timep single arabic page
Egyptians celebrate the closing night of Imam Al-Shafi'i's Mawlid in Cairo, Egypt, on January 21, 2026, as both a religious occasion and a popular public celebration attended by families, children, and lovers of Ahl al-Bayt. (Photo by Mahmoud Elkhwas/NurPhoto via Getty Images)

أولويات السياسات واتجاهاتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2026

يستعرض الزملاء والخبراء بمعهد التحرير رؤيتهم لما يجب أن تكون عليه أولويات دوائر صنع القرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2026.


تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2026 تحديات متشابكة ستختبر قدرات الدول على الاستجابة الفاعلة والتكيّف. فمن الانتقال السياسي الهش في سوريا والحرب المدمرة في السودان، إلى قضايا إعادة الإعمار والإصلاح في لبنان، يجد صانعو السياسات أنفسهم أمام خيارات مفصلية تفرض عليهم اتخاذ قرارات سيكون لها أثر مباشر على حياة ملايين الأشخاص لسنوات مقبلة.

في هذا الموجز التحليلي، يستعرض الزملاء والخبراء بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط أبرز التحديات التي تواجه المنطقة، ويقيمون تداعياتها، ويحددون أولويات السياسات واتجاهاتها، مع طرح مسارات مستدامة من أجل تحقيق السلام والعدالة والنمو الشامل.


السودان

لينا مروان

بعد سبع سنوات على ثورة ديسمبر وثلاث سنوات من الحرب المدمّرة، لا تزال تطلعات الشعب السوداني إلى الحرية والسلام والعدالة معلّقة، ولا يزال الحق الأساسي في الحياة يتعرض لتهديد منهجي ومستمر.

لا يقتصر استمرار النزاع المتصاعد في البلاد على الفاعلين المحليين فحسب، بل تغذّيه أيضًا أطراف خارجية توفّر الأسلحة والتمويل والغطاء السياسي للأطراف المتحاربة. لذلك، ينبغي أن تكون مساءلة هذه الجهات أولوية قصوى خلال عام 2026. فلا يمكن تحقيق سلام مستدام ما دامت مصادر الدعم الخارجي تواصل تأجيج العنف. يمكن للمجتمع الدولي أن يضطلع بدور حاسم من خلال إنفاذ العقوبات وحظر توريد الأسلحة، وتجفيف مصادر تمويل النزاع، وتعزيز آليات محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتقديم مساعدات إنسانية مستدامة، ودعم مسار سياسي يقوده المدنيون بصورة حقيقية.

أما الأولوية المحورية الثانية فتتمثل في إرساء عملية عدالة انتقالية تتمحور حول الضحايا، حيث يُعد التعافي القائم على العدالة عنصرًا لا غنى عنه لمعالجة الفظائع الجماعية، ومحاسبة الجناة، وإنهاء دوامة العنف والإفلات من العقاب. وينبغي للعدالة الانتقالية أن تكون شاملة، مراعية للنوع الاجتماعي بما يضمن المشاركة الفاعلة للنساء والفتيات في تصميم آلياتها، نظرًا للأثر غير المتكافئ للحرب عليهن. ويجب أن تشمل الآليات الأساسية لجان تقصي الحقائق، والمحاكم الجنائية أو الهجينة، وبرامج جبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، ومبادرات إحياء الذاكرة التي تحفظ سردية جماعية ومحايدة للنزاع. ويُعد توفير الدعم التقني والمالي والسياسي عنصرًا حاسمًا لضمان قيام عملية عدالة انتقالية شفافة ومستقلة وشاملة.

وأخيرًا، يتعين على صانعي السياسات إعطاء الأولوية أيضًا لدعم المجهودات الدولية من أجل تعزيز الاستقرار والمصالحة وحماية حقوق الإنسان، مع وضع احتياجات وتطلعات الشعب السوداني في صميم هذا المسار.

ماهيتاب محجوب

في السودان، هناك ثلاث أولويات ينبغي لدوائر صنع السياسات التركيز عليها في عام 2026:

أولًا، بينما تعمّق الولايات المتحدة انخراطها في جهود إحلال السلام في السودان، يصبح من الضروري منح الأولوية لمسارات شاملة تتجاوز المفاوضات بين النخب. فالفاعلون على الأرض، بما في ذلك غرف الطوارئ والمجموعات النسائية، يؤدون دورًا محوريًا في حماية المدنيين وتعزيز صمودهم وتنسيق العمل الإنساني. ومن ثم، فإن استبعادهم من المساعي الرامية للسلام يقوّض شرعية وفاعلية هذه المبادرات. ويتعين على دوائر صنع السياسات ضمان إدماج هؤلاء الفاعلين إدماجًا حقيقيًا في مفاوضات السلام، بالتوازي مع استمرار الضغط لإنهاء النزاع وإنشاء ممرات إنسانية.

