timep single arabic page
Families of the victims of the Beirut port blast hold pictures of their loved ones during a protest outside the capital's judiciary palace (Photo by Marwan Naamani/picture alliance via Getty Images)

التحقيقات في تفجير مرفأ بيروت: مسار طويل بين العرقلة والمطالبة بالمساءلة

تمضي التحقيقات المحلية والدولية في تفجير مرفأ بيروت ببطء شديد، في ظل استمرار العراقيل التي تحول دون تقدمها، لتبقى عائلات الضحايا في انتظار العدالة والمساءلة.


بعد مرور أكثر من خمس سنوات على تفجير مرفأ بيروت الذي أودى بحياة أكثر من مئتي شخص وأصاب الآلاف، وألحق دمارًا واسعاً بالعاصمة في 4 أغسطس/آب 2020، لا يزال الضحايا وذووهم يترقبون معرفة الحقيقة الكاملة لما حدث ومحاسبة المسؤولين عنه.

ومع أن التحقيق في التفجير بقي معطلاً لسنوات، فإن القضية استعادت قدرًا من الزخم عقب انتخاب الرئيس جوزاف عون وتكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة في يناير/كانون الثاني 2025، إذ تعهّد الاثنان بالعمل من أجل تحقيق المساءلة وإنصاف ضحايا التفجير. ثم في مارس/آذار 2026، اختتم المحقق العدلي القاضي طارق بيطار التحقيق، موجهًا الاتهام إلى 70 شخصًا.

استئناف التحقيقات وتأخر القرار الاتهامي

في السنوات التي تلت التفجير، استعمل النائب العام التمييزي غسان عويدات – الذي كان بدوره مدعى عليه في القضية بتهم مرتبطة بالإهمال، حسب التقارير – صلاحياته لعرقلة تحقيقات القاضي طارق بيطار عرقلةً منهجي. وشمل ذلك إطلاق سراح عدد من المشتبه بهم، ومنع القوى الأمنية من تنفيذ مذكرات بيطار، فضلاً عن إقامة دعوى ضد بيطار بتهمة اغتصاب السلطة. ومع تقاعد عويدات عام 2024، أُزيلت في عام 2025 جملة من العراقيل التي كان قد فرضها. كذلك رفع خلفه جمال الحجار الحظر المفروض على التعاون مع بيطار، ما أفسح المجال أمام استئناف التحقيق، بالتوازي مع إسقاط دعوى اغتصاب السلطة. ونتيجة لذلك، بات بيطار قادرًا أخيرًا على استكمال تحقيقاته بعد سنوات من التدخلات السياسي والتهديدات التي قيّدت أداءه لمهمته.

رغم هذه التطورات، استمر عويدات وآخرون من المدعى عليهم في الامتناع عن الامتثال لإجراءات التحقيق. فقد رفض عويدات تبلُّغ مذكرة استدعائه إلى الاستجواب، فيما امتنع غازي زعيتر، وزير الأشغال العامة السابق وأحد المدعى عليهم من قبل بيطار، عن المثول أمام المحقق العدلي.

وشهدت القضية تطورًا مهمًا آخر عام 2025، تمثّل في توقيف الشرطة البلغارية، في سبتمبر/أيلول، الروسي إيغور غريتشوشكين، مالك السفينة روسوس (Rhosus) التي نقلت شحنة نترات الأمونيوم التي انفجرت في المرفأ. وكان غريتشوشكين قد أُدرج على قوائم المطلوبين لدى الإنتربول بناءً على طلب السلطات القضائية اللبنانية، التي سعت إلى ملاحقته بتهم ”إدخال مواد متفجرة إلى لبنان، وارتكاب عمل إرهابي أفضى إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص، وتعطيل معدات بقصد إغراق سفينة“. ورغم أن السلطات البلغارية كانت قد رفضت في وقت سابق تسليمه إلى لبنان خشية تعرّضه لعقوبة الإعدام، فإنها سمحت للقاضي بيطار باستجوابه على الأراضي البلغارية في ديسمبر/كانون الأول 2025، غير أنّ غريتشوشكين امتنع عن الإجابة عن أسئلته.

