الطريق نحو الإستفتاء الدستوري لسنة 2022 بتونس

تستعدّ تونس لاستفتاء دستوري مِن المُقرَّر أن يُجرى يوم 25 يوليو/جويلية 2022، بالتحديد بعد عامٍ منذ أن وضع قيس سعيد، رئيس الجمهورية التونسية، البلاد على مسار يُنذر بالخطر. يشرح هذا المقال الخطوات التي اتّخذها قيس سعيد على مدار السنة لتفكيك استقلال السُّلطتين القضائية والتشريعية وتعزيز سُلطته التنفيذية، ويُوضِّح كذلك بالتفصيل كيف يُهدِّد بمواصلة هذه الخطوات ضمن دستور جديد.


تستعدّ تونس لاستفتاء دستوري مِن المُقرَّر أن يُجرى يوم 25 يوليو/جويلية 2022، بالتحديد بعد عامٍ منذ أن وضع قيس سعيد، رئيس الجمهورية التونسية، البلاد على مسار يُنذر بالخطر. يشرح هذا المقال الخطوات التي اتّخذها قيس سعيد على مدار السنة لتفكيك استقلال السُّلطتين القضائية والتشريعية وتعزيز سُلطته التنفيذية، ويُوضِّح كذلك بالتفصيل كيف يُهدِّد بمواصلة هذه الخطوات ضمن دستور جديد.

عامٌ من “حالة الاستثناء” 

في 25 يوليو/جويلية 2021، أقال قيس سعيد رئيس الوزراء هشام المشيشي، وجمّد اختصاصات مجلس نواب الشّعب، ورفع الحصانة البرلمانيّة. وفي 29 يوليو/جويلية، أصدر الأمر الرئاسي عـدد 80 لسنة 2021 لإضفاء طابع رسمي على هذه الخطوات. كما صرّح سعيّد أنه سيحتكر رئاسة السّلطة التنفيذية إلى جانب تعيين رئيس وزراء جديد، ليتم تكليف نجلاء بودن.

في 22 سبتمبر 2021، أصدر قيس سعيد الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 الذي علّق المواد الدستوريّة الرئيسيّة، وأعاد التّأكيد على الإجراءات المُعلنة سابقًا التي تقوّض الامتيازات البرلمانية. منح هذا النص لرئيس الجمهورية صلاحية الحُكم عبر المراسيم في مختلف المجالات، لا سيما القضاء والجيش ومُنظّمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية مع تحصين هذه المراسيم من الطعون أمام القضاء. منذ ذلك الحين، استمرّت سُلطات قيس سعيد التشريعية والتنفيذيّة في التوسّع على نحو كبير مع تقويض آليات الرّقابة. 

علّل قيس سعيد الخطوات التي اتخذها عبر سرديّة محاربة الفساد والتآمُر ومُحاسبة “الخونة”. وفي أثناء ذلك، أعلن سعيد أنّ دستور 2014 لم يعُد صالحًا، وأن خريطة الطريق الجديدة ستستند إلى “حلول قانونية” بناءً على “إرادة الشعب التونسي وسيادته”.

كانت إحدى خطوات ترجمة رؤية سعيد إلى واقعٍ هي عملية الاستشارة الوطنية، التي جرت بين 1 يناير/جانفي و20 مارس 2022، وكانت بمثابة نقطة انطلاق تجاه الإصلاحات السياسية والانتخابية التي كان مِن المُنتظر إتخاذها. اقترحت الاستشارة سلسلة مِن الأسئلة، ووضعت إجابات مُحدّدة و مصاغة مسبقا تتعلّق بالقضايا الانتخابية والسياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، وطلبت مِن التونسيين المؤهلين للمُشاركة الإجابة عن هذه الأسئلة والاختيار مِن بين هذه الإجابات المُحدَّدة. وعلى الرّغم مِن أنّ الاستشارة لم تشمل سوى 508000 مُشارك، أعلن قيس سعيد أنَّ العملية كانت ناجحةً وشرع في خطّته لتنفيذ مخرجاتها المزعومة في خطوات تالية.

انتقد المُراقبون والخبراء الاستشارة بسبب المشاركة الضّعيفة ومنهجيّتها التي أدّت إلى تمثيلٍ غير مُتكافئ، لا سيّما فيما يتعلّق بالنوع الاجتماعي والمنطقة. كما ندَّد رئيس الاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، بعدم النجاح في إشراك الفاعلين الوطنيين مشاركة فعلية منذ بداية المسار السياسي. وقد انتقدت لجنة البندقية، وهي جهاز استشاري لمجلس أوروبا يتألّف مِن خبراءٍ في القانون الدستوري، خارطة طريق الرئيس عمومًا، وألقت بظلالٍ مِن الشّكّ على إمكانية التوصّل إلى ” توافق دستوري”” مِن خلال هذه الاستشارة التي “لم تُحقّق دعمًا شعبيًّا واسعَ النطاق، حيث ظلت المشاركة ضعيفةً للغاية”.

