السجون الجديدة في مصر: عنف خفي ووعود بالإصلاح

يعاني "نزلاء" السجون الجديدة في مصر من عنف خفي وانتهاكات منهجية، بينما تقول الدولة أنها طورت فلسفتها العقابية عن طريق استخدام التكنولوجيا الحديثة لتحسين حياة السجناء وتسهيل دمجهم في المجتمع


أنت في غرفة مغلقة، مضاءة طيلة الـ24 ساعة، لا تستطيع التحكم في إضاءتها أو إطفاء المروحة لترتاح من صوتها المزعج. يتسرب إليك اليأس مصحوبًا بالصداع وتدرك أنه لا مهرب، تفشل محاولات النوم، وكذلك محاولات التكيف مع الوضع. تعلم أن هناك من يشاهد عذابك من خلال كاميرات على مدار الساعة، يراك تتقلب، يتابع محاولاتك لحجب الإضاءة عن عينيك، ويعلم جيدًا كم مرة استعملت دورة المياه. 

هذه ليست غرفة عادية، ولكنها زنزانة موصدة في إحدى السجون الجديدة التي افتتحتها الحكومة المصرية خلال السنوات القليلة الماضية. أطلقت عليها السلطات ”مراكز الإصلاح والتأهيل“، وأطلقت على السجناء بها ”نزلاء“، ورّوجت لها كتغيّر إيجابي على صعيد الفلسفة العقابية في مصر وتحسين أوضاع السجناء في أماكن الاحتجاز ومراعاة المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 إلا أن شكاوى السجناء لم تخفت، ولم تشفع التكنولوجيا الحديثة في تلك السجون في تحسين ظروف قاطنيها، بل أدت إلى المزيد من الانتهاكات المنهجية بحقهم، وهو ما يثير التساؤلات: لماذا بُنيت هذه المراكز، هل لغرض دعائي أم سياسي، أو استثماري؟ كيف يتم فيها إحكام السيطرة على السجناء، وكسر إرادتهم والتنكيل بهم؟ 

نحاول في هذا التقرير الإجابة على تلك الأسئلة عن طريق مقابلات شخصية مع أهالي سجناء حاليين داخل مراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة، وسجناء سابقين أيضا، بجانب مقابلات مع محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان. معظم المقابلات كانت حول مجمع سجون بدر، الذي افتتحته الدولة في ديسمبر ٢٠٢١، وهو ضمن عدة مجمعات أخرى جديدة افتُتحت في وادي النطرون والعاشر من رمضان وأخميم ومدينة ١٥ مايو. 

تبييض سمعة وتحقيق أرباح

في معرض التعليل لبناء تلك السجون الجديدة، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2023 أن الدولة تريد أن ”تصلح“ الإنسان بدلًا من أن ”تعاقبه،“ ولذلك تم تغيير المسميات من أجل تعديل ”الصورة الذهنية للسجن في المجتمع“ وكذلك تغيير طريقة التعامل مع الأفراد داخل السجون ليكونوا مؤهلين وصالحين للمجتمع. 

كما تسوّق الدولة مراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة كنموذج متميز للمؤسسات العقابية والإصلاحية على المستويين الإقليمي والدولي؛ لكونها ترتكز على ”محاور الفلسفة العقابية الحديثة،“ وهو ما يعد ”ترجمة واقعية للإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان،“ التي تم إطلاقها في 2021.

واستكمالًا للحملة الدعائية الموسعة لتبييض وجه وزارة الداخلية، تم إصدار القانون رقم 14 لسنة 2022 لُيدخل تعديلات على قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، والتي جاءت في مجملها شكلية، مثل تغيير المسميات التي ذكرناها أعلاه. تختلف تلك السجون الجديدة عن سابِقاتها في أنها لا تضم أماكن احتجاز السجناء فحسب، بل تشمل ايضًا مجمعات محاكم، ومستشفيات مجهزة بأحدث الأجهزة والمعدات، وهو ما يعني تصميمها بشكل يجعل السجين منعزل تمامًا داخل مكان الاحتجاز. 

