نُشر هذا المقال في 18 يوليو 2024، وتم تحديثه في 24 يوليو 2025.
من اختفاء اللوازم المكتبية وتدهور مستوى النظافة، إلى تدني المرتبات وانقطاع الكهرباء: يظهر الأثر المدمر للأزمة الاقتصادية في لبنان جليًا على النظام القضائي الذي يعاني أساسًا من التدخلات السياسية والاتهامات بالفساد، مضيفًا عقبة جديدة أمام أي محاولة للإصلاح في البلاد.
أصاب القضاء الوهن منذ بداية الانهيار الاقتصادي والمالي عام 2019، مرورًا بوباء كورونا، وضعفت قدرته على القيام بدوره بشكل مستقل، حتى انخفض ترتيب لبنان في مؤشر سيادة القانون الصادر عن مشروع العدالة العالمية بشكل ملحوظ منذ عام 2015، ليحتل المركز 108 من 142 دولة عام 2024.
تجد الحكومة الجديدة بقيادة نواف سلام نفسها أمام تحدٍ كبير لمحاربة الفساد، كما وعدت، حيث سيكون لإصلاح منظومة القضاء، ورفع كفاءتها، دورٌ أساسيٌ في هذه المعركة، بالإضافة لتمرير تشريع جديد يدعم استقلال القضاء.
ومن أجل فهم واقع القضاء اللبناني، وأثر الأزمات الاقتصادية على سير العدالة وسيادة القانون في البلاد، تحدثنا إلى عمر طالب، المحامي، والزميل السابق بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.
ما هو التأثير الرئيسي للوضع الاقتصادي على النظام القضائي؟
من البديهي القول إن أولى ضمانات استقلال القضاء هي تحصين القائمين عليه ماديًا، وتوفير بيئة عمل مريحة لهم. وهنا لا نقصد القضاة فحسب، بل أيضًا المحامين والمساعدين القضائيين، والمحاكم بما تتطلبه من لوازم لوجستية.
لقد كان للأزمة الاقتصادية أثر مدمر على مرفق القضاء، حيث تدهورت الدخول الفعلية للعاملين فيه نتيجة لارتفاع الأسعار، مما أدى إلى إضرابات عديدة، وشلل في عمل المحاكم، بالإضافة إلى نقص كبير في التجهيزات اللوجستية نتيجة لضعف التمويل. وكانت السلطة القضائية، حتى قبل الأزمة، تعاني كثرة التدخلات السياسية في عمل القضاء، وجاءت الأزمة الاقتصادية لتزيد الأمور تعقيدًا.
بدأت فترة تزعزع العمل داخل المحاكم عام 2019 عندما أضرب القضاة في مايو/أيار اعتراضًا على قرار الحكومة المس بمستحقاتهم المادية. وبعد ذلك بأشهر قليلة، اندلعت انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين، وأصبح الوصول إلى المحاكم أصعب بسبب التظاهرات الشعبية، خاصة في الأسابيع الأولى للانتفاضة.
زادت هذه العوامل من تعقد المشهد في المحاكم، وأدت إلى التساهل في العمل واعتياد الناس على تعطّل فعالية اللجوء إلى القضاء لفترات طويلة، سواء بسبب الإضرابات، أو الإقفال القسري خلال جائحة كورونا، وهو ما أدى بدوره إلى تراكم القضايا وتكدسها من سنة لأخرى.
وتفاقمت الظروف الصعبة والضغوطات الشديدة التي يعمل تحتها القضاة، ما أدى إلى الإرهاق والإحباط نتيجة كثرة المناصب القضائية التي يتولونها. على سبيل المثال، يعمل أحد القضاة الذين أعرفهم شخصيًا بمفرده في محكمتين (منطقتين)، ويشغل كل المهام القضائية في هاتين المحكمتين، بما في ذلك القضايا المدنية والجزائية والأمور المستعجلة ودائرة التنفيذ!
من وجهة نظرك كمحامٍ، كيف أثرت التحديات اللوجيستية والاقتصادية التي ذكرتها على عملك اليومي في المحاكم؟
أي شخص يعمل في مرفق العدالة والمحاكم يلاحظ بوضوح أن السمة الأساسية لهذا العمل في السنوات الأخيرة هي عدم الاستقرار. فقد نفذ القضاة والمساعدون القضائيون إضرابات متتالية في السنوات الماضية، شملت في بعض الأحيان 400 قاض، أو نحو 80 في المائة من قضاة البلاد.
