في سبتمبر عام 1982، بينما كانت الحرب اللبنانية مستعرة، تغيرت حياة وداد حلواني إلى الأبد. اختُطف زوجها عدنان لتبدأ رحلة طويلة للبحث عنه، وتكتشف سريعًا أنها ليست وحدها: مئات النساء كن يعشن المأساة نفسها. نظّمت وداد لقاءات مع زوجات وعائلات المفقودين، ليتحول الألم الفردي إلى حركة جماعية للمطالبة بالحقيقة والعدالة. وهكذا وُلدت لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، التي تقودها وداد منذ أكثر من أربعة عقود.
في هذه المقابلة، تروي وداد رحلتها الشخصية مع الفقد، وكيف تحوّل بحثها عن زوجها إلى نضالٍ طويل من أجل حق آلاف العائلات في معرفة مصير أحبّائهم.
هل يمكن أن تأخذينا إلى بداية رحلتك: كيف وقع اختفاء زوجك، وكيف أثّر هذا الغياب القاسي على مسار حياتك؟
إن الحرب التي عصفت بلبنان وامتدّت خمسة عشر عامًا (1975 – 1990) عرّجت على عائلتنا الصغيرة، أنا وحبيبي عدنان وطفلينا زياد (6 سنوات) وغسان (3 سنوات). كانت مفاعيل تلك الحرب مضاعفة علينا: أولًا، أدّت إلى انفصال قسري لم نختره: عدنان في بيروت، أنا والطفلان عشنا لمدة تقارب الشهرين كالأسرى في بلدة شاناي (جبل لبنان) تحت نيران القصف الإسرائيلي (كنا نقصدها لقضاء عطلة الصيف).
ثانيًا، ما إن استطعنا العودة إلى بيروت والتأم شمل العائلة حتى دقّت يد الإجرام باب بيتنا وخطفت عدنان في وضح النهار. مسلّحان مدنيان مزوّدان ببطاقة رسمية اقتادا عدنان بحجّة إجراء تحقيق سريع بحادث سير (لم يحدث) لمدة خمس دقائق ويعود. حصل ذلك ظهر 24 سبتمبر/أيلول 1982 أي في اليوم التالي لأداء رئيس الجمهورية المنتخب، أمين الجميّل، خطاب القسم أمام مجلس النواب واعدًا بالعمل على توطيد السلم في لبنان والحفاظ على استقلاله وسلامته وسلامة مواطنيه!
وقع اختطاف عدنان عليّ كالصاعقة.. خلخل توازني وكاد يفقدني القدرة على الوقوف والتفكير. لكن وجود زياد وغسان فرض عليّ اجتراح القوة والتوازن.
صرت ودادات. وداد تهيم في الشوارع تطرق أبواب المسؤولين، تروي الحادثة ثم تستنكر حدوثها، تستصرخ الضمائر للعمل من أجل إعادة رفيق دربها الذي خُطف ولم يرتكب جرمًا. وداد تبني سورًا حول الطفلين، وتخفي خبر الخطف، ولكي تكتمل الكذبة، تدرّبت على رسم ابتسامة جذلى على وجهها ليبدو أنّ كل شيء يسير على ما يُرام.
وداد ”ثالثة“ أخذت تفتش عن سيدتين أو ثلاث بعد أن تكرّر على مسامعها ”في غيرك مثلك“ من فم كل مسؤول تسنى لها مقابلته.. ظننتُ حينها أن مراجعة المسؤولين مع عدد من ”اللّي مثلي“ للمطالبة بإعادة الأشخاص الذين خطفوا أو اعتقلوا أو ضاعوا قد يكون أكثر فاعلية وجدوى من المطالبة الفردية. توجّهت إلى إحدى الإذاعات المحلية القريبة من مكان عملي وطلبت توجيه نداء يدعو كل من فقد/ت شخصًا إلى لقاء تعارفي، حدّدت تاريخه وتوقيته ومكانه بما يتناسب مع انتهاء دوام عملي.
