك تعتبر الصحف أن مصر لديها نظام إجرائي طبي يعطي للعابرين/ات جندريا الحق في الحصول على تقارير طبية وموافقات نقابية، وإجراء جراحات تصحيحية واستخراج بطاقات شخصية تحمل هويتهم الجديدة.

لكن

كامرأة مصرية عابرة جندريا بدأت إجراءات التصحيح الجنسي منل 7 أعوام تقريبا ولم أنتهي منها بعد. أستطيع أن أوضح أننا لا نملك ذلك المتنفس الذي تدعيه البروباجندا الإعلامية، بل على النقيض تماما، نتعرض يوميا لأستهداف وعنف مجتمعي. ونظرا للفراغ التشريعي فيما يخص الحق المدني للعابرين/ات جندريا، لا نملك القدرة على مقاضاة أي شخص يرتكب في حقنا جريمة. بل قد نتعرض للاعتقال بموجب مواد القانون 10 لعام 1961 الخاصة بمكافحة الفجور التي يعاقب على خلفيتها الرجال مثليي الجنس والنساء العابرات جنسيا. وفقا لتقرير أصدرته “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” عام 2017 بعنوان “المصيدة”، فقد ألقي القبض على 232 شخصا، ما بين رجال مثليي الجنس ونساء عابرات جندريا بداية من النصف الأخير من عام 2014 وحتى عام 2017.

وفي ما يخص الموافقات الطبية، فإن اللجنة النقابية المسؤولة عن جراحات تغيير الجنس، وهي لجنة “تصحيح الجنس”، تتكون من عدة أطباء من مختلف المجالات الطبية يتوسطهم “شيخ”، وهو أمر لابد منه لتحافظ نقابة الأطباء على ماء وجهها عبر التشبث بالسلطة الدينية. وفي الشهور الأخيرة من عام 2018، توقفت المستشفيات الحكومية التي تصدر تقارير طبية للعابرين/ات لتحويلهم إلى النقابة وبتغيب عضو الأزهر لعدة سنوات منذ عام 2013 وحتى عام 2019 توقفت اللجنة تماما عن ممارسة عملها و توقفت عن اعطاء الموافقات للعابرين/ات جندريا، وتم وضعنا على قائمة انتظار لسنوات وسنوات حتى توقفت حياتنا تماما. وأثناء ذلك، لجأنا مضطرين الى الأطباء الخاصين، ووافقنا على الخضوع لجراحات تصحيح الجنس في السر لعدم وجود أي بديل آخر، دون الحق في الحصول على رعاية طبية ودون القدرةا على مقاضاة الطبيب إذا ما حدث خطأ في الجراحة أدى إلى تشوهات، و هو ماتعرضت له بالفعل امرأة عابرة جندريا في عام 2019، اضطرت بعدها للخضوع لعدة جراحات لتصحيح ذلك الخطأ.

وفي الثامن والعشرين من أغسطس حدث ما تخطى مخاوف التشوهات الناتجة عن أخطاء الأطباء الخاصين وهو وفاة العابر جندريا “أحمد فارس” المعروف بأسم “عز” بعد أسبوع من إجرائه جراحة لتصحيح الجنس على يد طبيب خاص يدعى “أشرف السباعي”.، عز كأي شخص عابر جندريا في مصر، يدرك جيدا أنه لا يملك القدرة على الحصول على تقرير طبي حكومي، و لن يحصل على موافقة من النقابة التي حتى بعدما عادت للعمل مرة أخرى في عام 2019 أعطت موافقات لمزدوجي الخصائص الجنسية “انترسكس”، و رفضت أن تعطي موافقات لرجال/نساء عابرين/ات جندريا، متحججة بعدم توافقهم شكليا مع المعايير المجتمعية للرجال والنساء، وهو ما يتنافى طبيا وعلميا مع المرجع الطبي الذي ترتكز عليه لجنة تصحيح الجنس. قرر عز أن يخضع لجراحة تصحيح جنسه في مستشفى خاص ليستطيع أنا يبدأ حياته وأن يعمل ويؤجر منزل يعيش تحت سقفه كأي عابر/ة جندريا تخلت أسرته عنه. استطاع أن يعمل في بعض الوظائف التي وفرها أصدقاؤه له، و رغم ذلك واجه عز عقبات اجتماعية كتعرضه للسرقة و العنف البدني من بعض الأشخاص الذين حاولوا السطو على محل عمله. وبعد فترة من التنقل في الوظائف الشاقة، استطاع عز أن يجمع من المال ما يكفي لأن يخضع للجراحة.

