مع حلول الذكرى الخامسة للتفجير الذي عصف بالعاصمة اللبنانية بيروت، ما زالت عائلات الضحايا تخوض معركة مستمرة منذ خمس سنوات سعياً وراء العدالة والمحاسبة، وإحياء ذكرى أحبائها. إن الأحداث التي أدت إلى تخزين مادة نترات الأمونيوم ذات الدرجة العسكرية في المرفأ بطريقة غير آمنة، ثم وقوع الانفجار، وما أعقب ذلك من تدخلات سياسية محلية في مسار التحقيق، كشفت بوضوح مدى تغلغل الفساد في بنية الدولة. فقد أدى هذا الفساد إلى تجميد التحقيق وتعطيله لأشهر وسنوات. ومع ذلك، وللمرة الأولى منذ أعوام، يلوح بصيص أمل وفرصة ضئيلة للمساءلة، مع وجود مؤشرات إيجابية من الحكومة الجديدة في البلاد نحو بلوغ هذا الهدف.
وكان المعهد قد أجرى مقابلة مع المحامية اللبنانية تانيا ضو علم، التي فقدت زوجها وشريك حياتها على مدار عشرين عام جان-فريدريك علم في التفجير، والتي أُصيبت هي نفسها بإصابات بليغة في الحادث نفسه. ومنذ ذلك اليوم، وهي تناضل بإصرار من أجل الحقيقة والمساءلة، ليس فقط عمّا وقع لعائلتها، بل لما جرى لمئات العائلات الأخرى.
هل يمكنك أن تروي لنا قصتك؟ وكيف أثّر تفجير مرفأ بيروت عليكِ وعلى عائلتك؟ وكيف انعكست تداعياته على حياتك منذ ذلك الحين؟
لقد غيّر تفجير بيروت حياتي إلى الأبد. أُصبت بجروح، وفي غمضة عين فقدت زوجي، كان ذلك أسوأ يوم في حياتي. فقد أطفالي والدهم، وفقدت أنا شريك حياتي، لم يعد شيء كما كان من قبل، فالحياة قبل التفجير شيء وبعده شيء آخر.
قصتي هي قصة امرأة خرجت من منزلها لزيارة الطبيب، وطلبت من زوجها أن يرافقها، لكنها عادت إلى أطفالها وحيدة. ثمة صور محفورة في ذاكرتي إلى الأبد: رأيته ينزف بغزارة وكنت عاجزة تماماً عن إنقاذه، لقد امتزج دمي بدمه.
كانت الشوارع مدمَّرة، تغصّ بالجرحى الذين يحاولون التحرك بصعوبة، لقد كان المشهد أشبه بنهاية العالم ـ هذا هو الوصف الأقرب لما شاهدته وأحتفظ به في ذاكرتي حتى الآن.
باتت كل نافذة تهديداً محتملاً اليوم، لأنني رأيت الدمار يقتحم حياتنا ويتركنا مثخنين بالجراح. وكل صوت يشبه دويّ الانفجار يذكّرني بالصدمات التي لم ننجُ منها بعد.
كعائلات للضحايا، ما هي أبرز العقبات التي واجهتكم في سبيل تحقيق العدالة والمساءلة؟ وهل تلقيتم أي مستجدات ملموسة من السلطات؟
كانت هناك عدة عراقيل على المستوى المحلي، أبرزها التدخلات السياسية، مثل رفض البرلمان السابق عام 2021 رفع الحصانة عن النواب الذين أراد قاضي التحقيق طارق بيطار استجوابهم، أو قيام وزير الداخلية الأسبق بمنع بيطار من تنفيذ بعض مذكرات التوقيف. كما واجهنا عراقيل قضائية، تمثّلت في تعطيل التعيينات القضائية، وتوالي الطعون والدعاوى المرفوعة ضد بيطار من قبل أشخاص شملهم التحقيق، إلى جانب محاولات متكررة لعزله، هدفت جميعها إلى تعطيل التحقيق وأدّت عملياً إلى تجميده لسنوات.
لم نتلقَّ أي دعم من السلطات، على العكس، قوبلنا بالممانعة على كافة الأصعدة، ولم نشعر يوماً أنّ صوتنا مسموع أو أنّ قضيتنا قضية وطنية. الآن في ظل وجود رئيس وحكومة جديدين، لا نملك سوى التمسك بفكرة تغيير حقيقي. لكن المساءلة تظل مجرد فكرة ما دام أهل السلطة يتبادلون الحماية ويتنصّلون من المسؤولية. لقد سئمنا الوعود المتكررة، ما نحتاجه اليوم هو إجراءات فعلية على أرض الواقع.
