التعذيب في سوريا على جدول أعمال محكمة العدل الدولية

لاقت إجراءات محكمة العدل الدولية ضد سوريا استحسانًا كبيرًا، وتمت الإشادة بها كخطوة مهمة نحو تحميل الدولة السورية المسؤولية عن جرائم التعذيب المرتكبة في سوريا منذ عام 2011


Read this article in English here.

في يونيو/حزيران 2023، قدَّمت هولندا وكندا طلبًا مشتركًا لرفع دعوى ضد الحكومة السورية أمام محكمة العدل الدولية بتهم تتعلق بالتعذيب. ومن المقرر أن تبدأ أولى جلسات الاستماع الشفهية في هذه القضية في يومي 10 و11 أكتوبر/تشرين الأول 2023. في هذا الصدد، تقوم الوحدة القانونية في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط بتوضيح تفاصيل القضية من خلال الإجابة على الأسئلة التالية، كما تُسلط الضوء على أهمية هذه الخطوة، وإلى أي مدى تتناسب هذه الإجراءات مع جهود المساءلة والعدالة الأخرى في سوريا.

ما تفاصيل القضية وعلى أي ولاية قضائية استندت؟

في الثامن من يونيو/حزيران 2023، قدمت حكومتا كندا وهولندا طلبًا مشتركًا لرفع دعوى لدى محكمة العدل الدولية ضد حكومة الجمهورية العربية السورية بسبب استخدامها “المفرط والممنهج” للتعذيب والانتهاكات، والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم، وتُرتكب على نطاق واسع منذ عام 2011 على أقل تقدير. 

ومحكمة العدل الدولية هي المحكمة الدولية الوحيدة التي تتولى تسوية وفض النزاعات بين الدول، بما في ذلك تلك التي تنطوي على تفسيرات القانون الدولي والمعاهدات الدولية. ولا تنظر المحكمة في القضايا المرفوعة ضد الأفراد، كما أنها لا تسمح للأفراد والمجموعات غير الحكومية، مثل منظمات المجتمع المدني، بتقديم بيانات تطالب برفع قضايا، وتُعتبر قرارات محكمة العدل الدولية مُلزمة ونهائية، وغير قابلة للاستئناف.

في هذه القضية تحديدًا، تضافرت جهود كندا وهولندا معًا لمحاسبة الحكومة السورية على انتهاك اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة (المعروفة باسم اتفاقية مناهضة التعذيب)، والتي أصبحت سورية دولة طرفًا فيها في أغسطس/آب 2004. وتسعى كل من كندا وهولندا من خلال رفع هذه الدعوى إلى إجبار الحكومة السورية على الالتزام باتفاقية مناهضة التعذيب، والتوقف عن ممارسة التعذيب، واتخاذ تدابير فعالة لمنع ممارسات التعذيب ومعاقبة من يقوم بها.

كما طلبت كندا وهولندا من محكمة العدل الدولية إقرار تدابير مؤقتة تأمر فعلياً الطرف المخالف، سوريا في هذه الحالة، بالتوقف عن الانخراط في الفعل الذي يشكل جوهر النزاع، أي التعذيب، حتى يتم حل النزاع عبر إصدار المحكمة حكمًا نهائيًا. وقد طلبا هذه التدابير “بسبب الخطر الكبير المتمثل في استمرار التعذيب وغيره من أشكال المعاملة والعقوبة القاسية واللاإنسانية والمُهينة بلا هوادة في سوريا، بما في ذلك طوال مدة الإجراءات أمام المحكمة”.

حددت المادة 30 (1) من اتفاقية مناهضة التعذيب مسارًا يمكن من خلاله عرض النزاعات بين الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب على محكمة العدل الدولية. وسوريا وكندا وهولندا جميعها دولاً أطراف في هذه الاتفاقية، ولم تُقدم أيًا منها اعتراضات، المعروفة رسميًا باسم “التحفظات”، على المادة 30 (1)؛ وبناءً على ذلك، هذه الدول الثلاث مُلزمة بها.

ما هي الخطوات التي اتخذتها هولندا وكندا في الفترة التي سبقت القضية؟

لكي تتمكن من عرض هذه القضية على محكمة العدل الدولية، كان على كندا وهولندا اتخاذ عددًا من الخطوات بما يتماشى مع المادة 30 (1) من اتفاقية مناهضة التعذيب. وبموجب هذه المادة، يجب على الدول أولاً أن تسعى إلى حل أي نزاع بينها من خلال التفاوض. إذا لم يُفضِ ذلك إلى حل، يجب تحويل النزاع إلى التحكيم كطريقة بديلة لحله. إذا لم يتمكن الطرفان في غضون ستة أشهر من الاتفاق على كيفية المضي قُدمًا في التحكيم، يمكن رفع قضية أمام محكمة العدل الدولية.

في 18 سبتمبر/أيلول 2020، أبلغت هولندا سوريا رسميًا بأنها تطلب إجراء مفاوضات بسبب فشل سوريا في الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. وفي الثالث من مارس/آذار 2021، اتخذت كندا إجراءً مماثلاً وأخطرت سوريا رسميًا بذلك. وفي 12 مارس/آذار 2021، وحّدت كندا وهولندا جهودهما، وأعلنتا عزمهما محاسبة الحكومة السورية على هذه الانتهاكات. ومنذ ذلك الحين، قامت كندا وهولندا بعدد من المحاولات للمشاركة في مفاوضات حُسن نية مع سوريا، بما في ذلك إرسال 66 مذكرة دبلوماسية إلى سوريا مشاركة بيان حقائق وقانوني مع سوريا يوثق انتهاكات الحكومة لاتفاقية مناهضة التعذيب، وأيضًا من خلال الاجتماع مع سوريا بشكل وجهًا لوجه في مناسبتين في أبريل/نيسان 2022 وأكتوبر/تشرين الأول 2022.

طوال هذه الفترة، كانت سوريا إما تُنكر تماماً ارتكابها للانتهاكات، أو تتجاهل الإجراءات التي تقوم بها كندا وهولندا. وبعد مُضي أكثر من عامين من محاولات التفاوض، أخطرت كندا وهولندا سوريا في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2022 أن المفاوضات “عقيمة أو وصلت إلى طريق مسدود“.

وفي السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أبلغت كندا وهولندا سوريا بنيتهما إحالة القضية إلى التحكيم، وبالتالي نقل النزاع إلى المرحلة التالية، لكن سوريا لم تعترف بهذا الطلب ولم ترد عليه؛ وعلى الرغم من إرسال ثلاث مذكرات دبلوماسية إضافية حول هذا الموضوع في ذلك الوقت، استمرت سوريا في تجاهل طلبات كندا وهولندا. وبعد مضي أكثر من ستة أشهر على تقديم الطلب بشكل رسمي، رأت كندا وهولندا أنهما قد أوفتا بالتزاماتهما بموجب المادة 30 (1) من اتفاقية مناهضة التعذيب من خلال طلب التفاوض والتحكيم قبل البدء بشكل مشترك في إجراءات الدعوى ضد سوريا في محكمة العدل الدولية.

بالإضافة إلى استيفاء المتطلبات اللازمة لإقامة الولاية القضائية أمام محكمة العدل الدولية، من المهم أيضًا ملاحظة أن كندا وهولندا ما فتئتا تنتقدان سجل سوريا في مجال التعذيب عبر إصدارهما بيانات إدانة، وتقديم توصيات خلال عملية الاستعراض الدوري الشامل بشأن كيفية معالجة هذه المسألة، والمشاركة في تقديم مشاريع قرارات تتعلق بالتعذيب في سوريا والانتهاكات ذات الصلة بما في ذلك العنف الجنسي والجنساني والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي.

ما هي أهمية هذه القضية؟

إن القضية المرفوعة ضد سوريا أمام محكمة العدل الدولية بتهم تتعلق بالتعذيب هي قضية مهمة لعدد من الأسباب:

بالنسبة للضحايا والناجين من التعذيب في سوريا، وكذلك المتأثرين بوحشية النظام السوري، فإن هذه القضية تعيد تجارب معاناتهم الحياتية إلى واجهة الحديث عن سوريا، وبالتالي نقل النقاش حول التعذيب في سوريا إلى الساحة العالمية، وجعله جوهر نزاع دولي بين الدول أمام إحدى أعلى المحاكم في العالم، مما يوفر فرصة للتوثيق ورواية القصص التي وثقها السوريون والمنظمات لاستخدامها كأدلة في ملفات القضايا وأثناء إجراءات المحكمة. يمكن للقضية المرفوعة ضد سوريا في محكمة العدل الدولية أن تساهم في بناء سجل تاريخي في وقت يسعى فيه البعض في المجتمع الدولي إلى محو الحقائق والوقائع التي عاشها الناجون والضحايا.

وفي الوقت الذي يتم فيه رفع هذه القضية، تصدّرت مسألة التطبيع مع النظام السوري وسجله الحافل بالفظائع الجماعية وجرائم الحرب منذ أكثر من 12 عامًا المشهد. ففي مايو 2023، أعادت الجامعة العربية سوريا إلى عضويتها. وفي الأشهر السابقة واللاحقة، اتخذت دول عربية أخرى خطوات لتطبيع العلاقات مع النظام؛ ويشمل ذلك تحرك المملكة العربية السعودية لإعادة فتح بعثتها الدبلوماسية، واستئناف رحلات الطيران، والزيارات القُطرية، مثل زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى دمشق. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تواصل خطابها الرافض لسياسة التطبيع هذه، يرى محللون أن هذه الدول لم تتخذ أي إجراء ذي معنى للتصدي بشكل فعال حيال الخطوات التي اتخذتها الدول العربية، رغم أن العديد من هذه الدول هم حلفاء للغرب. وبناءً على ذلك، فإن الإجراءات القضائية التي تُسلط الضوء على مسؤولية الدولة السورية قد تساعد في إبطاء أو خلق عقبات على هذا الطريق نحو التطبيع، مما يزيد من صعوبة تحسين صورة النظام.

تُشكل هذه القضية، من منظور قانوني، مثالاً آخر على كيفية الاستفادة من الآليات الدولية بشكل خلّاق لتحقيق أهداف العدالة والمساءلة. وعلى الرغم من أن الطريقة التي وصلت بها هذه القضية إلى محكمة العدل الدولية ذات طابع تقني، وتطلبت سنوات من التفاوض ومحاولة الذهاب إلى التحكيم، إلا أنها تُمثل مسارًا جديدًا لم يتم تناوله بشكل كافٍ من قبل، ومن شأنه أن يساعد في توسيع إطار أدوات العدالة، وأن يكون بديلًا تكميليًا للمساءلة الجنائية والعدالة غير المعتمدة على المحاكم. بالنظر لهذه العملية، ستكون هناك دروس مستفادة ليس فقط لأولئك الذين يعملون في المجال السوري، بل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعلى صعيد العدالة العالمية أيضًا.

كيف تتماشى هذه القضية مع التطورات الأخيرة المتعلقة بالعدالة والمساءلة في سوريا؟

تُعتبر هذه القضية أمام محكمة العدل الدولية جزءً من الجهود الكثيرة المبذولة خارج سوريا لمحاسبة نظام الأسد عن جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبها، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين والتعذيب، والقتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري، إضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان الفظيعة الأخرى. وتشمل الأطر الأساسية التي استعرضها الناجون والضحايا السوريون الدعاوى القضائية الدولية والملاحقات القضائية في الخارج، وإنشاء آليات الأمم المتحدة والتعاطي معها، وغيرها من أشكال العدالة غير المعتمدة على المحاكم، بما في ذلك التوثيق والحفظ.

ليس لدى المحكمة الجنائية الدولية الولاية القضائية لكي تقوم بالتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا ومحاكمة مُرتكبيها، لأن سوريا ليست دولة طرف في نظام روما الأساسي، المعاهدة التي تأسست بموجبه المحكمة الجنائية الدولية. وعلى الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية يمكنها تلقي إحالات من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضمن ولايات قضائية لم تُصادق على نظام روما الأساسي، إلا أن روسيا والصين استخدمتا حق النقض (الفيتو) ضد الإحالات السابقة من مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن الوضع في سوريا. وبناءً على ذلك، فإن السعي إلى المساءلة عن الجرائم الفظيعة المرتكبة في سوريا أمام المحكمة الجنائية الدولية ليس ممكنًا في الوقت الراهن، إلا أن الجهود ما تزال مستمرة في هذا الصدد.

ولقد أدى غياب القدرة على الوصول إلى المحكمة الجنائية الدولية في السياق السوري إلى البحث عن أساليب وطرق أُخرى، ومهدت المحاكم الألمانية الطريق لتحقيق مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو إطار قانوني يسمح للأنظمة القضائية الوطنية لدولة ما بمحاكمة أو تسليم مرتكبي الجرائم الفظيعة بغض النظر عن جنسية مرتكب الجريمة. في عام 2016، وجّه المدعي العام الاتحادي الألماني الاتهام لأول مرة لمواطن سوري، واتهمه بارتكاب جرائم حرب بسبب الانتهاكات التي ارتكبها أثناء انتسابه لجماعة متطرفة مسلحة غير حكومية؛ وتم توجيه الاتهام إلى مواطنين سوريين آخرين ومحاكمتهم بتهم مماثلة. في عام 2020، بدأ المدعون العامون في كوبلنز بألمانيا، أول محاكمة جنائية لاثنين من ضباط المخابرات السورية السابقين، والذين يعرفا [وفقا لقوانين الخصوصية الألمانية الصارمة] باسما أنور ر وإياد أ، بتهمة التعذيب والجرائم ضد الإنسانية التي اُرتكبت بناء على طلب النظام بين عامي 2011 و2012، وتمت إدانتهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية نظرًا لتورطهم في تعذيب المعتقلين في الفرع 251.

في مطلع عام 2023، أدانت محكمة ألمانية عضوًا في ميليشيا موالية لنظام الأسد بارتكاب جرائم حرب في اليرموك، وهو مخيم يقطنه اللاجئين الفلسطينيين حاصرته قوات النظام بين عامي 2013 و2015. وفي فرنسا، صدرت لائحة اتهام بحق ثلاثة مسؤولين رفيعي المستوى في النظام – علي مملوك وجميل حسن وعبد السلام محمود – أمام محكمة الجنايات في باريس، ومن المتوقع أن تتم محاكمتهم غيابيًا في مايو/أيار 2024 بتهمة التورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك مزاعم التعذيب والاختفاء القسري المرتكبة في مطار المزة العسكري. كما تلقت ولايات قضائية أخرى، مثل السويد، شكاوى جنائية قدمتها منظمات مجتمع مدني أشارت إلى مسؤولي النظام الذين يُزعم تورطهم في الهجمات الكيميائية ضد المدنيين في الغوطة وخان شيخون؛ بينما يسعى حالياً أحد الناجين من التعذيب، وهو أمريكي من أصل سوري، إلى محاسبة النظام السوري من خلال الدعاوى المدنية في المحكمة الفيدرالية الأمريكية. ويأتي ذلك بعد قيام أول محكمة أمريكية بإصدار حكم ضد النظام السوري بسبب جرائم الحرب المرتكبة في سوريا. 

إن فرص الضحايا السوريين في السعي وراء محاكمة الأفراد الذين يرتكبون جرائم فظيعة أمام محاكم أجنبية تتزايد بشكل مضطرد، وتتيح هذه الفرص للسوريين المشاركة في مراحل التحقيق والادعاء في القضية. وتشمل مشاركة الضحايا في الإجراءات أمام محاكم أجنبية ما يلي: تزويد المدعين العامين بملفات الأدلة؛ وتقديم الشكاوى الرسمية التي تتطلب إجراء تحقيقات رسمية؛ والقيام بمداخلات كطرف ثالث صديق للمحكمة؛ وتقديم الشهادات أثناء المحاكمات، والإدلاء بإفادات أثناء المحاكمة عن الأثر الذي وقع على الضحية. وعلى الرغم من أن الأفراد لا يستطيعون تقديم التماس مباشر إلى محكمة العدل الدولية أو التدخل أثناء الإجراءات من تلقاء أنفسهم، إلا أنه يُمكن دعوتهم من قبل الدول الأطراف للمشاركة في الإجراءات القضائية بغية تقديم أدلة تدعم الادعاءات المقدمة، واعتمدت كندا وهولندا أثناء تقديم الطلب إلى محكمة العدل الدولية على أدلة مستفيضة قدمها الضحايا والناجون السوريون.

على الرغم من الجمود السياسي في مجلس الأمن، والذي يحول دون إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، صاغت الجهود المُبتكرة التي تم بذلها في الجمعية العامة للأمم المتحدة مقاربات بديلة لدعم المساءلة وتحقيق العدالة للضحايا السوريين. ففي عام 2016، أنشأت الجمعية العامة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) للتعامل مع الأدلة المتزايدة على الجرائم الدولية التي وثقتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية التابعة للأمم المتحدة، والمساعدة في التحقيق في الجرائم الدولية الأساسية المرتكبة في سوريا منذ عام 2011. لا تتمتع الآلية الدولية المحايدة بالسلطة أو الولاية القضائية اللازمة لمحاكمة المجرمين، وهي مسؤولة فقط عن إعداد الملفات التحليلية وملفات الأدلة لمشاركتها مع المدعين العامين الذين يسعون إلى المساءلة أمام المحاكم الوطنية أو الإقليمية أو الدولية. في الآونة الأخيرة، تحديدًا في 29 يونيو/حزيران 2023، اعتمدت الجمعية العامة قرارًا، أيدته جماعات حقوقية يقودها سوريون، لإنشاء آلية دولية للكشف عن مصير المفقودين في سوريا، ويُعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة جزءًا من حملة عالمية أوسع تُركز على المساعي الرامية لتحقيق العدالة التشاركية التي يقودها الناجون وعائلات الضحايا السوريين.

ما هي النتائج المتوقعة من هذه القضية لاحقًا؟

لاقت إجراءات محكمة العدل الدولية ضد سوريا استحسانًا كبيرًا، وتمت الإشادة بها كخطوة مهمة نحو تحميل الدولة السورية المسؤولية عن جرائم التعذيب المرتكبة في سوريا منذ عام 2011. وكان من المقرر في البداية الاستماع إلى الإجراءات الشفوية حول طلب اتخاذ إجراءات مؤقتة ضد سوريا في 19 و20 يوليو/تموز. لكن سوريا طلبت تأجيل الجلسة، وبالفعل قامت المحكمة بتأجيل جلسات الاستماع الأولية إلى يومي 10 و11 أكتوبر/تشرين الثاني. وعقب التأجيل صدرت بيانات حكومية رسمية، فبينما أعربت كندا وهولندا عن أسفهما بشأن التأجيل، سارع النظام السوري إلى الطعن في مصداقية الاعتراضات التي قدمها البلدان. كما انتقد الناجون السوريون وناشطو المجتمع المدني التأجيل بسبب مدته الطويلة، وعدم وجود مبرر من قبل المحكمة، لا سيما في ظل استمرار ممارسة الحكومة السورية للتعذيب وسوء المعاملة، وهي نفس الجرائم التي تُشكل جوهر القضية.