كما اتُّخذت إجراءات قانونية بحق مشتبه بهم وُجهت إليهم اتهامات بعرقلة التحقيقات. ففي 16 يناير/كانون الثاني 2025، قضت محكمة البداية في بيروت بإلزام الوزيرين السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر بدفع عشرة مليارات ليرة لبنانية (نحو 111 ألف دولار) تعويضًا عن التعسف في استعمال حقهم بالدفاع، ما نجم عنه عرقلة سير العدالة. وكان الاثنان، اللذان أُفيد بتورطهما في القضية، قد تقدّما بأكثر من عشرة طلبات ردّ بحق بيطار وبحق القضاة المكلّفين بالنظر في تلك الطلبات.

وفي 30 مارس/آذار 2026، اختتم بيطار تحقيقاته وأحال الملف إلى النائب العام التمييزي جمال الحجار، الذي سيتولى مراجعة الملف وإبداء ملاحظاته عليه، قبل أن يتمكن بيطار من إصدار القرار الاتهامي رسميًا وإحالة المشتبه بهم إلى المجلس العدلي تمهيدًا لبدء المحاكمة الفعلية.

رفض طيّ الملف رغم الضغوط على عائلات الضحايا

لا تزال عائلات ضحايا تفجير المرفأ تتعرض لضغوط متواصلة جراء تمسكها بالمطالبة بالحقيقة والمساءلة. ففي أغسطس/آب 2025، استُدعي ويليام نون، شقيق أحد رجال الإطفاء الذين قضوا في التفجير والمتحدث باسم عائلات الضحايا، للاستجواب على خلفية كلمة ألقاها خلال إحياء الذكرى الخامسة للتفجير. وكان ذلك الاستدعاء الثامن الذي يواجهه نون، في ما يعكس استمرار الضغوط المسلطة على من يطالبون بكشف الحقيقة ومحاسبة المسئولين عن التفجير.

وعلى الرغم من الوعود التي أطلقها كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بشأن المساءلة، فإن الرسائل الصادرة عن السلطات اللبنانية لم تكن جميعها مطمئنة لعائلات الضحايا. مثلًا، تم تعيين غراسيا القزي رئيسةً لمديرية الجمارك في يناير/كانون الثاني 2026، رغم أنها كانت عضوةً في المجلس الأعلى للجمارك عند وقوع التفجير وكانت على علم بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ. كما لاحقها القاضي بيطار بتهم تتصل بالإهمال والإخفاق في اتخاذ التدابير اللازمة، إلى جانب اتهامات فساد لا ترتبط مباشرة بالقضية. وقد قوبل تعيينها باحتجاجات من عائلات الضحايا.

وبررت الحكومة هذا التعيين بكونه متوافقًا مع القانون، استنادًا إلى عدم صدور أي إدانة بحق القزي، وإلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة. غير أن هذا التبرير لم يرضِ عائلات الضحايا، إذ رأى كثيرون أن القرار يقوض التعهدات التي أعلنها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بشأن إحقاق العدالة وتحقيق المساءلة.

استمرار التحقيقات في الخارج

أمام العراقيل التي اعترضت مسار التحقيقات الداخلية، لجأت عائلات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني إلى مسارات بديلة سعيًا إلى تحقيق المساءلة. وشمل ذلك المطالبة بإيفاد بعثة أممية لتقصّي الحقائق، إلى جانب البدء في اتخاذ إجراءات قانونية أمام عدد من الولايات القضائية الأجنبية.

في المملكة المتحدة، رفعت نقابة المحامين في بيروت وعدد من عائلات ضحايا التفجير، عام 2021، دعوى مدنية ضد شركة سافارو (Savaro) البريطانية، المالكة لشحنة نترات الأمونيوم التي تسببت في التفجير. واستندت الدعوى إلى اتهام الشركة بعدم ضمان التخزين السليم للمواد المتفجرة داخل المرفأ. وفي عام 2023، خلصت المحكمة العليا في لندن إلى مسئولية الشركة عن الوفيات والأضرار الناجمة عن التفجير، وحكمت بتعويضات لصالح المدعين. غير أن سافارو لم تتمكن من الوفاء بهذه التعويضات، وقد صدر قرار بتصفيتها في ديسمبر/كانون الأول 2024.