وإلى جانب الدعاية الكثيفة للمراكز الجديدة، لا نستطيع تجاهل البعد الاقتصادي والاستثماري كأحد أسباب بناء السجون الجديدة، ففي بيانها، أفصحت وزارة الداخلية عن نيتها هدم حوالي 12 سجنًا عموميًا، وقالت أن السجون الجديدة لن تكلف ”الموازنة العامة للدولة أية أعباء لإنشاء وإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، في ضوء أن القيمة الاستثمارية لمواقع السجون العمومية المقرر غلقها تفوق تكلفة إنشاء تلك المراكز“. 

ويتماشى أسلوب بناء السجون الجديدة مع السمة العامة لإدارة مختلف مؤسسات الدولة في السنوات الأخيرة، والتي تعلي من شأن تحقيق الربح، حتى في الهيئات الرقابية والأمنية.

أطوار السجون المصرية

يروج المسئولون للمراكز الجديدة على أنها تتماشى مع معايير حقوق الإنسان، وذلك على عكس السجون القديمة سيئة السمعة التي شهدت انتقادات دولية عديدة، مثل سجن ”طرة شديد الحراسة1“ المعروف إعلاميًا باسم ”العقرب“. لكن إلى أي حد يمكن اعتبار تلك المراكز نقلة حقيقية في الفلسفة العقابية؟

لا يمكن الإجابة على هذا التساؤل دون النظر في تاريخ تطور الفلسفة العقابية في مصر وصولًا للوقت الحالي. 

قديمًا كانت العقوبات استعراضية كالإعدامات الجماعية أمام العامة، وتدريجيًا تقلص استخدام العنف المعلن كوسيلة للعقاب خاصة مع إصدار لائحة استبدال الضرب بالحبس سنة 1861 والتي أنهت استخدام الضرب كعقوبة مقننة وبذلك أصبح السجن هو العقوبة الأهم المستخدمة في مصر. وللمفارقة فإن عقوبة الجلد تم إلغائها رسميًا عام 2001، أي بعد أكثر من قرن على صدور لائحة استبدال الضرب بالحبس. بينما تم الإبقاء على الحبس الانفرادي الذي كان ولا يزال العقوبة الأكثر شيوعًا للتنكيل بالسجناء.

ويمكن النظر أيضًا لتصميم مباني السجون تاريخيًا كانعكاس للّفلسفة العقابية القائمة، فقبل ديسمبر 1878 كان يوضع الخارجون عن القانون في أماكن أشبه بالورش، ومع التطور أصبح هناك اهتمام بإنشاء مباني مخصصة لاحتجاز المتهمين، وأصبحت السجون تابعة لوزارة الداخلية، وحينها تم تخصيص ليمان طره للأشخاص المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة في 1885. وبعد انتهاء الفترة الملكية في 1952، توسعت الدولة في إنشاء السجون في عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات (1956-1981)، حيث تم بناء نحو ٣٣ سجنًا يضافوا على 103 كانوا موجودين بالفعل، بحسب رصد المؤلف.

وشهد عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك (1981- 2011)، نقطة تحول في التصميم المعماري للسجون، خاصة مع حالة الحرب على الإرهاب التي كانت تعيشها البلاد في فترة الثمانينات والتسعينيات، وهو ما انعكس في بناء عدد كبير من السجون خلال تلك الفترة، واستحداث نمط السجون ”شديدة الحراسة“ ذات التشديدات الأمنية الأكبر بهدف احتجاز أفراد الجماعات الإسلامية والجهاديين وفقًا لقانون الطوارئ. وبعد ذلك، توسع الأمر ليشمل احتجاز المتهمين المحبوسين احتياطيًا في قضايا أمن الدولة. ويعد سجن طرة شديد الحراسة 1 ”العقرب“ هو أول سجن تم بناؤه وفقًا لهذا النمط في عام 1991، ثم تبعه سجن أبو زعبل شديد الحراسة في 1997.

وفقًا للمادة (1) من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، هناك أربعة تصنيفات للسجون، منها الليمان، الذي تنفذ به الأحكام الصادرة بالسجن المشدد على الرجال، وهناك أيضا السجون العمومية التي تنفذ بها الأحكام الصادرة على الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبة السجن، والنساء المحكوم عليهن بعقوبة السجن المشدد، أو الرجال الذين يُنقلون من الليمانات لأسباب صحية. أما السجون المركزية، فتنفذ بها العقوبة على أي شخص محكوم عليه بالحبس البسيط لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى المحبوسين احتياطيًا.