بعد خضوع عز لأولى جراحات تصحيح جنسه، أُجبر على الخروج من المستشفى بعد مرور يوم واحد فقط بسبب تخوف الطبيب الذي أجرى له الجراحة من أن تمر لجنة تفتيش وتجده قد أجرى جراحة لرجل عابر جنسيا دون حصوله على الموافقة النقابية. ورغم خطورة الجراحة وعدم استقرار حالته الصحية أُجبر عز على الخروج من المستشفى ونظرا لعدم قدرته على العمل وعدم توافر فرص العمل للعابرين/ات جندريا في مصر، تنقل عز بين منازل أصدقائه وتفاجأ الجميع بعد مرور أيام قليلة على إجرائها الجراحة بانتشار خبر وفاته بعد أيام من المضاعفات الجسدية ولنزيف الداخلي.

لاقى خبر وفاة عز انتشارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي وتمت تغطيته صحفيا في العديد من المواقع الإخبارية مع ذكر اسم الطبيب و المستشفى الخاص الذي أُجرىت فيه الجراحة. ورغم ذلك لم تتحرك نقابة الأطباء المصرية ضد ذلك الطبيب، رغم كونها سببا رئيسيا بتعنتها وتوقفها البيروقراطي في خضوع عز لتلك الجراحة على يد طبيب خاص لا يتمتع بالكفاءة ولا المهنية لإجراء مثل تلك الجراحات. ولم تحقق الجهات المختصة في واقعة قتله غير المباشرة كما تحقق في قضايا ملفقة لنساء عابرات تم اتهامهن بممارسة الفجور فقط لاختلاف تعبيرهن الجندري. ولم يتناول الإعلام المصري وفاة عز كما يتناول الدعم الصوري من الدولة للعابرين/ات جندريا. لم يحرك أحد ساكنا وسرعان ما تم نسيان تلك القضية و نسيان عز معها! لذلك، نذكركم اليوم بعز ومعاناته وقضيته التي هي قضية كل العابرين/ات جندريا في مصر، لكنه وحده دفع ثمن تسليط الضوء عليها غاليا.

 إن جرائم الكراهية المباشرة، كالقتل بالرصاص، تؤرخ ونستمر في الحديث عنها كلما مرت السنين لكي يتذكر المجتمع الجاني والضحية على حد سواء، ويوضع كل منهما في المنزلة التي يستحقها، فتمجد الضحية و يوصم الجاني.باستمرارنا في الحديث عن تلك الجرائم، عرف العالم قصص لنساء ورجال عابرين/ات واجهوا الرصاص والذبح والضرب كونهم أنفسهم. وسنؤرخ أيضا وبعناية قصص من استهدفتهم المنظومة كاملة، وتواطأت لقتلهم بالتعنت والرفض والبيروقراطية وفرض صعوبات على الدراسة والعمل وحتى الحق في الاعتراف القانوني بهم/ن كأشخاص، لا لشئ إلاا لتحقيق العدالة و حماية الآخرين من أن يكونوا قصة مأساوية أخرى تكتب في تاريخ العابرين/ات في المنطقة. اليوم سنتذكر سوزي العابرة جنسيا اللبنانية التي قتلها الحرمان من العمل وفرض الأعباء الاقتصادية وعدم وجود مأوى تحتمي بها كونها عابرة. ونتذكر عز الذي قتلته منظومة كاملة تستهدف العابرين/ات جندريا على كل المستويات، وسنتذكر كل من قتلتهم البيروقراطية والتعنت وقطع السبل ليكونوا من اليوم شعلة نرفعها في وجه الأنظمة في طريق النضال.