timep single arabic page
This photo taken on Jan. 11, 2025 shows people celebrating the Sudanese army's retaking of Wad Madani, the capital city of Gezira State in central Sudan, in Omdurman, north of the capital Khartoum, Sudan. The Sudanese Armed Forces SAF on Saturday recaptured Wad Madani, the capital city of Gezira State in central Sudan, from the paramilitary Rapid Support Forces RSF, the office of the SAF spokesperson said in a statement. (Photo by Mohamed Khidir/Xinhua via Getty Images)

السودان: ولاءات متغيرة وضحايا ثابتون

تتقلب ولاءات المليشيات والقادة العسكريين بين طرفي الحرب في السودان، بينما يدفع المدنيون الثمن


”نعلن انضمامنا ومبايعتنا لقوات الدعم السريع…من أجل الدعم للثورة، ومن أجل الدعم لحقوق المهمشين“.

بهذه الكلمات، في أغسطس 2023، أعلن أبو عاقلة كيكل، قائد مليشيا ”قوات درع السودان“ إنهاء دعمه للجيش السوداني وانضمامه إلى الطرف الآخر للحرب، قوات الدعم السريع. 

عمل كيكل ضابطًا في القوات المسلحة قبل إحالته للتقاعد برتبة رائد في عهد عمر البشير، ليعود فجأة بعد انقلاب أكتوبر 2021 كقائد برتبة لواء لميليشيا تسمى ”قوات درع السودان“. وبوصفه أحد أبناء وسط السودان وينتمي إلى أسرة ذات نفوذ اجتماعي كبير، أعطى انضمامه دفعة إلى قوات الدعم السريع، لتسيطر على ولاية الجزيرة التي تبعد نحو 180 عن العاصمة، دون مقاومة تذكر من الجيش، في ديسمبر 2023. وكما تفعل في المناطق التي تطالها، عاثت قوات الدعم السريع في الجزيرة فسادًا، وقتلت وروّعت أهل الولاية.

لم يكد يمر عام حتى غيّر كيكل ولاءه لينضم إلى الجيش مجددًا. لماذا انسلخ، ولماذا عاد؟ لا توجد إجابات واضحة. لكن يبدو أن ولاءه يتحرك نحو الطرف الذي تميل كفة الصراع تجاهه. احتفى الجيش وهلل مساندوه بعودة كيكل. بعدها بنحو شهرين، أعلن الجيش استرداد السيطرة على ولاية الجزيرة، ليبدأ في ارتكاب سلسلة جديدة من الانتهاكات، ويحتفظ كيكل بذات النفوذ الذي كانت الدعم السريع منحته إياه.

في الحالتين، دفع المدنيون الثمن. لم تُدعم الثورة، ولم تُدعم حقوق المهمشين، واستمرت الحرب ومعها معاناة ملايين السودانيين الذي ظل مستقبلهم عالقًا ما بين بطش الجيش وبطش المليشيات، باختلاف انتماءاتها، وسط تجاهل دولي، وتقاعس مذهل للكثير من القوى المدنية السودانية العاجزة عن رؤية الصراع خارج ثنائية الجيش والمليشيا.

فظائع لا حصر لها

اعتبر الكثير من المحللين العسكريين هجوم قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة تمويهًا ومحاولة لتشتيت الجيش وتخفيف الضغط على جبهات أخرى أو ربما لتقوية الموقف التفاوضي، ذلك أن بيئة ولاية الجزيرة ذات التضاريس الجغرافية المفتوحة تسمح للجيش بتوجيه ضربات جوية مؤثرة تحسم المعركة لصالحه.

إلا أن انسحاب الجيش على نحو مفاجئ صبيحة 19 ديسمبر 2023، جاء على عكس هذه التحليلات ومنح مفتاح ود مدني، عاصمة الولاية، على طبق من ذهب لقوات الدعم السريع دون أي مقاومة، لتثير أسئلة جوهرية حول فشل الجيش في حماية المدينة، ومن ثم كل الولاية.

وكحال مليشيا الدعم السريع، التي شكلها الرئيس عمر البشير لمواجهة المتمردين على حكمه في دارفور، فإن قوات درع السودان كونها ودعمها الجيش السوداني بعد أكتوبر 2021 على أساس قبلي من قبائل وسط وشمال السودان، ومعظم قادتها من متقاعدي الجيش السوداني المنتمين للحركة الإسلامية. لا يوجد حصر دقيق لعدد قوات درع السودان، إلا أن بعض التقارير تشير أن قوامها نحو 35,000 مقاتل، بينما تشير تقارير أخرى أن قوتها تبلغ 75,000 مقاتل. وقد عمد الجيش السوداني لخلق نوع من التوازن عبر هذه المليشيا، سواء مع قوات الدعم السريع التي ينحدر معظم مقاتلوها من دارفور، أو من الحركات المسلحة الأخرى التي قويت شوكتها بعد سقوط البشير، ما أسفر عن توقيع الحكومة الانتقالية اتفاقية سلام جوبا معها في أكتوبر 2020.