ثانيًا، في ظل توسّع رقعة الحرب في السودان لتشمل مناطق جديدة، بما في ذلك غرب وجنوب كردفان، يجب أن تشكل حماية النساء والفتيات أولوية سياساتية عاجلة في عام 2026. ويشمل ذلك إنشاء ممرات إنسانية آمنة للإجلاء وإيصال المساعدات، والضغط على أطراف النزاع لحظر استخدام الاغتصاب كسلاح حرب، وتلبية الاحتياجات غير المرئية في كثير من الأحيان للنساء والفتيات والتي يتم تجاهلها في الاستجابات الطارئة. كما ينبغي لصانعي السياسات تعزيز التنسيق مع المجموعات النسائية القاعدية التي تقدم مساعدات مراعية للنوع الاجتماعي، وإعطاء الأولوية للدعم المباشر للمبادرات التي تقودها النساء.

ثالثًا، ينبغي أن يشكل الانهيار الاقتصادي الناجم عن النزاع في السودان محورًا رئيسيًا في الأجندة السياساتية. فالحرب تواصل تدمير سُبل العيش، في حين لا ترقى جهود إعادة الإعمار الحالية إلى مستوى التحديات، بما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية وحقوقية خطيرة. وقد تضررت الاقتصادات الزراعية والتجارية والقطاع غير الرسمي على نحو بالغ، مما فاقم التضخم والبطالة وانعدام الأمن الغذائي، لتتحمل النساء جزءًا كبيرًا من أعباء الانهيار الاقتصادي عبر أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر. ومن دون ربط مسارات السلام بتعافٍ اقتصادي شامل وعادل، يواجه السودان خطر انهيار اقتصادي مطوّل وتآكل فرص تحقيق سلام مستدام.


سوريا

سامي عقيل

بعد عام على سقوط نظام الأسد، لا يزال المسار الانتقالي في سوريا هشًا، حيث تواجه البلاد تحديات كبيرة بالرغم من الخطوات المهمة التي اتخذتها حكومة دمشق. ومن المتوقع أن تؤثر ثلاث أولويات أساسية على مسار المرحلة الانتقالية خلال عام 2026.

أولًا، لا تزال الحياة السياسية في سوريا مقيدة بشدة عقب حل معظم، إن لم يكن جميع، الأحزاب السياسية التي تعود إلى حقبة الأسد. وفي عام 2026، سيكون استكمال تشكيل مجلس الشعب وإقرار قانون الأحزاب السياسية المرتقب عنصرين أساسيين لإحياء المشهد السياسي السوري الذي تعرض لتهميش واسع.

ثانيًا، يُعد إصلاح القطاع العام وإعادة بناء الوزارات الحكومية الرئيسية أمرًا حاسمًا لإعادة هيكلة الدولة السورية. فقد خلقت سنوات الاستنزاف والتسييس والتدهور المؤسساتي فجوات حادة في قدرات العديد من المؤسسات الحكومية. في عام 2026، ينبغي أن يتركز الاهتمام على دعم قدرة الوزارات على استيعاب الكفاءات المهنية ذات الخبرة، بالتوازي مع تبسيط الإجراءات الحكومية، وضمان مواءمة الأجور مع الارتفاع المتزايد في تكاليف المعيشة.

ثالثًا، ستتصدر الأوضاع الأمنية وجهود إصلاح القطاع الأمني المشهد هذا العام. وستواجه سيادة الدولة السورية، وقدرتها على بسط سيطرتها على كامل أراضيها تحديات جسيمة، في ظل العودة التدريجية لتنظيم ”داعش“، واستمرار التوغلات الإسرائيلية جنوب البلاد، فضلًا عن التداعيات المتواصلة لأحداث العنف في السويداء. وتمثل هذه الديناميات تهديدًا مباشرًا ومستمرًا لقدرة دمشق على حفظ الأمن وترسيخ سلطة الدولة.