المشهد كان مذهلاً قبل ظهر يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1982. بدلًا من السيدتين أو الثلاث المتوقّع حضورهن، جئن مئات يرافقهن عدد من الأولاد. حاولت كتم استغرابي واستهجاني لذلك الظلم الذي طال كل هؤلاء الناس. فكّرتُ أنه لا بدّ من عمل بمستوى هذه المأساة الماثلة أمامي. ساعدني صوتي العالي الناتج عن مهنة التعليم على الطلب من النسوة التوقّف عن البكاء والتفكير بفعلٍ يعيد الأحبة إلى البيوت. جاء القرار بمقابلة رئيس الحكومة. تعرّضت مسيرتنا للقمع من قبل القوى العسكرية النظامية محاولين منعنا من الوصول إلى السراي الحكومي بحجة حالة الطوارئ المعلنة في البلاد. بعد عملية الكرّ والفرّ بيننا وبين العسكر، سُمح لوفد منّا بمقابلة الرئيس شرط أن تنفضّ المظاهرة. كان تأثّر رئيس الحكومة واضحا على ملامحه بعد الاستماع إلى شكاوينا. لكن ما نطق به في ختام اللقاء ”العين بصيرة واليد قصيرة“ أسقط الوعود التي كالها، وكان بمثابة إنذار لنا بضرورة الاستمرار بالحراك. وهكذا دوّت صرختنا عاليًا بإعلان ولادة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان. حصل ذلك بعد شهرين بالتمام من حادثة خطف عدناني.
وداد ”رابعة“: أستاذة جغرافيا في ثانوية فخر الدين الرسمية للبنات، تمارس عملها بانتظام. تحاول تحييد ما تكابده وتركه خارج أسوار المدرسة خصوصًا عندما تأتي مباشرة من المظاهرة إلى الصف. وداد تجد نفسها على رأس جمهرة من النساء الشبيهة بها والمختلفة عنها. وداد تنتقل من المظاهرة إلى الثانوية. وداد تصبح جدّة. والحبل على الجرار.
ولكن هذه الودادات لم تمنع ”الأولى“ من استمرار حياتها التي تخلخلت دون أن تنقطع. صحيح أنها صارت زوجة مبتورة، فلا هي أرملة ولا هي مطلّقة، ولكنها بقيت أيضًا ابنةً وأختًا وأمًّا وكنّة وجدّة وصديقة وأستاذة ثم رئيسة دائرة. بكلمة واحدة، بقيتُ إنسانة دون أن أدري إن ”رابعة“ أو حتى ”خامسة“.
على امتداد سنوات طويلة من النضال إلى جانب عائلات المخطوفين والمفقودين، ما أبرز التحدّيات التي واجهتموها؟ وهل شعرت في أي مرحلة بأن الدولة استجابت، ولو جزئيًا، لمطالبكم؟
عندما تجمّعنا عام 1982 للمطالبة بالإفراج عن أحبائنا وإعادتهم إلينا سالمين، لم يخطر ببالي ولا ببال أيّ منّا أن نضالنا سيمتد أشهرًا وسنوات، وأننا سنصطدم بجبل من التحدّيات والعراقيل في زمن الحرب وما بعد الحرب.
خلال الحرب، كنا وحدنا على الأرض تحت نيرانها في ظلّ غياب شبه تام للدولة وانشغال الناس بحماية أنفسهم وعائلاتهم. نعم، إن حبّنا لمَن سُرقوا منّا جعلنا نتحدّى آلة الحرب والمتحاربين. لقد تعرّضنا لكافة أشكال التهديد والترغيب والابتزاز المالي والعاطفي، وسقط منّا شهيدات.
على مستوى التعاطي الرسمي: جوبهنا بإدارة الظهر والتحجّج بضعف هيبة الدولة أمام سطوة الأحزاب والميليشيات المتقاتلة. وأحياناً بوعود بقيت عقيمة. أما قمّة التجاوب الرسمي مع قضيتنا كانت بتشكيل لجنة تلتها أخرى افتقرت كلتاهما إلى الحدّ الأدنى من المعايير الدولية المعروفة لتشكيل مثل هذه اللجان.
لعبت وسائل الإعلام دورًا هامًا في متابعتنا وتغطية تحركاتنا خلال الحرب، لكنها كانت تسقطنا من حسابها أمام أي حدث غير اعتيادي لتحقيق سبق إعلامي.