وفي إحدى الفترات، انتشرت الإضرابات لدرجة أن ما أن ينتهي إضراب، حتى يبدأ آخر، لتتعطل المحاكم مجددًا، حتى أصبح سؤال ”هل المحاكم فاتحة؟“ هو أول ما يخطر على بال كل محامٍ أو متقاضٍ لديه قضية أو بحاجة إلى إنجاز معاملة في الدوائر القضائية.
ولكن بعيدًا عن وجود إضراب من عدمه، فحتى في أثناء أيام العمل العادية لم يكن المشهد سليمًا داخل أروقة المحاكم.
فقد أرهقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان العاملين في مرفق القضاء خلال السنوات الخمس الماضية، لا سيما خلال الفترة ما بين عامي 2021 و2022، حين شهدت قصور العدل حالة من الشلل المؤسسي شبه الكامل. في تلك الفترة، كنت أقوم باتصال روتيني كل صباح قبل الذهاب للمحكمة، سائلًا أحد الموظفين هناك أو الزملاء المحامين السؤال المعتاد: ”في كهربا بالعدلية؟“
كانت الإجابة عن هذا السؤال مصيرية، إذ تحدد مسار يوم العمل في المحكمة، وربما مصير موقوف داخل السجن، أو عامل لديه دعوى عمل، أو أي صاحب حق لجأ إلى القضاء.
مثلًا، يؤدي تعطل المصعد في قصر عدل طرابلس بسبب انقطاع الكهرباء إلى عرقلة العمل في الطوابق الخمسة. كما أن بعض أقلام المحاكم لا يدخلها نور الشمس، مما يجبر الموظفين والمحامين على العمل في الظلام باستخدام نور الهواتف المحمولة. وقد وصل هذا الوضع الكارثي لانقطاع التيار الكهربائي عن المحاكم إلى ذروته في عام 2022، لكن الأمور بدأت في التحسن تدريجيًا منذ عام 2023.
إضافة إلى ذلك، وبسبب الأزمة الاقتصادية والعجز المالي لدى الدولة اللبنانية، شهدت قصور العدل نقصًا في اللوازم اللوجستية الأساسية، مثل الأوراق والأقلام، وكذلك دفاتر تسجيل الدعاوى، وأوراق المحاضر والتباليغ المستلمة وفق نماذج جاهزة من وزارة العدل.
واختلفت سبل معالجة هذه الأزمة من محكمة إلى أخرى، لكن المشترك هو أن الحلول اتخذت الطابع الفردي في كل محكمة بدلاً من الحلول العامة عن طريق الدولة. ففي بعض المحاكم، تعاون القضاة والموظفون والمحامون في تأمين بعض هذه الأمور من أموالهم الخاصة، بينما اعتمدت محاكم أخرى على هبات من الجمعيات.
وكذلك الأمر على مستوى خدمات تنظيف المحاكم، ففي بعض المحاكم اضطر العاملون من قضاة وموظفين استقدام أشخاص ليقوموا بأعمال التنظيف، بعد توقف الشركات التي كانت تقوم بأعمال التنظيف عن العمل بسبب عدم تسديد الدولة لمستحقاتها.
كما قام بعض موظفي المحاكم، الذين يرفضون تقاضي الرشوة، بشغل وظائف أخرى لدعم دخولهم الشهرية. يعمل أحد الموظفين الذين أعرفهم في المحكمة ليوم واحد فقط أسبوعيًا، إذ يقضي بقية أيامه في وظيفة أخرى. وخلال هذا اليوم، يتحول مكتبه إلى ما يشبه مظاهرة للمحامين، بسبب كثرة المراجعين.
هذا الموظف قال لي صراحةً: ”أنا ما باخد برّاني“، أي أنه يرفض تقاضي الإكراميات أو الرشاوى، ومن ثم لم يكن أمامه من سبيل سوى أن يبحث عن عمل آخر لزيادة دخله.
وأضاف: ”غير هيك ما بقدر طعمي ولادي، ولا بقدر أمّن أبسط الاحتياجات مثل دفع فاتورة اشتراك مولد الكهرباء“.
خلال السنة الأخيرة، بدأ الوضع اللوجستي في المحاكم يشهد تحسنًا تدريجيًا، دون أن يعني ذلك عودة كاملة إلى الانتظام. فالعمل القضائي استُؤنف بشكل عام، ولكن لا يمكن القول إن المحاكم عادت إلى وتيرتها الطبيعية. الفرق الجوهري أنّنا انتقلنا من حالة تعطيل شبه تام وإضرابات متكررة، إلى حالة تشغيل جزئي بالحد الأدنى. وقد ساهم في ذلك بعض الزيادات المحدودة في رواتب المساعدين القضائيين.