علاوة على ذلك، ومع انهيار الحكم الذاتي الكردي في أعقاب الحملة العسكرية التي قامت بها دمشق ضد قوات سوريا الديمقراطية، يُرجّح أن تتجه سوريا نحو مزيد من المركزية في بنية الدولة. وفي هذا السياق، ورغم أن المرسوم رقم 13 يحمل دلالة رمزية في تأكيد حقوق الأكراد، فإن الحكم النهائي عليه سيكون مرهونًا بمدى تطبيقه على أرض الواقع. وفي غياب ترتيبات موثوقة تترجم الالتزامات إلى سياسات ملموسة، تخاطر سوريا بالدخول في دوامات جديدة من العنف، بما يقوض التعافي الاقتصادي والانتقال السياسي العادل.

لينا غوتوق

يتيح الانتقال السياسي الحالي في سوريا فرصة حاسمة لإنهاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المتراكمة منذ عقود. ولذلك، ينبغي أن تأخذ العدالة الانتقالية في البلاد مسارًا شاملًا، يتعاطى مع الجرائم التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، وليس نظام الأسد فقط. ويتطلب ذلك المضي قدمًا في الملاحقات القضائية وإرساء برامج جبر الضرر للضحايا، بالإضافة إلى وضع خارطة طريق واضحة لمعالجة ملف المفقودين وضمان حصول العائلات على إجابات شافية بشأن مصير ذويهم. كما يجب أن تضمن الإصلاحات القانونية والمؤسسية عدم تكرار الانتهاكات السابقة.

كما ينبغي وضع حقوق النساء في صميم مسار الانتقال، عن طريق إشراكهن بصورة فاعلة في صياغة مستقبل البلاد من خلال ضمان تمثيلهن في عمليات بناء السلام وهيئات صنع القرار. كما سيكون لتعزيز سيادة القانون من خلال إصلاح القضاء دور أساسي في ضمان العدالة وتوفير الحماية لجميع السوريين.

ويمثل إصلاح المؤسسات العسكرية السورية أولوية أخرى، إذ يشكل وجود جيش يمثّل جميع المكونات المجتمعية ويستند إلى احترام حقوق الإنسان شرطًا جوهريًا لتحقيق سلام دائم وتعزيز التماسك الوطني. يشكّل تضافر هذه الجهود ضرورة من أجل بناء وطن تُصان فيه العدالة والمساواة وحقوق الإنسان للجميع.

أحمد حلمي

في عام 2026، تقف سوريا عند لحظة حاسمة مليئة بالفرص رغم التحديات السياسية والاجتماعية والمؤسسية الجسيمة. تواجه السلطات الانتقالية إرثين يتعين عليها معالجتهما: إرث حقبة الأسد، بالإضافة إلى سجل الجماعات المسلحة، التي أصبح بعضُها اليوم جزءًا من الحكومة الحالية والأجهزة الأمنية.

ويتطلب التعامل مع هذا المشهد المعقد إطلاق عملية عدالة انتقالية وطنية شاملة، تتمحور حول الناس وتقودها الأطراف المحلية، وهو أمر ضروري من أجل إعادة بناء التماسك الاجتماعي، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وترسيخ سيادة القانون. وقد شكل إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية خطوة أولى مهمة، إلا أن فعاليتها لا تزال غير مختبرة، وستكون محل تدقيق في عام 2026، بالتوازي مع قانون العدالة الانتقالية المنتظر إقراره خلال العام نفسه.

ويستدعي هذا الظرف اهتمامًا مستدامًا من مجتمع السياسات الدولي. وخلال لقاءات ثنائية جمعتنا مع صانعي القرار في الدول الغربية، برز تحوّل واضح في الأولويات باتجاه الاستقرار والأمن، وغالبًا ما يجري ذلك من خلال التركيز على عودة اللاجئين، واستئناف النشاط التجاري، وتعزيز الاستقرار الإقليمي. فمن دون معالجة جدية للانتهاكات السابقة، وترسيخ إحساس مشترك بالعدالة في مختلف أنحاء سوريا، سيظل الأمن المستدام هدفًا بعيد المنال، ليحد من فرص الانخراط الاقتصادي الحقيقي من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين.