بعد توقيع وثيقة الوفاق الوطني العام 1989، جرى الإعلان الرسمي عن انتهاء الحرب اللبنانية في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1990.
كلجنة أهالي، كنا من أكثر المرحّبين بانتهاء الحرب، تهيأنا، كجمعية وكأفراد، لاستقبال الأحبّة الذين سُرقوا منّا. لكن للأسف قطار السلم تجاوزنا، بل إنه لم يعرنا أي التفاتة، فكنّا الأسرع إلى كشف هشاشة ذلك السلم وزيفه. إن السياسة الرسمية التي انتُهجت تصحّ تسميتها بسياسة ”عفا الله عما مضى“. فقد اجتمع قادة الأحزاب والميليشيات المتحاربة وتوافقوا على توزّع مواقع السلطة والقرار وخيرات البلاد وفق محاصصة طائفية وسياسية. كان العامل الضامن لنجاح خطتهم هو إغلاق ملفّات الحرب دون فتح أي منها لمعالجتها، وضمنها ملف المفقودين. توافقوا على إسدال ستار سميك على مجريات الحرب كأنها لم تقع. سارعوا إلى إصدار قانون عفو عام عن جرائمهم. لجأوا إلى قمع الحريات وكمّ الأفواه وإجراء رقابة مشدّدة على وسائل الإعلام التي لم تسلم بدورها من الاستيلاء عليها بالمال وشراء الذمم. ولم تشذ سياسة إعادة الإعمار عن ذلك المسار عبر المجاهرة بوجوب طمس الماضي وعدم التطلّع إلى الوراء. وليس مستبعدا أن تكون جرافات إعادة الإعمار قد استباحت عظام الموتى ونزلاء المقابر الجماعية.
في عام 2000، بعد أن وعينا أن قضية 17,000 مفقود لا تنحصر بعائلاتهم فحسب، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره، نجحنا في تشكيل إطار أصدقاء للقضية ضمّ أفرادًا ومؤسسات من مختلف القطاعات. أطلقنا معًا أوّل حملة وطنية تحت شعار ”من حقّنا أن نعرف“. اضطرت الدولة إلى الاستجابة لبعض مطالبنا فسارعت إلى تشكيل لجنة رسمية للاستقصاء عن جميع المخطوفين والمفقودين وتحديد مصيرهم، وهو مطلبنا الأّول. الإيجابية الوحيدة لعمل تلك اللجنة أنها أقرّت بوجود مقابر جماعية. توالى بعدها تشكيل اللجان وتمديد مهل عملها، إلا أنها كانت لجان بلا صلاحيات لم تكشف أي منها مصير مفقود واحد.
نجحت لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان في انتزاع اعتراف قانوني بحقوق الضحايا عبر القانون 105/2018. ماذا يعني لك هذا الإنجاز على المستوى الشخصي، وهل فتح آفاق جديدة للعائلات؟ وما الذي لا يزال مطلوبًا العمل عليه لتحقيق العدالة لقضيتكم؟
إن التعاطي اللاجدّي الذي انتهجته الحكومات المتعاقبة المتمثّل بتشكيل ”همروجة“ لجان غير متخصّصة وبلا صلاحيات، إضافة إلى إطّلاعنا على تجارب دول أخرى عاشت حروبًا وتعاملت مع قضية الفقدان، علّمنا أنه لا بدّ من النضال من أجل إقرار قانون لمعالجة قضيتنا.
جرى العمل على صياغة مسودّة مشروع قانون للأشخاص المفقودين والمخفيين قسرًا من قبل عدد قليل من المحامين أصدقاء القضية بدعم من المركز الدولي للعدالة الانتقالية. تمت مناقشة مسودّة المشروع وتعديلها في اجتماعات موسّعة عديدة ضمّت ناشطين/ت وممثلين/ات عن عدد من هيئات المجتمع المدني وممثلين/ات عن الشركاء الدوليين، وأُطلق مشروع القانون عام 2012. استطعنا تسجيل مشروع القانون في قلم مجلس النواب في 2014. وجرى إقراره إثر ثلاث حملات وطنية أطلقناها تباعاً مع الأصدقاء خلال العامين 2017 و2018.