تقدر أعداد السجون التي تم إنشاؤها في عهد مبارك ما يقرب من 73 سجنًا، من بينهم 12 سجنًا عموميًا، واثنين شديدي الحراسة وثلاثة ليمانات (ليمان أبي زعبل، ليمان 430 وليمان 440 وادي النطرون)، بجانب 65 سجنًا مركزيًا، بحسب رصد المؤلف.

ومنذ عام 2013 توسعت الدولة المصرية في إنشاء سجون جديدة، وبلغ عدد السجون التي تم إنشائها منذ عام 2013 حوالي 57 سجن من ضمنهم سجن عمومي واحد، وليمانين، بالإضافة لـ3 سجون شديدة الحراسة، و5 مجمعات مراكز إصلاح وتأهيل تضم 27 مركز إصلاح وتأهيل، بالإضافة إلى 24 سجن مركزي، والذي أصبح لاحقا يسمى مركز إصلاح جغرافي، ضمن حزمة التعديلات الشكلية. 

ونلقي في القسمين القادمين نظرة أعمق على الظروف داخل السجون الجديدة، وما تعكسه من تغير للّفلسفة العقابية في مصر.

نحو عنف خفي

”إحنا في سجن عقرب جديد،“ هكذا وصفت إحدى الرسائل المسربة من سجن بدر 3 الأوضاع داخله: ”هي هي نفس السياسات.. أوضاع السجن سيئة جدًا.. بل أسوأ من العقرب.“

يتم الترويج لاستخدام التكنولوجيا في مراكز الإصلاح الجديدة على أنها نقلة في صالح السجناء والمحتجزين، بينما تشير شهادات السجناء أن التكنولوجيا أصبحت فعليًا إحدى وسائل انتهاك حقوقهم من خلال المراقبة المستمرة لهم على مدار الساعة.

قالت إحدى أقارب سجين في سجن بدر 3 ”يوجد كاميرات في كل الزنازين، وميكروفون للتواصل مع السجانين، وسماعات…باب السجن لا يوجد فيه نضارة (فتحة في الباب)، والاعتماد الكامل على الكاميرات والميكروفونات. لو نزيل مثلًا علق ملابسه على حبل، وهو مشاهد بالكاميرات، يناديه السجانين باستخدام الميكروفونات حتى يرفع ملابسه لأنها تحجب رؤية الكاميرات“.

في السجون القديمة كانت المراقبة تتم بواسطة وسائل عشوائية، كاستخدام السجناء أنفسهم كمخبرين لإدارة السجن، لينقلوا ما يدور داخل الزنازين وبين السجناء لهم، أو من خلال مرور مخبر في الممرات بين الزنازين لسماع الأحاديث الدائرة. 

الرقابة تصحبها عزلة، فيتعامل السجناء حالياً مع الإدارة من خلال ”انتركم“ مثبت داخل الزنازين، مما يساهم في صعوبة الوصول إلى المسئولين عن إدارة السجن بسهولة خاصة في حالات الطوارئ. وبحسب أهالي السجناء قد تستجيب الإدارة بعد نداءات واستغاثات السجناء بساعات طويلة تصل لـ6 ساعات على أقل تقدير، وهو ما ساهم في حدوث حالات وفاة داخل السجون الجديدة، التي بلغت ما لا يقل عن 9 حالات في الفترة ما بين أكتوبر 2022 حتى فبراير 2024.

وبحسب تقرير صحفي في موقع مدى مصر ذكر سجين سابق داخل سجن بدر1 أن ”الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الخارج هي زر يضغط عليه في حالة الطوارئ ليرد عليه معاون شرطة على الجانب الآخر ردًا واحدًا لا يتغير، بعدما يستمع إلى الشكوى: حاضر هنبلغ!“. 

وتشير الرسائل والشهادات الخارجة من سجن بدر إلى ممارسات شديدة القسوة من إدارة السجن تساهم في تدمير صحة السجناء النفسية والجسدية، مثل عدم السماح لهم بالنوم عن طريق ترك الأنوار مضاءة 24 ساعة. 