ارتكبت قوات الدعم السريع، وقوات درع السودان المتحالفة معها، فظائع لا حصر لها في ولاية الجزيرة، بالرغم من وعودها المتكررة بعدم التعرض للمدنيين. واضطر أكثر من خمسمائة ألف مواطن، نصفهم ممن اشتعلت الحرب فوق رؤوسهم في العاصمة الخرطوم، إلى النزوح مرة أخرى بعد أن احتضنتهم أرض ولاية الجزيرة لأشهر. أصبحت مشاهد التعذيب، وقتل المدنيين، والمعاملة المهينة والمُذلة، والنهب، والتدمير الممنهج وغيرها، والتي لا يتورع مقاتلو الدعم عن تصويرها ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، مشاهد مألوفة للسودانيين؛ رغم قسوتها.

وعلى الرغم من استمرار جرائم الدعم السريع في ولاية الجزيرة منذ ديسمبر 2023، إلا أن مقتل أكثر من 100 مواطن في الهجوم على قرية ود النورة في الخامس من يونيو 2024 بأسلحة ثقيلة ذات آثار واسعة النطاق، كشفت عن توجه قوات الدعم السريع الحقيقي بإلحاق أكبر أذى ممكن بالمدنيين بهدف تهجيرهم من أرضهم. 

مرة ثانية، أهالي الجزيرة يدفعون الثمن 

بعد إعلان انسلاخ كيكل عنها في أكتوبر 2024، شنت قوات الدعم السريع حملة انتقامية ضد سكان قرى الجزيرة من خلال القصف العشوائي وارتكاب أعمال عنف جنسي ضد النساء والفتيات ونهب وحرق الأسواق والمنازل والمزارع، مع الاستهداف العرقي لقبيلة الشكرية التي ينتمي إليها كيكل، ما اضطر مئات الآلاف إلى النزوح لمصير مجهول. 

وكما فعلت في قرية ود النورة عندما كان كيكل على رأسها، ارتكبت قوات الدعم السريع مجزرة أخرى في قريتي أزرق والسريحة بشرق ولاية الجزيرة وكيكل في المعسكر الآخر، وقع ضحيتها نحو 100 شخص، قتل بعضهم ذبحًا. ونشر مقاتلو الدعم السريع مقاطع فيديو يتفاخرون فيها بترويع المواطنين وحرق مشاريعهم الزراعية لإجبارهم على النزوح. كما نشرت مقاطع لعشرات المدنيين الذين تم حبسهم بلا مسوغ وبطريقة مهينة داخل المساجد.

وامتدت الانتهاكات لتشمل معظم مدن وقرى ولاية الجزيرة. ففي مدينة تمبول، سفك مقاتلو الدعم السريع دم ما لا يقل عن 300 شخص واغتصبوا جماعيًا عشرات النساء والفتيات وكذلك الطفلات، حيث اغتصبوا طفلة في الثامنة من عمرها أمام والديها قبل أن تفارق الحياة. وبحسب تقرير شبكة صيحة، فقد انتحرت العديد من نساء قرية السريحة نتيجة الاغتصاب أو خشيةً منه. كما قُتل حوالي 1000 شخص في الفترة ما بين 22 و28 أكتوبر 2024، في 50 قرية بولايتي الجزيرة وسنار. 

ومرة ثالثة…

فيما يشبه تبادل الأدوار، انسحبت قوات الدعم السريع من مدينة ود مدني ليعلن الجيش السوداني إعادة سيطرته عليها في 11 يناير 2025، بعد مرور أكثر من عام من خروجه منها. 

لم تكن الاحتفالات التي عمت ود مدني وامتدت للولايات الأخرى فرحًا بانتصار الجيش السوداني، بقدر ما كانت ارتياحًا لانجلاء غمة قوات الدعم السريع التي بطشت بإنسان الجزيرة وارتكبت بحقه فظائع لا حصر لها. لكن الفرحة لم تدم طويلاً ووئدت الاحتفالات في مهدها، حيث استمر الجيش السوداني والمليشيات المتحالفة معه، ومنها درع السودان بطبيعة الحال، بارتكاب نفس جرائم قوات الدعم السريع. 