إن التوتر الملحوظ بين معالجة قضايا الماضي وبناء المستقبل ليس جديدًا. تُظهر التجارب التاريخية أن التعافي الاقتصادي المستدام لا يمكن تحقيقه دون المساءلة والعدالة. وتمتلك سوريا فرصة نادرة لاعتماد نموذج تنموي موجّه نحو التعافي والنمو، يمضي قدمًا مع أخذ إرث الماضي بعين الاعتبار، من خلال دمج جبر الضرر والعدالة الانتقالية كأسس للاستقرار. وينبغي للمجتمع الدولي أن يظل منخرطًا بشكل وثيق في متابعة هذا المسار ومعرفة مدى تطوره.


لبنان

جان قصير

يقف لبنان في عام 2026 أمام ثلاثة استحقاقات مفصلية تتمثل في الانتخابات النيابية، واستمرار الضغوط الدولية لنزع سلاح حزب الله، والبدء المحتمل للتعافي الاقتصادي.

تظل مسألة نزع سلاح حزب الله محورًا رئيسيًا في تشكيل جميع الملفات السياسية، حيث تواجه السلطات اللبنانية سياسة أميركية أكثر تشددًا تركز على هذه المسألة على حساب كل القضايا الأخرى، إلى جانب الهجمات العسكرية الإسرائيلية المستمرة. ويتزايد هذا الضغط الأمريكي مع تحسّن علاقة واشنطن مع دمشق، وهو ما قد يدفع لبنان نحو إقرار ترتيبات أمنية مع إسرائيل، بغض النظر عن المخاطر السياسية الداخلية. وستكون رغبة حزب الله، أو قدرته، على التفاوض من أجل إيجاد خروج سياسي أو إعادة تعريف دوره عاملًا حاسمًا في رسم ملامح هذه المرحلة الانتقالية.

وفي الوقت نفسه، قد يشهد عام 2026 أول خطوة عملية نحو الاتفاق على برنامج مع صندوق النقد الدولي، شريطة إقرار الإصلاحات المالية في وقت مبكر من العام. ومن شأن هذا البرنامج أن يفتح الباب أمام تدفقات تمويل دولية طال انتظارها، ستكون ضرورية للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.

وستنعكس هذه الديناميات بالضرورة على الانتخابات النيابية المقرر انعقادها في مايو/أيار 2026، والتي قد تعيد تشكيل المشهد السياسي اللبناني، إذا أُجريت في موعدها. تدخل القوى الإصلاحية والمناهضة للمنظومة السباق الانتخابي وهي مثقلة بضعف الموارد وغياب الزخم السياسي. في المقابل، قد تشهد القيادات المسيحية مزيدًا من التمركز حول حزب القوات اللبنانية، فيما يبقى التمثيل السني منقسمًا لدورة انتخابية ثانية في ظل غياب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، زعيم تيار المستقبل. وفي الأوساط الشيعية، يُرجح أن تتكثف محاولات تحدي هيمنة الثنائي حزب الله وحركة أمل في سياق ما بعد الحرب. وفي الوقت ذاته، تعكس الجهود الرامية إلى ترسيخ كتلة نيابية موالية للوبي المصارف مسعى مستمرًا من النخب المالية للحفاظ على نفوذها السياسي. 

في المجمل، سيكون إجراء الانتخابات في موعدها أو تأجيلها مؤشرًا على ما إذا كان لبنان يتجه نحو انتقال سياسي أم نحو مزيد من الجمود.

علي نور الدين

خلال عام 2026، سيكون على صنّاع السياسة العامّة في لبنان بدء التعامل الجدّي مع تداعيات الحرب الإسرائيليّة، بعد طول تأخير. يمكن إطلاق هذا المسار بالعمل على مستويين أساسيين: أولًا، البدء بالإنفاق على تأهيل البنية التحتيّة والمساكن في المناطق الأكثر تضرّرًا عبر تعبئة الموارد الماليّة المحلية، وأيضًا من خلال إطلاق مؤتمر للمانحين. وثانيًا، توفير التعويضات المناسبة وتأمين السكن للمهجّرين المنتظرين إعادة الإعمار.

على مستوى الأزمة الماليّة القائمة، سيكون على السلطات اللبنانيّة الإسراع في العمل على إقرار قانون الفجوة الماليّة، آخر التشريعات المطلوبة لبدء عمليّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وبالتوازي، على الحكومة وضع استراتيجيّة ملائمة لبدء التفاوض مع الدائنين، للتمكّن من إعادة هيكلة الديون العموميّة، ومن ثم إعادة الانتظام للماليّة العامة. ومن المفترض أن تمهّد هاتان الخطوتان لتوقيع اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، ما سيخدم أهداف التعافي على مستوى الاقتصاد الكلّي.

