كانت سميرة* تتجهزّ للزواج في أبريل 2023 عندما هاجمت قوات الدعم السريع منطقتها القريبة من مدينة الخرطوم، لتقرر مع زوجها المستقبلي تأجيل الُعرس حتى تهدأ الأمور. لكن الأمور لم تهدأ، واستمرت الحرب، وتبددت أحلام الزواج. حزنت سميرة لكنها لم تكن تعلم أن الأسوأ لم يأت بعد.
بعد حوالي عام من هذا الهجوم، جاءتها إحدى صديقاتها، التي تعمل ”خاطبة“ مع الدعم السريع، بالخبر الذي طالما كانت سميرة تخشاه: ”في دعامي (أحد مقاتلي الدعم السريع) قال عايز أعرسك (أتزوجك)“.
تعرف سميرة أن هذا العرض بالزواج ليس عرضًا حقيقيًا وأنها أو أهلها لا يملكون الرفض: ”العرس كدا كدا سيتم فالأفضل يتم بالسترة، وكل زول (شخص) يلعب دوره المرسوم في المسرحية“، أخبرتها الخاطبة. العرض يمنح فقط جريمة الزواج القسري سترًا زائفًا من الشرعية، ويجعل مقاتلي الدعم السريع يشعرون بالرضا، ويمنح الفتاة وأسرتها بعضًا من كرامتهم، حتى ولو شكليًا.
لم يقتنع ”العريس“ أن سميرة مخطوبة بالفعل، وأن مراسم زواجها تأخرت بسبب الحرب. كان رده: ”هو أرجل مني في شنو؟ لو دا كلامها أنا بمشي ليها براي (سأذهب لها وحدي)“.
تمكنت سميرة من الهرب قبل أن يذهب العريس الدعامي إلى بيتها ليثبت رجولته. ذهبت إلى منطقة أخرى يسيطر عليها الجيش في مارس 2024، لكنها تركت والدها وشقيقها تحت خطر انتقام الدعم السريع. تقول سميرة ”يا ريت لو ما شردت. كان أحسن أفدي أهلي وأتزوجه بدل الخوف والقلق الأنا فيه لأنه ممكن يقتلوهم بسببي وأندم العمر كله“.
ما مرت به سميرة ليس غريبًا أو نادرًا. يمكن العثور على عشرات المقاطع المصورة لمناسبات زواج لأفراد من قوات الدعم السريع، لا سيما في ولايتي الخرطوم والجزيرة. يظهر في بعضها المقاتلون والمأذون مدججين بالسلاح. وفي مقاطع أخرى، وللوهلة الأولى، تبدو هذه الزيجات طبيعية تعمها مظاهر الفرح. إلا أن واقع الحال يكذب حسن الظن؛ فكيف لامرأة أو فتاة مسلوبة الإرادة، سُلبت أرضها ومالها وهُجر أهلها قسريًا، أن ترفض الزواج ممن يضع فوهة البندقية على رأسها؟
لا يحظى الزواج القسري بنفس الاهتمام الإعلامي والحقوقي الذي تحظى به انتهاكات أخرى يرتكبها طرفا الحرب في السودان، الجيش ومليشيا الدعم السريع، منذ أبريل 2023. كما أن نسبة جرائم الزواج القسري المكتشفة هي الأكثر ضآلة من بين الجرائم الأخرى كالاغتصاب. أشارت منظمة هيومان رايتس ووتش لارتكاب قوات الدعم السريع أعمال عنف جنسي واسعة النطاق في المناطق التي تسيطر عليها، بما في مثل الزواج القسري، حيث يستخدم كأداة اضطهاد وإرهاب وإبادة بشكل منهجي ضد المدنيين، ولذلك، يمكن محاكمة مرتكبي هذه الجرائم باعتبارها جرائم ضد الإنسانية.
وعلى الرغم من خطورة كل الجرائم الجنسية إلا أن جريمة الزواج القسري جريمة مركبة وغالبًا ما تنطوي على عدد من الجرائم حيث تُجبر الضحية على أداء مهام جنسية وغير جنسية بما في ذلك الاغتصاب والاستعباد الجنسي والحمل القسري والعمل المنزلي القسري، وهي السمة المميزة لهذا السلوك الإجرامي الشنيع.