رقمنة التقاضي… نحو حصار السجين

يمتد استخدام التكنولوجيا للقضاء من خلال استخدام المحاكمات عن بُعد عن طريق ”الفيديو كونفرانس“ كخطوة جديدة تهدف لعزل السجناء عن العالم الخارجي، خاصة الممنوعين من الزيارة، والتي كانت تمثل لهم جلسات تجديد الحبس المتنفس الوحيد لرؤية العالم خارج المحبس، والتحدث مع المحامين الذين يتواصلون بدورهم مع أهل المتهم لطمأنتهم عليه.

يقول أحد المحامين الحقوقيين الذين تحدثنا معهم، وطلب عدم ذكر اسمه في التقرير أنه قبل ”الفيديو كونفرنس“ كان يستطيع الجلوس مع موكليه وجهًا لوجه، والحديث معهم بحرية. لكن مع الوضع الحالي لا يوجد مساحة للكلام لو عاوز تقولحتى لو عاوز تقول له حاجة (للمتهم) انت مش هتعرف“.

في 18 أكتوبر 2020 أعلنت وزارة العدل إطلاق نظام تجديد الحبس الاحتياطي عن بُعد أثناء جائحة كورونا، ثم أصدر وزير العدل قرار رقم 8901 لسنة 2021، حول إجراء جلسات نظر تجديد الحبس الاحتياطي عن بعد، وعلى أرض الواقع بدأ استخدام المحاكمات عن بُعد بشكل موسع منذ عام 2022.

تَخِل رقمنة جلسات تجديد الحبس بحق المتهمين في الدفاع والتمثيل القانوني، وأيضا تمنع المحامين من الانفراد بالموكلين لمناقشتهم وتبادل المعلومات، فضلًا عن عدم مراعاة خصوصية كل قضية وكل متهم على حدة، حيث يصبح المحامي والقاضي في طرف من المحادثة، وفي الطرف الآخر من المحادثة يكون السجين داخل سجنه في غرفة مخصصة للجلسات.

وذكر تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، نقلا عن محامين أن ”حضور ضباط السجون مع المحتجزين في جلسات الفيديو قد تجعلهم يشعرون أنّهم ليسوا بمأمن من الانتقام إذا رغبوا في التحدّث عن انتهاكات الاحتجاز“.

وقال أحد المحامين الحقوقيين الذي فضل عدم ذكر اسمه أنه في بعض الأحيان يمنع القضاة أنفسهم المتهمين من الكلام والشكوى: ”يعني احنا أغلب الأوقات في التجديد، لما المتهم يجي يشتكي من حاجة، القاضي يقول اقفل يا ابني الشاشة عليهم.“

يأتي ذلك بالإضافة إلى التحكم في حضور السجناء إلى جلسات المحاكمة من عدمه، ففي ديسمبر 2022، أي بعد شهرين من بداية استخدام تقنية الفيديو كونفرانس، لم يحضر عدد من السجناء المحتجزين داخل سجن بدر 3 جلسات تجديد حبسهم، مع عدم توضيح أسباب عدم الحضور. تكرر نفس الأمر في فبراير 2023، ولم يتم النظر في تجديدات المحبوسين بزعم وجود عيب تقني في الفيديو كونفرانس، وتقرر تأجيل نظرها لشهر مارس.

وبذلك لم تحل ”الرقمنة“ مشكلة تأجيل الجلسات، فبعدما كانت تؤجل الجلسات بسبب تعذر نقل المتهمين، أصبح تأجيل الجلسات بدعوى تعذر الاتصال، أو وجود مشكلات تقنية.

تمعن السلطات المصرية في استخدام العنف الخفي ضد السجناء، تغلفه من الخارج بعبارات التطوير وتغيير الفلسفة العقابية للأفضل، لكن الواقع يخالف تلك العبارات، وهو ما تؤكده شهادات الأهالي والمحامين والسجناء أنفسهم، وتكمن الإشكالية الكبرى في عدم وضوح جانب العنف مع سلطات تجيد القفز على الحقائق والجدل بشأنها، وهو ما يساعد على التطبيع مع العنف واعتباره أمرًا اعتياديًا وليس عقوبةً مضاعفةً وانتهاك لحقوق السجناء وهو ما يكشف عن غياب الإرادة السياسية من جانب السلطات لإصلاح المنظومة العقابية في مصر، وتحسين ظروف السجناء، ومن ثم تحسين ملف حقوق الإنسان على مستوى أشمل.

: اقرأ التالي

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك…

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من…

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…