وفي عام 2022، أقام محامون يمثلون تسعة من ضحايا التفجير دعوى مدنية أمام القضاء الأمريكي ضد مجموعة TGS الجيوفيزيائية الأمريكية-النرويجية، المالكة لشركة سبكترم جيو ليمتد (Spectrum Geo Ltd). وكانت الأخيرة قد تعاقدت على استقدام سفينة روسوس إلى بيروت، رغم أنها كانت تحمل بالفعل الشحنة المتفجرة، لتحميل 160 طنًا إضافيًا من معدات مسح الزلازل بما يفوق قدرتها الاستيعابية، مع علم الشركة بعدم صلاحية السفينة للإبحار. ولا تزال القضية في مرحلة الإفصاح عن المعلومات، وهي المرحلة التي يلتزم فيها أطراف الدعوى بتقديم ما بحوزتهم من أدلة ومعلومات إلى المحكمة. ويطالب الضحايا الممثلون في هذه الدعوى بتعويضات قدرها 250 مليون دولار عن الأضرار التي تكبدوها.

وفي فرنسا، فتح الادعاء العام تحقيقات في التفجير، إذ إن من بين المتضررين مواطنين فرنسيين ولبنانيين-فرنسيين، بحسب ما أوضحته زينة واكيم، المحامية الدولية وعضو مجلس إدارة منظمة المحاسبة الآن (Accountability Now)، التي تتولى تمثيل الضحايا في هذه القضية، وتقديم الدعم القانوني لهم، والمطالبة بتعويضات عن خسائرهم.

ولا تزال التحقيقات الفرنسية مستمرة، فيما تنسّق السلطات القضائية الفرنسية مع القاضي بيطار لتعزيز التعاون القضائي المتبادل بين البلدين، سعيًا إلى تتبّع شبكة الفساد الأوسع التي أتاحت وقوع التفجير.

ووفقًا لـ”واكيم“، قدّمت منظمة المحاسبة الآن أيضًا شكاوى جزائية أمام النيابتين العامتين في ألمانيا وبلجيكا، بهدف الدفع نحو فتح تحقيقات في القضية وتوسيع المسارات القانونية المتاحة أمام الضحايا لملاحقة العدالة. وتهدف هذه الجهود، في مجملها، إلى كشف الحقيقة الكاملة وراء التفجير عبر توسيع نطاق التحقيق ليشمل شبكة المسؤولين عنه، ومحاسبتهم، ومواجهة ثقافة الإفلات من العقاب الراسخة في لبنان.

منع تكرار الكارثة

سيكون للنتائج الكاملة للتحقيق دورًا أساسية في فهم وتحديد السبب الدقيق للتفجير. غير أن ما كشفه التحقيق، حتى الآن، هو أن مسئولين حكوميين كانوا، على أقل تقدير، على دراية بوجود شحنة نترات الأمونيوم المخزّنة في المرفأ، دون اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ما حدث. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تكون مكافحة الفساد والتعيينات السياسية غير الكفؤة في المرفأ وسائر المؤسسات العامة أولويةً لتفادي تكرار مآسٍ مشابهة في المستقبل. كذلك، تضرر مسار التحقيق نفسه بفعل ثغرات إجرائية، من بينها الحصانات الممنوحة لمسئولين سياسيين رفيعي المستوى، وعدم الالتزام بالإجراءات القانونية الواجبة، وهو ما يفرض إصلاح هذه الإجراءات للحد من فرص عرقلة التحقيقات مستقبلاً.

ولم تقتصر آثار التأخير المتكرر على إطالة انتظار الضحايا للعدالة فحسب، بل زادت أيضًا من حجم الظلم الذي لحق بهم أساسًا. كما أن ضمان استقلالية القضاء وفاعلية إجراءاته من شأنه أن يُسهم إسهامًا كبيرًا في حماية حقوق ضحايا الجرائم والإهمال الجنائي.

: اقرأ التالي

لا يمكن فهم ما يجري في دارفور أثناء الحرب الحالية بمعزل عن عوامل متداخلة امتدت لعقود،…

في لبنان، يتم توظيف التضليل والتهديد وخطاب الكراهية كأدوات اتّصال سياسيّة في زمن الحرب.

وجدت مصر نفسها مضطرة لإدارة تداعيات حرب لم تكن ترغب فيها: صدمات اقتصادية، وعدم استقرار إقليمي،…