أما على المستوى الدولي، فقد توقعت العائلات تفهماً أكبر ودعماً أوضح. ففي عام 2023، تحركنا من أجل إنشاء بعثة تقصّي حقائق تابعة للأمم المتحدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالتفجير، لكن ذلك لم يتحقق. ومع ذلك، ظلت توقعات العائلات قائمة في أن يعترف المجتمع الدولي بحجم الكارثة ويمارس ضغطاً حقيقياً على السلطات لإنهاء التدخلات السياسية. إلا أن ما بدا لنا كان أقرب إلى اتفاق صمت جماعي، صمت غير معلن بين الدول، لتجنّب الحديث عن التفجير أو تسمية المتورطين أو تحميلهم المسؤولية أو ملاحقتهم.
العدالة تعني في المقام الأول إعلان الحقيقة على الملأ، ووجوب خضوع جميع الأفراد والجهات المتورطة على كل المستويات للمحاسبة القانونية. من لحظة استقدام الباخرة المحملة بنترات الأمونيوم ذات الدرجة العسكرية وصولاً إلى الظروف التي أفضت إلى التفجير، يجب أن تشمل المساءلة كل إهمال أو فعل له علاقة بالكارثة.
أنتِ إحدى المدّعيات في الدعوى القضائية التي رفعها أهالي الضحايا في ولاية تكساس الأميركية عام 2022، لماذا قررتم اللجوء إلى القضاء الأميركي؟ وما أهمية هذه القضية، وماذا تأملون أن يتحقق من خلالها؟
نحن نؤمن بأن استراتيجية فتح مسارات جديدة عبر رفع دعاوى قضائية في ولايات قضائية متعددة خارج لبنان أمر بالغ الأهمية، لأن الدعاوى الخارجية لا تواجه عقبات مثل تلك الموجودة في الداخل، ناهيك عن وجود نطاق تحقيقات أوسع، وآليات مساءلة أفضل. كما أن هناك أملاً في أن تسهم هذه القضايا في كشف المزيد من الحقائق والوصول إلى معلومات قد تُستخدم لاحقاً لفتح قضايا أخرى في محاكم مختلفة. ومن بين هذه الدعاوى، القضية المرفوعة في أوستن ـ تكساس، والتي تخصّ ضحايا مواطنين أميركيين أو من حملة الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة.
وكان تسعة من الضحايا وأهالي الضحايا قد رفعوا دعوى مدنية للحصول على تعويض مقداره 250 مليون دولار في أوستن ضد مجموعة الخدمات الجيوفيزيائية الأميركية ـ النرويجية TGS، التي استحوذت على شركة سبيكترم (Spectrum) التي كانت قد استقطبت سفينة روسوس (Rhosus)، الناقلة لـ 2750 طناً من نترات الأمونيوم ذات الدرجة العسكرية إلى مرفأ بيروت. وبما أن شركة TGS استحوذت على سبيكترم، فهي تتحمّل تبعاتها ومسؤولياتها القانونية.
كانت سفينة روسوس غير صالحة للإبحار أصلاً. وحين وصلت إلى مرفأ بيروت، كانت محمّلة بنترات الأمونيوم. ومع ذلك، استأجرت شركة سبيكترم السفينة لنقل 160 طناً إضافية من معدات المسح الزلزالي المتجهة إلى الأردن، رغم أنها كانت قد بلغت حمولتها القصوى وتفتقر إلى التجهيزات اللازمة لحمل هذا النوع من المعدات، مما يثير تساؤلات جدّية حول طبيعة هذه الحمولة وما تلاها من أحداث كارثية.
تشير هذه القضية إلى شبكة أوسع من الأطراف التي قد تكون متورطة في التفجير، كما أن صدور حكم قضائي فيها قد يدعم مسارات قانونية أخرى تساعد في نهاية المطاف على كشف الحقيقة. وبالأساس، إذا كانت الشركة تتحمل المسؤولية، كما نعتقد، فيجب أن تتم محاسبتها بشكل كامل وفق القانون. ونظراً لحجم التدخل السياسي في لبنان، كان الهدف من هذه الدعوى هو فتح مسار في الخارج لضمان الوصول إلى العدالة.
برأيك، ما نوع الجهود التي يمكن أن تساعد عائلات ضحايا تفجير بيروت؟ وكيف يمكن للناس دعم قضيتكم؟
يمكن للناس دعم الضحايا من خلال رفع مستوى الوعي والمطالبة بالمساءلة، سواء عبر المناصرة، أو التظاهر السلمي، أو النقاشات المفتوحة. إن الاعتراف بهذه المأساة ككارثة وطنية أمر بالغ الأهمية، فالجهود الجماعية لا تضغط على السلطات فحسب، بل تقدم أيضاً دعماً نفسياً للمتضررين وتخلق مساحة للتعافي.