أخيرًا، يُنتظر من الحكومة اللبنانيّة تحوّلًا جذريًا في سياساتها الماليّة المعتمدة حاليًا، من خلال تعديلات ضريبيّة ترفع الإيرادات، دون زيادة العبء المُلقى على الفئات الأكثر هشاشة، في مقابل زيادة الإنفاق العام على شبكات الحماية الاجتماعيّة. وبشكلٍ خاص، أمام الحكومة تحديات كبيرة على مستوى النهوض بقطاعيّ التعليم العام والاستشفاء الحكوميّ، فضلاً عن البدء بالعمل على تغطية صحيّة شاملة تخدم اللبنانيين كلهم.

شهرزاد الحجار

ما لم يطرأ أي تأجيل غير متوقع، من المقرر أن يجري لبنان الانتخابات النيابية في مايو/أيار 2026. يُنتظر من المجلس النيابي الجديد أن يطوي صفحة المجلس السابق، الذي أخفق في إقرار إصلاحات حاسمة عندما اقتضت الحاجة. لم ينجح مجلس النواب بعد في إقرار كامل التشريعات المطلوبة لمعالجة الأزمة المالية التي تفجّرت عام 2019، كما استغرق الأمر ست سنوات حتى يتم إقرار قانون استقلالية القضاء. في عام 2026، ينبغي للبرلمان أن يدفع باتجاه إصلاحات تعزز المساءلة والتعافي، بما في ذلك إقرار تشريعات إضافية لتعزيز النظام القضائي، مثل قانون استقلالية المحاكم الإدارية وقانون إصلاح المحكمة العسكرية.على صعيد العدالة والمساءلة، شهد عام 2025 بعض التقدم، إذ اتُخذت إجراءات قضائية بحق وزراء سابقين وموظفين آخرين بتهم الفساد وإساءة استخدام السلطة. ينبغي دعم هذه الجهود والبناء عليها عبر فتح ملفات إضافية. وعلى نحو أوسع، يتعين على الدولة توفير دعم أكبر لقطاع العدالة وضمان عمل جميع المحاكم بكامل طاقتها. فمحاكم العمل التحكيمية، على سبيل المثال، لا تعمل بكامل قدرتها منذ سنوات، ما حرم الموظفين من أي إمكانية للإنصاف بعد موجات الفصل الجماعي التي أعقبت الانهيار الاقتصادي. ورغم أن التحقيق في انفجار مرفأ بيروت استعاد مؤخرًا بعض الزخم، فإن جهود قاضي التحقيق ما تزال بحاجة إلى دعم مستدام ومتواصل.

جاد الديلاتي

يدخل لبنان عام 2026 والمشهد الأمني في البلاد لا يزال متأثرًا بعمق بتداعيات حرب عام 2024 مع إسرائيل، وسط تنامي المخاوف من احتمال تصعيد إسرائيلي آخر. ويتجلى هذا الواقع بوضوح في جنوب لبنان، حيث يواجه المواطنون غارات إسرائيلية شبه يومية تضاعف من الدمار الواسع والنزوح والتهميش الاقتصادي الذي يعانونه، في ظل غياب دعم حكومي فعّال لجهود التعافي.

في عام 2026، ينبغي أن تضع الحكومة اللبنانية مهمة إعادة بناء الثقة مع المواطنين في الجنوب في صدارة أولوياتها، وأن تعمل على ترسيخ حضور فعلي للدولة يتجاوز مستوى الخطاب السياسي. يتطلب ذلك الاستثمار في الخدمات الأساسية، ووضع خطة منهجية للتعافي وإعادة الإعمار، وإشراك أبناء الجنوب في عمليات صنع القرار، فضلًا عن تقديم استجابة حقيقية للانتهاكات الإسرائيلية. وبالتوازي، على المجتمع الدولي أن يعيد تقييم مقاربته تجاه لبنان من خلال تبني إطار أكثر شمولية يُنظر فيه إلى إعادة الإعمار، وتقديم الخدمات، والإصلاح، والمساءلة باعتبارها عناصر أمنية جوهرية بحد ذاتها، على أن يقترن ذلك بخطاب سياسي واضح يؤكد سيادة لبنان.