يُضاف إلى ما سبق أن آخر تشكيلات قضائية شاملة أُجريت في لبنان تعود إلى عام 2017، أي قبل نحو ثماني سنوات، الأمر الذي أدّى إلى شغور عدد من المناصب القضائية بفعل بلوغ العديد من القضاة سن التقاعد وعدم تعيين بدلاء لهم. فعلى سبيل المثال، في محكمة البداية في الشمال – الغرفة العقارية، أُحيل رئيس الغرفة إلى التقاعد في منتصف عام 2024، ومنذ ذلك الحين، هذه المحكمة معطّلة، ولا تعقد جلسات محاكمة أمامها إلى حين إجراء تعيينات قضائية جديدة.
ومع انتخاب رئيس للجمهورية مطلع عام 2025، وتشكيل حكومة جديدة لاحقًا، يُفترض أن تُعاد تحريك عجلة التعيينات والتشكيلات القضائية، بما يسمح بملء الشواغر وإعادة تفعيل المحاكم المعطّلة، تمهيدًا لاستعادة بعض الانتظام في المرفق القضائي.
كيف تأثر مفهوم سيادة القانون في لبنان نتيجة للأزمة؟ وما أثر ذلك على نزاهة عمليات التقاضي؟
إذا نظرنا إلى عدد الدعاوى الواردة للمحاكم والأحكام الصادرة، سنجدها انخفضت كثيرًا، ربما بشكل غير مسبوق. مثلًا، نجد أنه بالنسبة إلى القاضي المنفرد الجزائي في الدامور انحدرت الأرقام من 1,014 دعوى واردة و 467 دعوى مفصولة (أي صدر فيها حكم) عام 2019 إلى 202 دعوى واردة و115 دعوى مفصولة عام 2021.
وكذلك بالنسبة إلى مجلس العمل التحكيمي في بعبدا (وهي المحكمة المختصة بنزاعات العمل) فقد انحدرت الأرقام من 1,689 دعوى واردة و762 دعوى مفصولة عام 2019 إلى 255 دعوى واردة و 283 مفصولة عام 2022.
ورغم عدم وجود أرقام محدّثة لعدد الدعاوى والأحكام، إلا أنه لا توجد دلائل على أن الوضع الحالي قد تحسن كثيرًا.
أضف على ذلك أن الفساد داخل المحاكم، في صورة الرشاوى وتدخلات أصحاب النفوذ، زاد وتشعب حتى أصبح جزء من الروتين اليومي. لا أنكر أن الفساد كان موجودًا قبل الأزمة، ولكنه الآن أصبح ملحوظًا، وأكثر انتشارًا وتنوعًا.
ومن ثم، انخفضت نسبة اللجوء إلى القضاء بشكل كبير، ما يشير إلى تدني مستوى ثقة المواطنين في القضاء. ويُعزى ذلك إلى تجارب سلبية مرّ بها كثيرون في المحاكم، فضلًا عن ما تشهده القضايا العامة، مثل قضية تفجير المرفأ، من تدخلات سياسية وتعطيل لمسار العدالة، الأمر الذي يرسّخ في الوعي العام أن جهازنا القضائي غير فعّال.
يؤدي كل ذلك إلى الاعتماد على مرجعيات أخرى غير القضاء لحل النزاعات، والتي غالبًا ما تكون من خلال زعامات طائفية أو سياسية أو عشائرية، وهو ما يعزز سلطاتها على حساب مؤسسات الدولة، ويفاقم الأزمة.
كيف أثرت الظروف الاقتصادية على استقلالية القضاء؟ وما هي صور التدخلات السياسية في المنظومة القضائية اللبنانية؟
المشاكل البنيوية التي تحول دون تحقيق استقلال حقيقي للقضاء اللبناني قديمة، وتعود إلى ما قبل الأزمة الاقتصادية، إلا أنه من المؤكد أن الانهيار المادي والنفسي لأركان المنظومة القضائية الذي تحدثنا عنه تجعل البنيان القضائي أكثر هشاشة.
فعندما كانت الأزمة الاقتصادية في أوجها، تقدم العديد من القضاة، للأسف، بطلبات استيداع سعيًا للهجرة محاولين إيجاد فرص عمل خارج لبنان من أجل الحصول على راتب يؤمن الحد الأدنى من المعيشة الكريمة.