أكبر قدر من السيطرة
يبدأ جنود الدعم السريع في ممارسة الزواج القسري في أي منطقة بعد اجتياحهم لها، واطمئنانهم لبسط سيطرة لا بأس بها على المنطقة، بحسب تقرير لشبكة صيحة الحقوقية. نظريًا، هناك أهداف غير معلنة تحاول الميليشيا تحقيقها من وراء ممارسات الزواج القسري، منها التعايش والتغلغل داخل المجتمعات الجديدة التي استولت على أراضيها لتثبيت سلطتها فيها.
إلا أن سلوك مقاتلي المليشيا البربري، يحول دون تحقيق هذه الأهداف، فقد أعادت ممارساتهم إلى للأذهان فظائع داعش في حق النساء، حيث شملت ممارسات الزواج القسري اختطاف أو مقايضة الفتيات مقابل المال الذي يدفعه أفراد الميليشيا للأسر التي لا تمتلك حق الرفض، بحسب التقرير. كما شملت جرائم اغتصاب جماعي تحت غطاء الزواج المزعوم.
يحكي أحد المحامين المهتمين بقضايا حقوق الإنسان في السودان عن حالة فتاة من قرية الحلاوين بولاية الجزيرة زُوجت قسريًا لأحد مقاتلي الدعم السريع، ثم دخل عليها مقاتل آخر بوصفه شريكًا في المهر. وعند الشكوى للمسؤول عن القوات، أخبر الأسرة أنه لا يمكنه التدخل. بعدها، جاء مقاتل ثالث وفعل ذات الشيء بناءً على ذات الحجة. معظم هذه الزيجات تتم في منازل الفتيات التي تتحول فيما بعد إلى ”مسكن الزوجية“. وفي بعض الحالات تُؤْخَذ الفتيات اللاتي أُجبرن على الزواج إلى منازل استولى عليها مقاتلو الدعم السريع في الحي نفسه.
وأشارت تهاني عباس، الناشطة النسوية والمدافعة عن حقوق الإنسان، إلى توثيق 11حالة زواج قسري لطفلات في قرية المعيلق بولاية الجزيرة بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها.
معظم هذه الزيجات، تتم بين ضحية وعشاها، حيث تُبْلَغ الأسر بتجهيز بناتهن للزواج الذي يتم عادة بعد يوم أو اثنين، ما يترك فترة قصيرة جدًا لترتيب أي محاولات للهرب، بحسب محامٍ آخر يعمل على توثيق حالات الزواج القسري.
يضرب المحامي مثلًا بحالة زواج قسري لفتاة في منطقة الخوالدة بولاية الجزيرة، حيث دعا والد الفتاة أهل القرية فجأة لزواج ابنته وكانت المفاجأة أن ”العريس“ هو أحد مقاتلي الدعم السريع الذين هجموا على القرية في فبراير 2024. رفضت الفتاة الزيجة بشدة، لكن والدها أجبرها على الزواج لأن ”العريس“ من ذات قبيلته. وعلى الرغم من أن هذه الزيجة تشبه الزيجات الطبيعية من ناحية الاحتفالات والعادات المصاحبة، إلا أن الدافع الرئيسي لانعقادها هو حماية الفتاة وأسرتها، حسب تقدير المحامي.
هذا بالضبط ما أجبر مهدي خير* على عقد قران ابنته البالغة من العمر 12 عامًا في يونيو 2023، بعد أسبوع على فراره من الخرطوم إلى إحدى قرى ولاية الجزيرة. يقول العم مهدي أنه وافق على تزويج طفلته لعجزه عن حمايتها من العنف الجنسي، في ظل مخاوف انتقال الصراع إلى مدن وسط السودان وشماله. ويشير إلى أن هذا الأمر أصبح شائعًا في أوساط الفارين من النزاع، خاصة أن شباب القرى والمدن الصغيرة يفضلون الزواج بصغيرات السن.