وفي خطوةٍ عمّقت من اختلال الضّوابط الدستورية والتوازن بين السلط بشكل عام، حلّ سعيد يوم 12 فبراير/فيفري 2022 المجلس الأعلى للقضاء بموجب المرسوم عدد 11 لسنة 2022. تم إنشاء المجلس الأعلى للقضاء بموجب دستور 2014، ليضمن حسن تسيير القضاء واستقلاليته. واستبدل مرسوم سعيد المجلس الأعلى للقضاء بمجلس أعلى مُؤقّت، محافظا على نفس المكونات كما المجلس السابق مع تغيير عدد القضاة وعمليّة تعيينهم، وتمكين الرئيس مِن رقابة تأديبية عبر طلب عزل قضاة. وقد أدت هذه التغييرات إلى بسط السّلطة التنفيذية لسيطرتها على القضاء ووسّعت مِن سُلطات الرئيس ونفوذه. وبعد مرور عدّة أشهر، عدّل سعيد المرسـوم عدد 11 لسنة 2022 بالمرسوم عدد 35 لسنة 2022 في 1 يونيو/جوان 2022، ممّا منحه سُلطة عزل القضاة مباشرة إذا أضرّوا باستقلال القضاء أو نزاهته. وقد مهّدت هذه التعديلات الطّريق لإقالة 57 قاضيًا بموجب الأمر الرئاسي عدد 315 لسنة 2022.

وسط هذه التطوُّرات القضائية والقانونية المُتسارعة والمتتالية، حاول أعضاء البرلمان المُجمدة أعماله التعبئة والاجتماع لإلغاء التدابير التي اتّخذها قيس سعيد مِن خلال عقد جلسة عبر الإنترنت في 30 مارس 2022. أعلن قيس سعيد إثر ذلك عن حلّ مجلس نواب الشعب، مِن خلال الأمر الرئاسي عدد 309 لسنة 2022. وقد اعتمد الرئيس في قراره على تأويل فضفاض للمادة 72 مِن دستور 2014 التي تنصّ على أنّ رئيس الدولة يضمن وحدة الدولة واستقلالها واستمراريتها، ويضمن احترام الدستور.

وبعد أن استهدف سعيد استقلال القضاء، وضع الرئيس نصب عينيه الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات، وهي هيئة دستورية مستقلة من ضمن خمسة نص عليها دستور 2014 وأشرفت على الانتخابات منذ عام 2011. وفي 21 أبريل، أصدر سعيد المرسـوم عدد 22 لسنة 2022، معدّلا القانون المنظم للهيئة العليا المُستقلّة للانتخابات. وغيّر التعديل الجديد تشكيل هيئة الانتخابات، وأعطى رئيس الجمهورية صلاحية تعيين رئيسها وأعضائها، وألغى وظائف مجلس النواب التأديبية والرقابية تجاهها. وقد أثارت هذه الخطوة مخاوفَ كبيرةً بشأن استقلال هيئة الانتخابات، لا سيما التعقيبات التي أدلى بها رئيسها السابق علنًا.

الطّريق إلى الدستور

أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد، في 19 مايو 2022، المرسوم عدد 30 لسنة 2022 والذي يتعلّق بإحداث “الهيئة الوطنية الاستشارية مِن أجل جمهورية جديدة” بهدف إعداد مشروع دستور جديد، على أن تتألّف الهيئة مِن لجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية المكلّفة بتقديم مقترحات الإصلاح في ضوء “التجربة الاقتصادية والاجتماعية التونسية”، مُستندةً إلى “تطلّعات الشعب التونسي ورغباته التي أعرب عنها في 17 ديسمبر 2010، وأكّدتها الاستشارة الوطنية”؛ ولجنة استشارية قانونية “لوضع مشروع دستور يستجيب لتطلّعات الشّعب ويضمن مبادئ العدالة والحرية في ظلّ نظام ديمقراطي حقيقي”؛ ولجنة حوار وطني لتجميع مقترحات اللجنتين الأخريين. ونصّ المرسوم على أن يسلّم رئيس اللجنة مُسوّدته النهائية إلى الرئيس بحلول 20 يونيو/جوان 2022.

وصدر في 25 مايو 2022، المرسوم عدد 32 لسنة 2022 الذي ينصّ على نشر مُسوّدة مشروع الدستور الجديد في الجريدة الرسميّة بحلول 30 يونيو/جوان 2022، وأن يخضع الاستفتاء على الدستور للقانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014. وحدّد المرسوم الرّئاسي عدد 506 لسنة 2022 موعد الاستفتاء في 25 يوليو 2022، في حين يكون تصويت الناخبين في الخارج بين 23 و25 يوليو 2022، و يتضمّن الإستفتاء الإجابة إمّا بـ”نعم” أو “لا” عن السّؤال التالي: هل تُوافِق على مشروع الدستور الجديد للجمهورية التونسية؟