أما استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، فذلك يحتاج إلى تغيير في التشريعات. فبحسب قانون القضاء العدلي، فإن المراكز الأساسية والحساسة في هيكل القضاء تُعيَّن من قبل السلطة السياسية. مثلًا، يتألف مجلس القضاء الأعلى من عشرة أعضاء، ثمانية منهم معينون من قبل السلطة التنفيذية، واثنان فقط منتخبون من القضاة.
بالإضافة إلى تشكيل مجلس القضاء الأعلى، فإن التشكيلات القضائية تتم أيضًا بموجب مرسوم من مجلس الوزراء، ولطالما استخدمت الحكومة هذه السلطة لتعيين قضاة مطواعين إلى حد ما، خاصة في المراكز المؤثرة في المحاسبة مثل النيابات العامة وقضاة التحقيق. كما يُستعمل هذا النفوذ لتعطيل مسار بعض الدعاوى القضائية، كما حدث بقضية تفجير مرفأ بيروت. ومؤخرًا تعطلت المحاكمة في قضية تفجير التليل بسبب تكليف القاضي جمال الحجار الذي كان عضوًا في المجلس العدلي بمهام النائب العام التمييزي وحتى تاريخ اليوم لم يصدر مرسوم تعيين قاضٍ بديل له لتُستكمل المحاكمة.
علماً أنه مع بداية عام 2025 استأنف المحقق العدلي القاضي طارق البيطار التحقيقات في قضية تفجير مرفأ بيروت، ما أعاد الأمل في تحقيق تقدم في القضية.
وقد أقرّت الحكومة الحالية مشروع القانون الرامي إلى تعزيز استقلالية القضاء، وإحالته إلى المجلس النيابي لإقراره. غير أن لجنة الإدارة والعدل النيابية لم تباشر دراسة المشروع، إذ اعتبر رئيس اللجنة أنه كان من المتفق مع وزير العدل أن تُرسل الوزارة ملاحظاتها على اقتراح القانون الذي كانت اللجنة قد أنجزته في عام 2023، لا أن تعمد إلى طرح مشروع قانون بديل بالكامل.
وهكذا، دخل النقاش حول استقلالية السلطة القضائية في حلقة مفرغة جديدة، وأُرجئت مرة أخرى فرصة حدوث تقدم فعلي في ملف إصلاحي يُفترض أن يكون أولوية وطنية.
تحت هذه الظروف، يمكن القول بأن التدخل السياسي يؤثر على نحو مباشر على استقلالية القضاء، ويزيد تعقيد الأوضاع في ظل الأزمة الاقتصادية. فإن تعطيل المحاكم وتأخير التعيينات يؤثر سلبًا على سير العدالة، ويزيد تكدس القضايا، مما ينعكس سلبًا على الثقة بالنظام القضائي ككل.
كيف ترى مستقبل إصلاح الدولة في لبنان في ظل أزمة القضاء؟
إن صورة النظام القضائي هي المعيار الأمثل لوجود الدولة من عدمه، لما يختزل في طياته من حقائق عن وجود نظام، واستقرار، وأمن اجتماعي، وحقوق إنسان.
فعندما يُضرِب موظف المحكمة، أو لا يأتي إلى العمل بسبب غلاء كلفة التنقل، فهو على حق. وعندما يأتي متقاضٍ إلى المحكمة ليتابع قضيته فلا يجد الموظف ولا القاضي، فهو على حق أيضًا عندما يصب جام غضبه على المحاكم والقضاة. وعندما يعتكف القاضي بسبب ظروف العمل المهينة التي يعمل فيها، فهو بدوره على حق، حتى وإن كان مطالبًا بالعمل والإنتاج نظرًا لحساسية منصبه.
إذا ما نظرنا إلى الصورة الأكبر، فلا شك في أن المسئول الأول عن هذه الكارثة هو النظام السياسي الناتج عن حكم زعامات طائفية مقيتة استباحت القضاء وكل المؤسسات العامة.
قد يبدو المشهد شديد القتامة، إلا أننا نسرد الواقع لنبحث داخله عن نقاط مضيئة، ولو كانت خافتة. فلا يزال هناك قضاة يقومون بواجباتهم وأكثر، يكافحون رغم كل الظروف الصعبة. نحتاج دعم هذه الأصوات، والالتفاف حولها، ووضعها في صدارة المشهد.
عمر طالب زميل سابق غير مقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط يعمل على قضايا المحاسبة والعدالة في لبنان.