كذلك، ينبغي لدوائر صنع السياسات إدراك أن الجيش اللبناني يعمل ضمن بيئة شديدة الهشاشة، في ظل تكليفه بمهمة نزع سلاح حزب الله، بالتزامن مع معاناته من نقص حاد في التمويل والتجهيز. إن أي تقليص إضافي في قدراته من شأنه أن يهدد الاستقرار الداخلي ويزيد هشاشة الوضع الأمني في الجنوب، فضلًا عن إضعافه بوصفه المؤسسة الأمنية الشرعية الوحيدة التي تحظى بقدر واسع من الثقة العامة.


بلاد الشام

جاستن صالحاني

في عام 2026، يتحتم على دوائر صنع السياسات المتابعة الدقيقة لسرديات التضليل الإعلامي والمعلومات المغلوطة حول سوريا ولبنان، والنظر تحديدًا في دور تقنيات الذكاء الاصطناعي في تضخيم التضليل داخل المنطقة، لما ينطوي عليه ذلك من زيادة مخاطر اندلاع النزاعات، وتقويض الثقة بالحكومات، وتشويه فهم الواقع بشكلٍ عام.

وعلى الرغم من تباين التحديات بين البلدين، فإن ثمة تقاطعات واضحة. ففي لبنان، يوظف بعض السياسيين ولوبي المصارف منصات الإعلام التقليدية — وبصورة متزايدة وسائل التواصل الاجتماعي — للترويج لسرديات تخدم مصالحهم المالية والسياسية.

كما أطلقت إسرائيل حملات إعلامية تزعم أن حزب الله يعيد بناء قدراته جنوب نهر الليطاني، لتتلقف بعض الأطراف اللبنانية هذه السردية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية في ظل تراجع نفوذ الحزب، وذلك رغم تأكيد مسؤولي قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) وبعض الدبلوماسيين عدم توافر أدلة تدعم هذه المزاعم. كذلك لجأت إسرائيل إلى استخدام الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف تقويض جهود الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني.

أما في سوريا، فقد أسهم التحريض على الإنترنت، إلى جانب انتشار المعلومات المزيفة والتضليل الإعلامي، في تأجيج العديد من حوادث العنف الطائفي واسع النطاق. وبينما تنتظر شريحة واسعة من السوريين تحقيق العدالة بعد أربعة عشر عامًا من الحرب وأكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي، ينذر هذا التحريض بتصعيد مشاعر الغضب والإحساس بالظلم، بما قد يؤدي إلى ردود أفعال عنيفة. وتُعد أحداث العنف في الساحل السوري خلال مارس/آذار 2025، وأحداث السويداء في يوليو/تموز من العام نفسه، مثالين بارزين على الدور الذي لعبته المقاطع المصورة المتداولة عبر الإنترنت في إشعال العنف وتعميق الاستقطاب الطائفي.

ويُرجَّح، في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما قدرتها على إنتاج صور ومقاطع فيديو عالية الواقعية، إلى جانب تقاعس منصات التواصل الاجتماعي عن الضبط الفعّال للمحتوى، أن يشهد عام 2026 تصاعدًا في توظيف هذه التقنيات بشكل سيئ من قبل بعض الأطراف بغرض تشويه سمعة خصومهم السياسيين.


مصر

سارة حمزة

تثير تركيبة البرلمان المصري الجديد، الذي تهيمن عليه أحزاب مقرّبة من السلطة بصورة شبه كاملة، مخاوف بشأن إمكانية تمرير تشريعات قد تنتقص من الضمانات الدستورية أو توسّع نطاق الصلاحيات الاستثنائية الممنوحة للدولة. يأتي ذلك في لحظة تبرز فيها الحاجة إلى حماية الحقوق المدنية والسياسية عن طريق إصلاحات تدعم حرية التعبير، وحرية التنظيم والتجمع، والحق في المشاركة العامة.