زمن السلم وزمن الحرب
يصعب الحصول على معلومات شاملة عن حالات الزواج القسري لثلاثة أسباب رئيسية: أولها انقطاع شبكة الإنترنت والاعتماد على شبكة ”ستارلنك“ المتوفرة فقط لدى الدعم السريع في مناطق سيطرته. وثانيها، نزوح أو لجوء معظم المدافعين عن حقوق الإنسان والتضييق عليهم. أما السبب الثالث، وقد يكون الأهم، فهو رسوخ ممارسة الزواج القسري في زمن السلم في السودان، ما يؤدي إلى التساهل مع الزواج القسري في زمن الحرب.
ولذلك، تُكتَشف معظم حالات العنف الجنسي الناتج عن الزواج القسري بعد تعرض الضحية لمضاعفات صحية خطيرة تضطر الأهل للحضور إلى المستشفى، بحسب الكوادر العاملة بالمستشفى السعودي في مدينة الفاشر، وهي مستشفى أمراض النساء والتوليد الوحيد في ولاية شمال دارفور.
إحدى هذه الحالات كانت لفتاة عمرها 14 عاما زُوِّجَت لأحد مقاتلي الدعم السريع قسريًا في الأحياء الشمالية الشرقية لمدينة الفاشر التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. ولم تفصح هي ولا أهلها عن قسرية الزواج إلا بعد إحضارها للمستشفى في أكتوبر 2023 بعد تعرضها لنزيف حاد كاد أن يودي بحياتها.
ويعد الزواج القسري، بما في ذلك الزواج المبكر والزواج المخطط له من قبل الأسر، ممارسة شائعة في السودان؛ ومع ذلك، فهو يختلف في زمن السلم عن زمن الحرب، على الأقل من الناحية القانونية. ففي حين أن الأول محظور باعتباره انتهاكًا لحقوق الإنسان بموجب الصكوك الدولية لحقوق الإنسان أو المعاهدات الدولية مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، إلا أنه لا يُعترف به كجريمة في القانون الجنائي الدولي على عكس الزواج القسري في زمن الحرب.
وفي دول مثل السودان، حيث الجرائم الجنسية مسكوت عنها في المجتمع سواء اُرْتُكِبَت في زمن السلم أو زمن الحرب، تصمت معظم الأسر عن هذه الجرائم خوفاً من الفضيحة، أو طلبًا للحماية أو لضيق ذات اليد كما هو الحال خلال الحرب الدائرة الآن، ما يزيد الأمر سوءًا ويصعّب رصد وتوثيق هذا النوع من الجرائم الخطيرة.
والواقع أن القانون السوداني تقاعس عن حماية النساء والفتيات من الزواج القسري في زمن السلم، مما جعل منه أمراً مقبولاً –في كثير من الأحيان– في زمن الحرب. فالمرأة التي تتمتع بالأهلية القانونية للمشاركة في أي اتفاق مدني أو تجاري، لا يمكن لها الزواج دون إذن من الولي الذي ربما يكون الأخ الأصغر أو الابن.
وعلى الرغم من أن المادة 34 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991 تشترط موافقة المرأة قبل الزواج، إلا أنها تسمح للولي بإجراء عقد الزواج ثم طلب الموافقة لاحقاً. ولا يعتبر القانون رفض المرأة سبباً لإبطال الزواج تلقائيًا، بل يجبرها على تقديم طلب إلى المحكمة وإثبات رفضها، وهو أمرٌ صعب نظرًا لأن هذه الإجراءات تتطلب وقتًا وجهدًا ومالًا كثيرًا.
نورا حسين، على سبيل المثال، كانت تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا عندما أجبرها والدها على الزواج. لكنها قررت الهرب بدلاً من خوض معركة قانونية ستكلفها الكثير. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، عثرت عليها أسرتها وسلمتها قسريًا لزوجها. وبسبب رفضها ممارسة الجنس معه، قيدها زوجها، بمساعدة أقاربه، واغتصبها. في اليوم التالي، قتلت نورا حسين زوجها وقضت حكمًا بالسجن مدته خمس سنوات. تعتبر نورا حسين حالة نادرة جدًا، فالكثير من النساء يرضخن لرغبة أسرهن ولتقاليد مجتمعاتهن، ويدفعن ثمن هذا الرضوخ بقية العمر.