كان انتزاع قانون المفقودين والمخفيين قسرًا إنجازًا هامًا حقّقته لجنة الأهالي مع أصدقاء القضية. أهمية القانون الأساسية أنه كرّس حق كل عائلة في معرفة مصير مفقودها. كما قضى القانون بتشكيل هيئة وطنية مستقلّة تتمتع بعدد واسع من الصلاحيات، مهمتها تقفّي أثر المفقودين والمخفيين قسرًا وتحديد مصيرهم. وشُكلت الهيئة الوطنية للمخطوفين والمخفيين قسرًا في يوليو/تموز 2020.
لقد كلّفنا هذا القانون/الإنجاز 36 عامًا من النضال الدؤوب، ونعمل على أن لا يستدعي تطبيقه سنوات مماثلة. لا يستهدف حسن تطبيق القانون تخفيف معاناة أهالي المفقودين فحسب، من دون التقليل من أهمية ذلك، بل إنه يشكل الممّر الإلزامي للمصالحة الحقيقية ويساعد الدولة على استعادة مصداقيتها وعافيتها، والقيام بمسؤولياتها، كما يعيد إليها اعتبارها لأنها عندما تقررُ البحث عن المفقودين فهي تفتش عن مواطنيها، تفتش عنهم كمواطنين أو كمقيمين متساوين دون أي تمييز طائفي أو مذهبي أو مناطقي. كما يساهم في تحصين المجتمع من الانزلاق مجدداً إلى التقاتل.
برأيك، ما الذي تحتاجه عائلات المخطوفين والمفقودين على الصعيد النفسي، الاجتماعي، والقانوني؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني، والإعلام، والفاعلين القانونيين، والمجتمعات المحلية أن يكونوا سندًا حقيقيًا لهذه القضية؟
على الصعيد النفسي: يجب الاعتراف بمعاناة الأهالي الناتجة عن جهلهم مصير الشخص المفقود، ومساعدتهم للتكيّف ما أمكن مع حالة الغموض هذه. ولدينا في اللجنة برنامج دائم لمرافقة الأهالي عبر تنظيم لقاءات دورية معهم، والاستماع إلى شكاويهم، وتدريبهم على إنتاج أعمال فنية تحيي ذكرى الشخص المفقود. وأذكر بعض الأعمال التي أنتجها الأهالي: كرسي المفقود، الزمن المعلّق، جدارية الأسماء. كما تدربوا على الكتابة الإبداعية وصدر كتاب ”طواحين الهوى“ بتوقيع 15 سيدة من الأهالي.
على الصعيد الاجتماعي: تسعى اللجنة لكسر العزلة عن طريق مدّ الأهالي دوريًا بالمعلومات المتعلّقة بمسار القضية على مستوى متابعة عمل اللجنة، وعلى مستوى ما تقوم به الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرًا من أجل التعاطي معهم كأصحاب حقّ فاعلين لا كضحايا متلقّين وإشراكهم ما أمكن في اتخاذ القرار.
على الصعيد الاقتصادي: بالتأكيد الحاجة كبيرة لتأمين الدعم المالي للعائلات خصوصًا تلك التي فقدت الشخص المعيل: تزويدهم بإفادة مفقود تمنحهم تسهيلات تخفّف تكاليف الحياة اليومية وأخرى تتعلّق بالإجراءات القانونية (التصرف بالملكية على سبيل المثال)، (القانون 105/2018 ينص على حق العائلات في التعويضات المعنوية والمادية).
كيف ترين موقع قضية المخطوفين والمفقودين ضمن مسار العدالة الأشمل في لبنان؟ وكيف ترين دور العائلات ضمن هذا المسار؟
من المعروف أن الدول التي تخرج من حرب أو من حكم استبدادي تعمل على تطبيق آليات العدالة الانتقالية. أما في لبنان فالعدالة مغيّبة، وخير دليل أن إرث الماضي لم يُعالج بعد، وفي المقدّمة منه قضية مفقودي الحرب التي صار عمرها 51 عامًا، إضافة إلى أن الطريق ما تزال غير ممهدة كما يجب أمام تطبيق القانون 105/2018. بمعنى آخر، الإرادة السياسية الرسمية غير متوفّرة حتى اليوم لتطبيقه. لكننا كلجنة أهالي لن نتخلى عن حقّنا في معرفة الحقيقة عن مصير أحبائنا وتحقيق العدالة.