وبدلاً من توسيع عملياته العسكرية لاسترداد مدن وقرى ولاية الجزيرة التي كانت لا تزال ترزح تحت نير الدعم السريع، سارع الجيش السوداني والفصائل المتحالفة معه إلى شن حملة انتقامية على أساس عرقي ضد من أسمتهم بالمتعاونين مع الدعم السريع. 

وينشط الجيش والفصائل المتحالفة معه، مثل قوات درع السودان وكتيبة البراء بن مالك، الذراع العسكري للحركة الإسلامية ذات النفوذ الكبير وسط الجيش السوداني، في عمليات تصفية المدنيين كلما استرد الجيش منطقة ما من براثن الدعم السريع بدعوى التعاون مع العدو. إلا أنه في واقع الأمر، تستهدف هذه التصفيات بشكل رئيسي قوى الثورة التي نجحت في إسقاط نظام عمر البشير في أبريل 2019، في حملة انتقامية الغرض منها قطع الطريق أمام المدنيين الذين يشكلون تهديدًا أكبر على سلطة الجيش من أي معارضة مسلحة.

الاستهداف الممنهج لسكان الكنابي

الكمبو كلمة مشتقة من الكلمة الإنجليزية Camp وجمعها كنابي؛ وهي عبارة عن قرى عمالية تحلق حول مشروع الجزيرة الزراعي الذي تأسس في عشرينيات القرن الماضي وتبلغ حوالي 300 كمبو. قوام هذه الكنابي مواطنين تعود جذورهم إلى ولايات دارفور، وكردفان وجنوب السودان وهم بالأساس عمال زراعيون يعتمد عليهم مشروع الجزيرة اعتمادًا كليًا. وعلى الرغم من مرور أكثر من مائة عام على وجود الكنابي، لا يزال سكانها يعيشون في قاع المجتمع ولا يملكون أي أراض أو حقوق عليها، بل تفتقر هذه الكنابي لأبسط مقومات الحياة، حيث يتوجب على السكان، مثلًا، السير لمسافات طويلة طلبًا للعلاج أو التعليم أو أي خدمات حكومية.

في يناير 2025، عقب استعادته لمدينة ود مدني، استهدف الجيش السوداني والفصائل المتحالفة معه عددًا من الكنابي، لا سيما ”كمبو طيبة وكمبو خمسة“، بدوافع عرقية وإثنية، فقتلوا ما لا يقل عن 120 شخصًا. ولم يتورع منسوبو الجيش والفصائل المتحالفة معه في نشر هذه الفظائع كما كان يفعل منسوبو الدعم السريع؛ وقد روعت مقاطع الذبح الجماعي، والحرق، والرمي في النيل، والتصفيات رمياً بالرصاص والحرق كل ذي قلب، واضطر آلاف من سكان الكنابي للفرار خوفًا على حياتهم. 

تحميل الضحايا جريمة الجلاد

تمثل حماية المدنيين (لا سيما الأكثر ضعفًا كالنساء، الأطفال النازحين) خلال النزاعات المسلحة حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني. وقد فشل كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع فشلا ذريعًا في الالتزام بنصوص القانون الدولي الإنساني في معظم جوانبه، لا سيما حماية المدنيين، فمن لم يُقتل بالسلاح تعمد الطرفان قتله بالجوع.

لكن ما يثير الحنق هو محاولة بعض القوى المدنية تحميل الضحايا كامل المسؤولية عن الجرائم المرتكبة في حقهم. فعند ارتكاب الدعم السريع الانتهاكات في ولاية الجزيرة، حاولت هذه القوى، ومنها تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، تجريد المدنيين من حماية القانون الدولي الإنساني بحجة حملهم السلاح تارةً، وبدعوى أن انضمام أبي عاقلة كيكل للجيش استفز قوات الدعم السريع تارةً أخرى. ومؤخرًا، بررت بعض تلك القوى جرائم الجيش بدعوى أن المدنيين الذين استهدفهم كانوا متعاونين مع الدعم السريع.

لجان التحقيق… شراء الوقت وطمس الحقائق

وبالرغم من ردود الأفعال المتقاعسة لحكومة الأمر الواقع، ظلت بعض المجموعات المدنية تدين الانتهاكات، بالتوازي مع الضغط العالمي. لذلك شكّل القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، لجنة للتحقيق في أحداث كمبو طيبة التي شهدت عمليات قتل جماعي، واختطاف نساء وحرق للمنازل في 9 يناير الماضي. لكن قصور هذه اللجنة ظهر في أمر تشكيلها الذي حدد اختصاص عملها في كمبو طيبة فقط دون سواه من بقية الكنابي، والقرى والمدن التي شهدت فظائع مماثلة والتي لن يرى ضحاياها العدالة. فضلاً عن ذلك فإن مدة عمل اللجنة تحددت بأسبوع واحد فقط، انتهت بالفعل في 25 يناير 2025، ولم يُر لتقرير اللجنة أثرٌ. 