وعلى مستوى آخر، نتوقع أن يُصدر قاضي التحقيق قراره الظني قريباً، لكن الطريق لا يزال طويلاً، إذ سيلي ذلك جلسات المحاكمة أمام المجلس العدلي. لذلك، من الضروري دعم الجهود المبذولة نحو الشفافية والمثابرة. يجب أن نضغط جميعاً لضمان أن تبقى التحقيقات والإجراءات القضائية بمنأى عن التدخلات السياسية، وأن يتمكّن القضاة المكلفون بالقضية من العمل بحياد كامل، مع ضمان حمايتهم طوال عملية التقاضي.
يجب على لبنان أن يضع حداً لثقافة الإفلات من العقاب، فالمساءلة هي السبيل الوحيد نحو مستقبل أفضل، مستقبل يمكن فيه للناس أن يستعيدوا ثقتهم بوطن قادر على البقاء والتعافي والنهوض من جديد.
كيف نظّم أهالي الضحايا أنفسهم منذ التفجير، وما هي مطالبكم الأساسية؟
منذ التفجير، اجتمع العديد من عائلات الضحايا وشكّلوا مجموعات موحَّدة في معركة المطالبة بالعدالة. وضمن هذه الحركة الأوسع، برزت عدة مجموعات فرعية مثل: عائلات رجال الإطفاء، وجمعية ضحايا 4 آب، وتجمّع 4 آب، لكنها جميعاً تعمل بتنسيق كامل، وقد مكّنهم هذا التنظيم من تحسين آليات اتخاذ القرار وتنفيذ التحركات بشكل أكثر فاعلية.
أما على صعيد الإجراءات القانونية، فقد جرت بشكل أساسي في لبنان من خلال نقابة المحامين في بيروت ومكتب الادعاء التابع لها، ما أتاح تنسيق الخطوات القانونية. إضافة إلى ذلك، بادر الضحايا من حاملي الجنسيات الأجنبية إلى رفع دعاوى في أوروبا والولايات المتحدة.
وفيما يتعلق بالمناصرة، كان إنشاء بعثة أممية لتقصي الحقائق الخيار الأمثل في ذلك الوقت للمضي قدماً، وبُذلت جهود كبيرة لتحقيق ذلك، إلا أن هذا المسار لم يعد واقعياً في المرحلة الحالية.
أعتقد أن العائلات متفقة حول هدفين مزدوجين وتعمل لتحقيقهما: المساءلة وتخليد الذكرى، فنحن جميعاً نسعى وراء العدالة، وفي هذا المسار نبقى يقظين، مستعدين لمنع أي محاولة لتعطيل التحقيق أو تأجيله أو إخراجه عن مساره. وهذا يعني ضمان استقلالية القضاة، وحمايتهم، وتأمين حريتهم في إدارة القضية بشفافية تامة. ونحن أيضًا نراقب عن كثب أي قرارات من شأنها تقويض العملية سواء من خلال المناورات السياسية، أو تأخير رفع الحصانات، أو حجب الإخطارات، أو أي تكتيك آخر يهدف إلى تعطيل مسار العدالة.
وفي المقابل، على صعيد تخليد الذكرى، نحن بحاجة إلى الحفاظ على الذاكرة الجماعية تكريماً للضحايا، وضمان أن الدروس المستخلصة تمنع تكرار مثل هذه الكارثة. في هذا السياق، يُعتبر الحفاظ على صوامع القمح في مرفأ بيروت أمراً ضرورياً. فهذه الصوامع، رغم تضررها وانهيارها الجزئي، شكّلت حاجزاً حامياً لبعض الأحياء من التفجير. وهي اليوم تمثل شاهداً على ما حدث، ومحاولات هدمها ما هي إلا مسعى لطمس الذاكرة وإسكاتها. ولهذا، تعمل عائلات الضحايا جاهدةً لإبقائها قائمة وتحويلها إلى نصب تذكاري.وقد عُقدت اجتماعات عديدة مع خبراء أكدوا إمكانية الحفاظ على الصوامع مع إجراء بعض التحديثات في محيطها. ويأتي إعلان وزير الثقافة مؤخراً عن إدراج الصوامع في لائحة الآثار الوطنية استجابةً لمطلب عائلات الضحايا، ليشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح.