timep single arabic page
Volunteers and chefs prepare meals at the Nation Station community kitchen in Beirut, Lebanon, on March 5, 2026, where around 1,000 meals a day are cooked and distributed to three collective shelters opened after the escalation in south Lebanon and Beirut’s suburbs. (Photo by Toufic Rmeiti / Middle East Images via AFP)

الحرب في لبنان: المبادرات الأهلية تسعى لسد فجوة الإغاثة

تتصدى المبادرات الأهلية والفردية لتأمين الحد الأدنى من الدعم لمئات آلاف من النازحين جراء الحرب في لبنان.


عند الساعة الواحدة صباح يوم الاثنين 2 مارس/آذار 2026، رن هاتف محمد مراد القاطن ببلدة عين بعال القريبة من صور بجنوب لبنان. كان المتصل شقيقه الذي أبلغه عن إطلاق حزب الله 6 صواريخ على إسرائيل، وتوعدها بالرد. لم ينتظر محمد طويلًا قبل أن يتخذ قراره بالفرار إلى بيروت بحثًا عن الأمان.

أيقظ محمد زوجته وولديه على عجل. حضّروا ما تيسر من أمتعة ومتعلقات ثمينة، وانطلقوا نحو العاصمة. في الظروف العادية لا تستغرق الرحلة أكثر من ساعة ونصف، لكن هذه المرة كانت مختلفة. امتلأت الطرقات بطوابير طويلة من السيارات الهاربة من الخطر، وتضاعف الازدحام مع بدء الغارات الإسرائيلية العنيفة. علقت آلاف العائلات النازحة في الطريق؛ صامتة رغم ضجيج الحرب، بوجوه شاحبة وملامح مثقلة بالخوف. استغرقت رحلة عائلة محمد مراد نحو 11 ساعة.

ثم جاءت الإنذارات الإسرائيلية يوم 5 مارس/آذار بإخلاء معظم مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت لينتشر الهلع بين السكان ويتضخم عدد النازحين. الكثير وجد نفسه في بيروت بلا مأوى، لا يعرف أين يذهب. افترش البعض مقاعد السيارات أو الساحات العامة، في حين انتقل البعض الآخر بين المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء بحثًا عن مكان يقطنون فيه.

بلغ عدد النازحين المسجلين داخل لبنان نحو 760 ألف شخص منذ اندلاع الحرب الحالية، فروا من الغارات الإسرائيلية آملين أن تنجدهم الدولة اللبنانية المنهكة بالأزمات المالية والاختناقات السياسية. كما لم يتعاف لبنان بعد من تداعيات حرب 2024، التي قُدرت خسائرها الاقتصادية بنحو 14 مليار دولار، وأدت إلى نزوح ما يقارب 900 ألف لبناني، لا يزال الكثير منهم عالقًا بعد أن دمرت إسرائيل بلداتهم ومنعتهم من إعادة إعمارها.

أدت الأعمال العدائية الإسرائيلية التي قارب عددها 1300 عملية في الحرب الحالية إلى مقتل 570 شخص وإصابة 1444. وطالت أوامر الإخلاء منطقتي جنوب نهر الليطاني والضاحية الجنوبية لبيروت بأكملهما، وكذلك بعض قرى وبلدات الجنوب اللبناني الواقعة شمال نهر الليطاني وبلدات في البقاع الشمالي، لتشمل أكثر من 100 بلدة.

استقبلت مراكز الإيواء حتى يوم 10 مارس/آذار نحو 123 ألف نازح فقط موزعين على 580 مركزًا، ما أظهر الفجوة بين قدرة الحكومة على الاستجابة والاحتياجات على الأرض، رغم المجهود المبذول. هذه الفجوة دفعت المواطنين والجمعيات الأهلية إلى إطلاق عشرات المبادرات لملء الفراغ الناجم عن ضعف قدرات المؤسسات الرسمية، وإعادة تفعيل الحملات التي بدأت مع حرب عام 2024. فمن خلال جهود توفير الغذاء والسكن وجمع التبرعات العينية والمادية، يظهر الدور المحوري الذي اعتاد اللبنانيون أداءه من أجل تخطي الأزمات، والتعايش معها على مر العقود.

غياب، وضعف إمكانات

منذ اللحظات الأولى شعر النازحون بضعف قدرة الدولة على الاستجابة، إذ لم تُبادر القوى الأمنية إلى فتح الطرقات وتنظيم السير مما جعل رحلة النزوح ”أشبه بالعقاب“، بحسب نانسي عبيد، النازحة من بلدة السكسكية الجنوبية، التي تبعد عن بيروت نحو 60 كيلومترًا.

تقول نانسي: ”في كل حرب يتكرر المشهد نفسه، ازدحام يكاد يكون أقسى من خطر الحرب نفسه، ولا أحد يُجيبنا عن سؤال بديهي، هل تعجز الدولة بمؤسساتها عن تنظيم السير؟ طوال الرحلة التي استغرقت نحو 16 ساعة لم نُشاهد شرطي مرور واحد“.

إلا أن غياب الدولة في الساعات الأولى للنزوح قابله مُحاولة وحدة إدارة الكوارث تأمين ما أمكن من المساعدات، إذ أعلنت أنها قدمت آلاف الوجبات الغذائية والفرشات والبطانيات والمستلزمات الشخصية. ورغم ذلك، لا يزال هناك نقص في المساعدات داخل مراكز الإيواء، وهو ما اعترفت به وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، حين قالت إن الموقف لا يزال ”يتطلب جهودًا مضاعفة لتغطية كافة الحالات، خاصة في ظل استمرار تدفق النازحين من المناطق الجنوبية المتضررة“.

يقول أحمد الزين، النازح من بلدة قبريخا بمحافظة النبطية إلى أحد مراكز الإيواء في بيروت، والذي عاش تجربتي النزوح خلال حرب 2024 والحرب الحالية إن ”المساعدات التي تصلنا سواء من الدولة أو الجمعيات الأهلية جيدة، إذ تم تأمين الفرش ووسائد النوم فور وصولنا إلى مركز الإيواء، ولكن احتياجاتنا تبقى أكبر بكثير من ذلك“. ويُضيف ”أنا موظف رسمي وأعاني كما بقية الموظفين من ضائقة مالية منذ العام 2019، وجاءت ظروف الحرب لتزيد هذه المعاناة وتضاعفها، ومهما يكن حجم المساعدات لن تتمكن من سدّ هذا الكم من الاحتياجات“.

ومن جانبه، يقول حسين، النازح في أحد مراكز الإيواء في بيروت، أنه وعائلته ناموا على الأرض بسبب عدم وجود وسادات وفرش. كما أن أحدًا لم يقدم لهم أي مساعدة سواء عينية أو غذائية من أي نوع كانت.

ويضيف: ”النازحون عمومًا، لا سيما القاطنون في مراكز الإيواء، لا تسمح لهم أوضاعهم المادية بتحمّل تكاليف النزوح الكبيرة، خصوصًا في حال استمرار الحرب لوقت طويل“.

مبادرات أهلية لسد الفجوة

أدت الحرب الحالية إلى إعادة تفعيل الكثير من المبادرات التي بدأت مع حرب عام 2024، ومنها مبادرة إليسار لغمشي. في 2024، تمكنت لغمشي من جمع مساعدات بقيمة تفوق الـ100 ألف دولار، وقدمت مساعدات من أدوية وثياب ووسائد وفرش وحصص غذائية ووجبات طعام للنازحين. استهدفت المبادرة النازحين في المنازل الخاصة.

مع اندلاع الحرب الحالية، قررت لغمشي تكرار التجربة إلا أن الحملة تقتصر حتّى اليوم على 4 أشخاص فقط مقابل 15 شخصًا عام 2024، وتمكنت خلال ثلاثة أيام من تقديم نحو 500 فرشة وبطانيات وحصص غذائية.

مبادرة لغمشي تتقاطع مع مبادرة الشاب إبراهيم القاضي، إذ قرر التصدي للفجوة الناجمة عن غياب الدولة حيال الكوارث منذ أزمة اللاجئين السوريين عام 2011 مرورًا بانفجار 4 أغسطس/آب 2020 وصولًا لحرب 2024 والحرب الحالية.

يقول القاضي: ”ما نقوم به يقع على عاتق الدولة، ولكننا لا نستطيع انتظارها في ظل تزايد حاجات النازحين وغياب أي خطة طوارئ فعلية“، مضيفًا أن ”العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية باتوا يعرفون بعضهم وسرعان ما يتواصلون ويُنسقون فيما بينهم للتعاون قدر الإمكان“.

يجمع القاضي، بمجهود فردي، التبرعات من أصدقائه المغتربين ومعارفهم ومن ثم يُقدّمها على شكل مساعدات عينية. ويُشير إلى أن عمله لا يختص بمكان جغرافي مُحدد: ”أي شخص يتواصل معي أحاول تقديم المساعدة له أو توصيله بأحد العاملين في مجال الإغاثة ممن أعرفهم لمساعدته“.

وعن كيفية تواصل النازحين معه، يُشير إلى أن التواصل يتم عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال الاتصال ”سواء من خلال أشخاص يعملون في جمعيات متخصصة في مجال الإغاثة أو من خلال نازحين يتناقلونه“.

خلال الحرب الماضية وزع القاضي مساعدات بقيمة 9 آلاف دولار، أما في الحرب الحالية فقد تمكن من جمع  نحو 16 كيس ثياب و500 دولار في الأيام الثلاثة الأولى.

احتقان طائفي ”متضخم“

ويضيف القاضي أن ”الاحتقان الطائفي المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس الواقع، فالكثير من المواطنين المختلفين سياسيًا يقومون بتقديم المساعدات للنازحين بصرف النظر عن الموقف السياسي، وهؤلاء المواطنين منتشرين بين مختلف المناطق اللبنانية“.

هذا الاحتقان الذي يظهر على شكل منشورات أو فيديوهات تجذب آلاف المشاهدات سرعان ما يظهر زيفه أمام وقائع استقبال النازحين في مختلف المناطق اللبنانية على اختلاف طوائف سكانها. أحد الأمثلة على ذلك ما قاله الشاب علي علوية، النازح من الضاحية الجنوبية إلى بيروت على صفحته على منصة فيسبوك: ”السوشيال ميديا بمكان. والواقع شي تاني كليًا. أنا نزحت على طرابلس، من أول ما وصلت أصحاب المحلات عرفوني نازح. الله بيشهد أنه ما سمعت إلا كل كلمة طيبة، (انتوا أهلنا، المنطقة منطقتكن، شو بتعوزوا بالخدمة) وغيرها كتير من كلمات الترحيب“.

تتجلّى روح التضامن والتعاضد في المجتمع اللبناني في أشد اللحظات قتامةً. فمن اللافت أنه خلال كل كارثة إنسانية، كانفجار مرفأ بيروت أو حرائق الأحراش أو الحروب المتتالية، تنبثق مبادرات شعبية تستقطب مئات اللبنانيين، لتُشكّل رافدًا أساسيًا يسدّ الفراغ الذي تخلّفه محدودية المؤسسات الرسمية.

كما أن هذه المبادرات لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد إلى المؤسسات الخاصة. ففي قلب بيروت، وتحديدًا في شارع الحمرا، قرر مطعم برزخ إعداد وجبات غذائية يوميًا وتوزيعها على مراكز إيواء النازحين بالتعاون مع جمعية أحلى فوضى.

بدأت هذه المبادرة، مثل الكثير من مثيلاتها، خلال حرب 2024، عندما وضع مدير العمليات في المطعم، خضر الأخضر، منشورًا على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي يُعلن فيه عن إعداد 100 وجبة غذائية وتقديمها للنازحين. يقول الأخضر: ”وضعت المنشور وذهبت للنوم، لأتفاجأ في اليوم التالي بحجم التفاعل الكبير على المنشور والعدد الهائل من المواطنين الذين قرروا تقديم الدعم لهذه المبادرة، فبدل أن نُحضّر 100 وجبة حضّرنا 800 وجبة، ومن ثم أصبحنا نُعد 2500 وجبة غذائية يوميًا“.

يسعى الأخضر إلى تكرار التجربة في الحرب الحالية حيث أعاد إطلاق المبادرة ولكن من خلال إعداد 1400 وجبة وتوزيعها في مراكز الإيواء إذ إن ”إمكاناتنا البشرية لا تسمح لنا بإنتاج المزيد، ونحن نعتمد بشكل كامل على التبرعات“.

ويقول الأخضر إن ”أكثر ما رسخ في رأسي هو أنه بعد انتهاء الحرب راسلني الكثير من النازحين ودعوني لزيارتهم في بلداتهم وقراهم“، ويضيف أن هذه الدعوات كسرت ”الحاجز النفسي“ لديه، وجعلته يكوّن علاقات وطيدة بالكثيرين من مختلف المناطق اللبنانية التي لم يكن له معرفة جيدة بها من قبل.

ولا شك أن هذه المبادرات، سواء على مستوى الأفراد أو جمعيات المجتمع المدني، من شأنها أن تساهم في تخفيف معاناة النازحين، إلا أن كل ذلك لا يكفي لسدّ الحاجات التي ستزداد تباعًا، خصوصًا في حال استمرار الحرب لوقت طويل وتحول النازحين إلى عاطلين عن العمل. هذا كله يجعل تدخل الدولة بشكل أكبر وتعزيز دورها في تأمين الحماية الاجتماعية لهؤلاء أكثر إلحاحًا.

هذا ما يؤكده المنسق السياسي لشبكة مدى، كريم صفي الدين، الذي يُشير إلى أن الشبكة تعمل مع شركاء آخرين ضمن مساحة مُشتركة اسمها بيت عام، حيث يجمعون مساعدات عينية مثل الثياب والبطانيات والطعام ويوزعونها على مراكز الإيواء. ويعتمد هذا العمل على جمع التبرعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يقول صفي الدين: ”ما نقوم به هو محاولة لمساعدة النازحين ودعم الجهود التي تقوم بها الدولة عبر وحدة إدارة الكوارث، بحيث نرسل المساعدات إلى مراكز الإيواء التي قامت الوحدة بافتتاحها“.

ويضيف: ”رغم المساعدات الكثيرة التي نقدمها لسد النقص، تبقى الاحتياجات أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة“.

ستزداد هذه الاحتياجات الضخمة مع طول أمد الحرب، وستتفاقم أزمة النزوح مع توالي أوامر الإخلاء الإسرائيلية، لتضاعف من معاناة الشعب اللبناني الذي أنهكه الانهيار الاقتصادي، والصراعات الداخلية، وموجات النزوح الناتجة عن حرب 2024. إن المخرج الحقيقي من هذه الأزمة هو وقف الحرب، لكن إلى أن يتحقق ذلك، يبقى دعم المبادرات العاملة على الأرض رافدًا أساسيًا لتخفيف المعاناة. 

مهدي كريّم: صحفي وناشط لبناني.

: اقرأ التالي

تروي وداد حلواني قصة نضالها المستمر منذ عام 1982 من أجل تحقيق العدالة ومعرفة الحقيقة عن…

تحولت المحاكمات عن بُعد من إجراء استثنائي فرضته جائحة كورونا إلى ممارسة دائمة تقوّض حقوق الدفاع…

يركّز قانون إصلاح المصارف الجديد في لبنان السلطة في أيدي الجهات المصرفية التي يُفترض أن يُخضعها…