لجان التحقيق في مثل تلك الجرائم –في السياق السوداني– تهدف إلى المماطلة بغية طمس الحقائق، وتهدئة الرأي العام، حيث إن الآليات المتاحة في القوانين القائمة تغني عنها. ففضلًا عن القانون الجنائي لسنة 1991، يحمي قانون القوات المسلحة لسنة 2007 المدنيين والأسرى من أي معاملة غير إنسانية كالقتل، وإلحاق الأضرار البدنية والمعنوية وغيرها من الانتهاكات. وتسري أحكام هذا القانون على أفراد الجيش من الضباط وضباط الصف والجنود وأي شخص تم تجنيده أو تعاقد للعمل مع القوات المسلحة، ما يعني أنها تسري على أفراد قوات الدعم السريع. 

إن ضرورة تفعيل نصوص قانون القوات المسلحة تنبع من غياب آلية دولية قادرة على التحقيق في الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في كامل أنحاء البلاد، حيث إن اختصاص المحكمة الدولية يشمل فقط إقليم دارفور بموجب القرار رقم 1593 الصادر من مجلس الأمن في 31 مارس 2005، وبالتالي فالمحكمة لا تنظر في الجرائم المرتكبة في ولاية الجزيرة، مثلًا. ويبدو أن توصية لجنة تقصي الحقائق بتوسيع اختصاص المحكمة لتشمل كل السودان لن تجد حظها مع تضارب المصالح في مجلس الأمن.

قطع الطريق أمام العدالة

إن احتفال الجيش بعودة أبي عاقلة كيكل وتكريمه كبطل قومي بعد كل ما اقترفت يداه، هو الحلقة الأخيرة في مسلسل مستمر من تاريخ السودان الحديث حيث يكافأ من يحملون السلاح على حساب المواطن المغلوب على أمره. ولنا عبرة فيما حدث مع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع، الذي منحه الجيش أعلى الرتب بالرغم من جرائمه، أو ربما مكافأةً عليها، ثم عاد لينقلب على الجيش ويعيث فسادًا بشكل غير مسبوق في تاريخ البلاد.

وهنا تتجلى ضرورة محاسبة الجناة في ظل حكومة مدنية، حيث إن فرص تحقيق العدالة تنعدم في ظل النظم العسكرية، التي تنتزع السلطة بقوة السلاح وتستمر فيها بالبطش وبإشعال الحروب كما فعل الرئيس السابق عمر البشير؛ وعلى هداه يسير قائدا الجيش والدعم السريع.

لقد أثبتت سياسة تشكيل طاولات الحوار بناء على رغبات حاملي السلاح، ثم دعوة بعض المدنيين ممن تتوافق مصالحهم إليها، فشلها. فقد أخفقت تجربة الشراكة التي فرضها المجلس العسكري على المدنيين بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨، ثم فشلت اتفاقية سلام جوبا التي كان طرفاها الأساسيان المجلس العسكري والحركات المسلحة واكتفى المدنيون بدور المتفرج؛ ثم تلى ذلك اتفاق نوفمبر 2021 الذي أُبرم كذلك بضغط من المجتمع الدولي.

لقد حان الوقت لوضع القوى المدنية الحريصة بصدق على إنهاء الحرب كحجر الزاوية في أي حوار قادم. وهنا نثمن دور لجان المقاومة وغرف الطوارئ التي رُشحت لجائزة نوبل للسلام تقديرًا لما تقدمه من أدوار عظيمة، فهي السلطة الفعلية الآن التي تصرف شؤون العباد في ظل انشغال الجيش والدعم السريع بحربهم التي تدور فوق رؤوس المدنيين. 

مهند النور: محامي سوداني متخصص في حقوق الإنسان وزميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يعمل على قضايا الأقليات الدينية والحريات في السودان.

: اقرأ التالي

تتصدى المبادرات الأهلية والفردية لتأمين الحد الأدنى من الدعم لمئات آلاف من النازحين جراء الحرب في…

تحولت المحاكمات عن بُعد من إجراء استثنائي فرضته جائحة كورونا إلى ممارسة دائمة تقوّض حقوق الدفاع…

يركّز قانون إصلاح المصارف الجديد في لبنان السلطة في أيدي الجهات المصرفية التي يُفترض أن يُخضعها…