بالنسبة للعدالة، نحن مع العدالة التصالحية. لقد عملنا على ألا يتضمن القانون 105/2018 أية عقوبة على ارتكابات الماضي لأننا لا نريد إشعال حرب جديدة. إن المحاسبة التي نريدها ليس على مَن دفعته نفسُه إلى الإساءة إلينا وإلى أحبائنا في ظروف الحرب، بل على مَن ينبذ حقنا اليوم: مَن يتجاهلُ حقنا بالمعرفة الذي تمَّ تكريسُه قانونا، من يمنع النفاذ إلى المعلومات أو يعطي معلومات خاطئة تؤدي إلى تضليل عملية تقفّي أثر أي مفقود أو عرقلتِها.
إن الرهان معقود على الاستمرار بكافة أشكال النضال السلمي لكسر جدار الصمت والإنكار. هذا النضال يجب ألا يبقى محصورًا بعائلات المفقودين بل يجب أن تتوسّع دائرته لتشمل كافة شرائح المجتمع اللبناني لا سيما فئة الشباب التي تجهل غالبيتها ما حدث في الماضي وذلك كي تتعلّم منه ضمانًا لعدم تكرار جرائم الماضي ولبناء مستقبل آمن.
بعد كل هذه السنوات من الصبر والعمل، ما الذي يمنحك القوة للاستمرار؟ وما الرسالة التي تودّين إيصالها إلى اللبنانيين، وخصوصاً الأجيال الشابة؟
قوة الاستمرار نبعت في الأساس من حبّي الكبير لعدنان ولولدّيَ ثم لأحفادي الثلاثة. والحب موصول لأهالي المفقودين ومفقوديهم ولكافة أبناء لبنان. إن أجيال ما بعد الحرب، لحسن الحظ، لم تذق ويلاتها لكنها، للأسف، ورثت نتائجها السلبية المستمرة حتى اليوم على كافة مقوّمات الحياة ومرافق البلد.
الصدفة لعبت دورها في أن أكون وراء تأسيس لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان. لكن لم يخطر ببالي يومًا أن هذه اللجنة ستبقى فاعلة مدة قاربت 44 سنة، ولم أفكر يومًا أن أتحوّل إلى الناطقة باسمها والمتابعة لأدقّ تفاصيلها، ولا أن يصبح اسمي ”وداد المفقودين“، ولا أن أصبح مسؤولة عن شؤون النسوة وتوجيههن خلال الاجتماعات والمظاهرات والاستماع إلى شكاويهن ومشاكلهن حتى داخل بيوت بعضهن. سألتني مرة ليلى، والدة المخطوف سيمون جدع: ”كلنا منتّكي عكتافك ومنلقي مشاكلنا وهمومنا عليكي، عندك حدا تلقي حملك عكتافو“؟ ابتسمتُ وعانقت لطفها.
القوة والاستمرار في هذا المسار الشاق والطويل لا يعني أني لم أتعب.. أنا أتعب لأني إنسانة، أتعب وأكمل.. أنا/نحن أصحاب حق لن نتخلى عنه ولن نساوم بشأنه.. إنها مسؤولية إنسانية ووطنية، وهذا ما أضخّه بشكل مستمر لرفيقات الدرب العسير.
إن السكوت عن الظلم مشاركة في الجريمة. كما أن الاعتراف بحق عائلات المفقودين والمخفيين قسرًا في معرفة مصير ذويهم هو موقف أخلاقي أولًا يتعلق بكرامة الإنسان. من المهم السعي المتواصل لتحويل قضية المفقودين إلى محور للتفكير في المسؤولية الجماعية، وحقوق الإنسان، وأهمية العدالة في بناء السلام الراسخ. ومن الأهم تحويل المدرسة أو الجامعة من مجرّد مكان للتعلّم إلى واحة ذاكرة ووعي ترسخ لدى الشباب فكرة أن العدالة والبحث عن الحقيقة ليست من شأن الماضي بل شرط لبناء مستقبل آمن.