عند النظر في طلب التدابير المؤقتة في جلسات الاستماع التي ستُعقد في أكتوبر/تشرين الأول، ستُحدد المحكمة: (1) هل تم استيفاء الحد الأدنى من المتطلبات التي تُحدد اختصاص المحكمة للنظر في الطلب؛ (2) هل المطالب التي تُطالب بها كندا وهولندا منطقية في حدها الأدنى؛ و(3) هل هناك خطر داهم بحدوث ضرر لا يمكن جبره سيطال الحقوق المُطالب بها إذا لم يتم اتخاذ تدابير مؤقتة.

إذا وافقت محكمة العدل الدولية على التدابير المؤقتة بناءً على طلب كندا وهولندا، فستكون سوريا مُلزمة بوقف ومنع جميع الأعمال التي ترقى إلى مستوى التعذيب بشكل فوري، بما في ذلك ممارسات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، وستكون مُلزمة أيضًا بتحسين ظروف جميع مرافق الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية. وسيُطلب منها أيضًا حماية المعلومات وأي أدلة تتعلق بالتعذيب الذي وقع تحت أنظار الدولة، بما في ذلك السجلات الطبية للمعتقلين المُحتجزين حاليًا، والذين ماتوا أثناء احتجازهم لدى النظام، والكشف عن مواقع دفن الأفراد الذين ماتوا نتيجة التعذيب. وبعد البت في طلب اتخاذ تدابير مؤقتة، يجوز للمحكمة أن تأمر باتخاذ مزيد من الإجراءات للنظر في الادعاءات الموضوعية المتعلقة بالتعذيب ضد سوريا بناءً على أساس موضوعي.

وعلى الرغم من أن التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية تأمر طرف النزاع فعليًا بوقف الأنشطة التي تسهم في الضرر المزعوم وانتهاكات الحقوق التي تُشكل جوهر النزاع القانوني الجاري، إلا أنها ليست أحكامًا نهائية. ومع ذلك، يمكن للمحكمة أن تأمر بسُبل انتصاف إضافية في إجراءات لاحقة، بما في ذلك: (1) مطالبة الدولة المخالفة بتنفيذ تغييرات جوهرية قانونية وعلى مستوى السياسات للوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها، (2) استكشاف الأسس الموضوعية لمسؤولية الدولة عن ممارسات التعذيب وغيرها من أشكال العقوبة المُهينة واللاإنسانية، (3) المطالبة بالتعاون الكامل مع آليات المساءلة القائمة، إضافة إلى سبل انتصاف تعويضية أخرى.

وفي حين أن قرارات محكمة العدل الدولية مُلزمة للدول الأطراف، إلا أن هناك قيودًا على إنفاذ الأحكام، فإذا رفضت سوريا الامتثال للحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية، فيمكن لكندا وهولندا تقديم طلب إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ إجراءات إضافية، إلا أن هذا المسار قد يكون غير مُجدِ بالنظر إلى الفيتو الروسي والصيني الذي تم استخدامه من قبل.

وحتى في ظل هذه التحديات، فإن استنتاجات محكمة العدل الدولية ضد سوريا يمكن أن تفيد في إجراء تحقيقات لاحقة في القضايا المستقبلية، ويمكن أن تُرسل إشارة قوية إلى النظام السوري مفادها أن أعضاء المجتمع الدولي لن يتسامحوا مع الإفلات من العقاب، وسيسعون إلى مساءلته عن سلسلة الجرائم الدولية التي ارتكبها منذ عام 2011.

: اقرأ التالي

يلقي عمر طالب نظرة معمّقة على الظروف السياسية والتكييفات القانونية التي أدت إلى إسقاط تهم الفساد…

يعاني "نزلاء" السجون الجديدة في مصر من عنف خفي وانتهاكات منهجية، بينما تقول الدولة أنها طورت…

يظل الاغتصاب الزوجي جريمة بدون عقاب في نظر القانون المصري، وكثيرًا ما تعجز النساء اللاتي يتعرضن…