لا يقتصر القلق على قوانين بعينها، بل يمتد إلى المسار العام الذي قد يسلكه هذا البرلمان، بما يحمله من إشكاليات دستورية أعمق. إذ قد يسهم في تسريع تآكل مبدأ الفصل بين السلطات من خلال توسيع نفوذ السلطة التنفيذية، وإضعاف أدوات الرقابة البرلمانية، وترسيخ التدابير الاستثنائية داخل الأطر القانونية العادية. وتتضاعف أهمية ذلك بالنظر إلى أن هذا البرلمان سيكون الأخير قبل انتهاء الولاية الثالثة والأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2030، ما يجعله فاعلًا مؤسسيًا محوريًا في أي تعديلات دستورية محتملة قد تعيد صياغة حدود مدد الرئاسة والنظام الدستوري برمّته.كما أن الدعوة إلى مراجعة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في إطار رؤية 2030 أعادت إلى الواجهة النقاش حول غياب إصلاح حقوقي فعلي، واستمرار تهميش المجتمع المدني من هذا المسار. فقد اتسمت الاستراتيجية السابقة بطابع إجرائي وشكلي، من دون إقرار صريح بالانتهاكات الموثقة أو معالجة الخلل البنيوي في منظومة العدالة. إن أي نسخة محدّثة من الاستراتيجية ستبقى محدودة الجدوى ما لم تُبنَ على مشاركة حقيقية وشفافية كاملة واعتراف واضح بالانتهاكات التي وثّقتها جهات مستقلة على مدى السنوات الماضية.

دينا كامل

من المقرر دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2026. سيكشف تطبيق القانون مدى أثره في هياكل العدالة في مصر، خاصة في ظل الانتقادات التي طالته، سواء فيما يتعلق بتوسيعه صلاحيات النيابة العامة بشأن الحبس الاحتياطي، أو فيما يخص تقليصه حقوق الدفاع، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية تكريسًا لانتهاكات لطالما شوّهت عمل منظومة العدالة.

كما يُنتَظر خلال العام الحالي صدور اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم لجوء الأجانب الجديد وبدء تطبيقه. يثير القانون مخاوف عديدة، أبرزها منحه السلطات المصرية السيطرة التامة على منظومة اللجوء، ما قد يفتح الباب أمام الإعادة القسرية وانتهاك حقوق اللاجئين.

وفي الوقت ذاته، ينبغي متابعة أوضاع المحتجزين في السجون المصرية خلال العام الجديد، خاصة أن عام 2025 كان من أسوأ السنوات على الإطلاق، إذ تجاوزت أعداد الوفيات خلال العام خمسين حالة، ما بين الإهمال الطبي والتعذيب، بالإضافة إلى تكرار محاولات الانتحار بين السجناء، والإضرابات شبه المستمرة على مدار العام.


تونس

إياد حمادي

في عام 2026، تجد تونس نفسها مطالَبة بالتعامل مع الضغوط المتزايدة المرتبطة بحوكمة الهجرة والهشاشة الاقتصادية، بما يستدعي الانتقال من الإدارة الارتجالية القائمة حاليًا إلى إصلاحات هيكلية مستدامة.

فقد اعتمدت البلاد خلال عام 2025 على تدابير أمنية مؤقتة وعشوائية، ترافقت مع انتهاكات بحق مهاجرين أفارقة من دول جنوب الصحراء. ومن ثم، ينبغي أن تُعطى الأولوية لإرساء إطار مؤسسي للهجرة واللجوء قائم على احترام حقوق الإنسان، إلى جانب إنشاء آلية حماية منسقة، وضمان ألا تؤدي تدخلات الاتحاد الأوروبي إلى تقويض مبدأ عدم الإعادة القسرية أو الانتقاص من الضمانات القضائية.

وبالتوازي، يتعين على صانعي القرار في تونس التصدي لظاهرة هجرة الكفاءات، التي تتسارع بشكل مقلق، لا سيما في القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية والتكنولوجيا. تعكس هذه الهجرة الواسعة للكوادر المؤهلة قصورًا مؤسسيًا في استيعاب الطاقات الوطنية، وعجزًا بنيويًا عن تجاوز التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.

وإجمالًا، تبدو تونس بحاجة إلى إعادة صياغة سياساتها في ملف الهجرة وعلاقاتها الخارجية بما يعزز استقلالية قرارها الوطني، بدلًا من القبول باختزال دورها كمنطقة عازلة على أعتاب القارة الأوروبية. كما ينبغي مقاربة الهجرة بوصفها قضية إقليمية واقتصادية مشتركة، تُدار ضمن رؤية وطنية متماسكة ومنهجية.