تعديلات مطلوبة
لم تجد جرائم الزواج القسري الممنهجة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع حظها من التوثيق، مما يلقي بعبء على المنظمات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان للعمل بهمة أكبر لملء هذا الفراغ؛ كما يتعين على مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وبعثة تقصي الحقائق والخبير المعين المعني بحالة حقوق الإنسان، رضوان نويصر، العمل بشكل جدي على رصد وتوثيق هذه الجريمة الخطيرة. كذلك يقع على أصحاب المصلحة والفاعلين المحليين من منظمات الحقوقية وقيادات المجتمع عبء التوعية بخطورة هذه الجريمة سواء في زمن السلم أو زمن الحرب ومحاربة هذا التقليد الذي عرض حياة الكثير من النساء والفتيات للخطر والعمل الجاد مع مختصين لمساعدة ضحايا هذه الجريمة وأسرهن.
وعليه، فإن تعديل قانون الأحوال الشخصية للمسلمين هو اللبنة الأولى لمحاربة الزواج القسري، حيث إن معظم مواد هذا القانون تحتاج التعديل أو الإلغاء. تحديدًا، يجب تعديل المادة 34 من القانون واشتراط قبول المرأة للزواج صراحةً قبل العقد، وأيضًا إلغاء المادة 40 والتي تسمح بتزويج الصغيرات، حتى تكون المرأة كاملة الأهلية عند عقد الزواج.
كما يتطلب الأمر تحولاً جاداً في الممارسة الفعلية للقانون الجنائي الدولي التي تكشف عن قصور كبير في ما يتعلق بجريمة الزواج القسري. فالمحكمة الجنائية الدولية، خلال أكثر من عقدين من إنشائها، أدانت متهمًا واحدًا فقط بجريمة الزواج القسري.
ويُعد تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، والتي قرر مجلس حقوق الإنسان تمديد مهمتها في 9 أكتوبر الجاري لعام آخر، أساسًا متينا لملاحقة الجناة والقادة المسؤولين عن جريمة الزواج القسري. ولعل أهم توصية للبعثة في هذا الصدد، هي توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية النابع من قرار مجلس الأمن 1593 لعام 2005 ليشمل جرائم الحرب الواقعة في كامل الأراضي السودانية، وليس دارفور فقط. وعلى كل الفاعلين العمل بجدية لإقناع مجلس الأمن الدولي بضرورة الأخذ بهذه التوصية.
يمكن أيضًا أن يكون للآليات الوطنية دور مهم من خلال تسهيل إجراءات فسخ الزيجات التي تمت قسريًا، بوصفها زيجات باطلة حسبما أشارت المادة 60 من قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لاختلال شرط الرضا في الركن الأول للزواج (ركن الزوجين) واختلال الركن الثاني (ركن الإيجاب والقبول). وينطبق الأمر نفسه على غير المسلمين حيث تعتبر المادة 9 من قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين لسنة 1926 الزواج قابلاً للإبطال إذا تم بالإكراه.
ومن الضروري دعم هؤلاء النساء والفتيات وتقديم الرعاية الطبية والدعم النفسي والمادي لهن وإيجاد معالجات إنسانية، خصوصا لمن أنجبن نتيجة الزواج القسري وأطفالهن. وينبغي كذلك مساعدة النساء والفتيات الحوامل نتيجة الزواج القسري على الإجهاض، إن كان الحمل غير مرغوب فيه، وذلك عن طريق تسهيل إدخال أدوية الإجهاض.
ومؤخرًا حاولت إحدى جهات الإغاثة الدولية توفير أدوية إجهاض في البلاد، لكن الجيش السوداني رفض إدخالها رغم أن ذلك يتعارض مع المادة 135 من القانون الجنائي السوداني الصادر سنة 1991، الذي يسمح بالإجهاض إذا لم يبلغ عمر الجنين تسعين يومًا، بحسب أحد المصادر التي طلبت عدم نشر اسمها.
* اسم مستعار
مهند النور: محامي سوداني متخصص في حقوق الإنسان وزميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يعمل على قضايا الأقليات الدينية والحريات في السودان.