إقليميًا

ياسمين ليليان دياب

في عام 2026، يُنتظر من دوائر صنع السياسات إيلاء اهتمام خاص لثلاث ديناميات إقليمية مترابطة ترسم ملامح قضايا التنقل السكاني والحوكمة والحماية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:

أولًا، تُختزل معالجة قضايا اللجوء والنزوح في مفهوم ”العودة“، بعيدًا عن اعتبارات السلامة والحقوق والاستدامة، سواء لدى الدول أو الجهات المانحة. وفي عموم المنطقة، ولا سيما في سوريا والسودان، تنطوي أطر العودة المبكرة على مخاطر تكريس الضرر، خصوصًا للفئات التي عانت طويلًا من التهميش والإقصاء من أنظمة التوثيق والحماية والانتماء السياسي.

ثانيًا، تستدعي التفاوتات العميقة داخل أوضاع النزوح تركيزًا عاجلًا. فالتدهور الاقتصادي، والضغوط المناخية، وأمننة الحدود، وتقلّص الحيز الإنساني، تسهم في خلق تراتبية من الهشاشة داخل مجتمعات اللاجئين والمهاجرين، حيث يحدد الوضع القانوني والنوع الاجتماعي والعمر والإعاقة والهوية مدى القدرة على الوصول إلى مقومات البقاء الأساسية. ومن شأن السياسات التي تغفل هذه التفاوتات الداخلية أن تفاقم الهشاشة بدل الحد منها.

ثالثًا، يُتوقع أن تتعاظم أهمية الاقتصادات غير الرسمية واقتصادات الكفاف بما في ذلك قطاعات العمالة والسكن والتنقل، بوصفها مساحات رئيسية للحوكمة. ومع تراجع مظلات الحماية الرسمية، تميل الدول بشكل متزايد إلى إدارة هذه المجالات عبر الإهمال أو التجريم أو التطبيق الانتقائي للقوانين. ويظل فهم الاقتصاد غير الرسمي، بوصفه آلية للتكيف وأداة للضبط والسيطرة، عنصرًا أساسيًا لصياغة تدخلات سياساتية واقعية تستند إلى مقاربة قائمة على صون الحقوق.

هايلي شولر-مكوين

شهدت بلدان المنطقة موجات حرّ قاسية عام 2025 الذي صُنف واحدًا من أحر الأعوام على الإطلاق. وفي ظل استمرار النزاعات الإقليمية وغياب مسارات انتقال سياسي قائمة على العدالة، يُرجَّح أن تسهم الأطراف الإقليمية في تفاقم آثار تغيّر المناخ خلال عام 2026. فعلى سبيل المثال، خلّف العدوان الإسرائيلي على غزة بصمة كربونية قُدِّرت بأنها تفوق بصمة دول بأكملها.

وإذا بقي الوضع على حاله دون معالجة، ستظل المنطقة عرضة لمخاطر الكوارث المناخية والطبيعية، خصوصًا فيما يتعلق بموجات الجفاف والتصحر والفيضانات التي تؤثر في المجتمعات المحلية. كذلك يُتوقع أن تتفاقم تداعيات بعض الكوارث المفاجئة، مثل الفيضانات وحرائق الغابات، نتيجة ضعف الاستعداد للطوارئ، والهشاشة الاقتصادية الكلية، واستمرار النزاعات الإقليمية.

ولمواجهة هذه التحديات بفاعلية، يتعين على الجهات الفاعلة في مجال التمويل المناخي إعطاء أولوية أكبر لإجراءات التكيف المناخي خلال عام 2026، من خلال تطوير السياسات ومواءمتها بما يستجيب لتداعيات تغيّر المناخ. ورغم تركيز العديد من البرامج المناخية القائمة على الاستثمار في الطاقة المتجددة في المنطقة، فإن تعزيز التكيّف يقتضي أيضًا دعم الزراعة المحلية، وأنظمة المياه، والبنية التحتية، للتعامل مع الآثار المتزايدة التي بات تغيّر المناخ يفرضها بالفعل على الحياة اليومية في مختلف أنحاء المنطقة.

: اقرأ التالي

تتناول عدة تحقيقات رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي وعددًا من شركائه في لبنان وخارجه، على…

يغيب أهالي السجناء عن القوانين واللوائح المنظمة للسجون في مصر، رغم أنهم جزء من منظومة احتجاز…

تحدى الصحفي اللبناني مهدي كريّم إنذارات الإخلاء ليزور مسقط رأسه في مدينة صور جنوب لبنان، ليجد…