كما هو مذكور في تحليل سابق لمشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، فإنّ صياغة هذا الدستور تُثير الكثير من دواعي القلق. إذ جرى التسريع بالعملية، ولم يتمكّن أعضاء الّلجنة المدعويّين من العمل قبل 4 يونيو/جوان، مما ترك لهم ما يزيد قليلًا على أسبوعين لإكمال عملية الصياغة. كما جرت العملية خلف أبواب مغلقة، بالاضافة لعدة شوائب خاصة انعدام معلومات حول محاور النقاش وقائمة الأعضاء. كما افتقرت العملية إلى الاستقلالية والتشاركية، ما تجلّى حتى في تسميت الهيئة بال”استشارية”، واقصائها لأصوات العديد من الفاعلين، واعتمادها على عملية “الاستشارة الوطنية” التي طرحها قيس سعيد والتي لم تتمكّن مِن الحصول على نسبة مشاركة أكثر من 7 في المائة من التونسيات والتونسيين.

في 30 يونيو/جوان 2022، نشر مشروع الدستور في الجريدة الرسميّة في الآجال المنصوص عليها. لكن بعد أيام، في 3 يوليو/جويلية 2022، انتقده الصادق بلعيد، رئيس الهيئة الاستشارية، مصرحا أنّه مختلف عن المُسوّدة التي قدّمتها لجنته إلى قيس سعيد اختلافًا جوهريًّا ؛ ثمّ نشر النسخة التي أعدّتها الهيئة في جريدة “الصباح”. أشار بلعيد الى بعض المخاوف، من ضمنها الرقابة غير الكافية على الرئيس، ونموذج الحكم المحلى الغامض الذي قدَّمه المشروع، وتراجُع استقلالية المحكمة الدستورية، وغيرها مِن القضايا الأخرى.

في 8 يوليو/جويلية 2022، عشية عيد الأضحى، وخلال خطاب للشعب التونسي، زعم قيس سعيد أنّ بعض الأخطاء قد “تسرَّبت” إلى نسخة مشروع الدستور المنشورة في الجريدة الرسمية، وأنّ نسخةً مُحدّثةً ستُنشَر بعد فترةٍ وجيزةٍ مِن تصريحاته، وهو ما حدث بالفعل قبل 17 يومًا فقط مِن تاريخ الاستفتاء. 

أهم ما جاء في الدستور

تماشيًا مع النَّهج الأُحادي الذي اتّخذه قيس سعيد في وضع خارطة الطّريق السياسيّة وعملية صياغة الدستور المُفصَّلة أعلاه، فإنّ النّسخة الأخيرة مِن مشروع الدّستور التي سيُصوِّت عليها التونسيات والتونسيون ضمّت سرديّة قيس سعيد الأحادية في الديباجة، إذ تدّعي أنّ 25 يوليو/جويلية 2021 كان “تصحيحًا لمسار الثورة والتاريخ”، وأنه سيُمكّن البلاد مِن الانتقال إلى “مرحلةٍ جديدةٍ في التاريخ”، وهو تعبير استخدمه قيس سعيد مرارًا في ملاحظاته وخطاباته. وتُشير الديباجة إلى الاستشارة الوطنية وتضخم شرعيتها، إذ تذكُر أنّ “مئات الآلاف مِن المواطنين” شاركوا فيها.

والأهمّ مِن ذلك، يسعى مشروع دستور قيس سعيد إلى إنشاء ما وُصِف بأنّه نظام “رئاسوي”، بحيث يتمتّع الرّئيس بسُلطات تنفيذية وتشريعيّة واسعة النّطاق، دون سلطة مضاذة فعليّة، إذ يمنح هذا المشروع الرّئيس سُلطات تنفيذيّة موجودة في الأنظمة الرئاسيّة، كما تمنحه أيضًا سُلطات تشريعيّة يتمتّع بها رئيس الحكومة في الأنظمة البرلمانية. رغم أنّ دستور2014 وزّع هذه السّلطات بين رئيس الحكومة والرئيس في نظام هجين رئاسي برلماني، تسعى مُسوّدة قيس سعيّد إلى تركيزها، مما يجعل الرئيس لا فقط الفاعل الأكثر تأثيرًا في صنع السياسات والقرار، لكن أيضًا جعله لامحدود القدرة، على نحو مشابه لدستور 1959.

أزال مشروع قيس سعيد صلاحية البرلمان بالتصويت لعزل الرئيس قبل الفصل فيه مِن قِبل المحكمة الدستورية، على النحو المنصوص عليه في دستور 2014. فضلًا عن ذلك، رغم أن الحكومة في السابق كانت مسؤولة أمام البرلمان بموجب دستور 2014 فإنّ هذا المشروع يجعل الحكومة مسؤولةً أمام الرئيس، الذي يتمتّع أيضًا بسُلطة تعيين رئيس الحكومة والوزراء الآخرين وإقالتهم. كما يبقى مشروع الدستور على المادة 80 الأكثر نقاشا منذ سنة مِن دستور 2014، التي اعتمد عليها قيس سعيد لإعلان حالة الاستثناء. يوجد هذا البند الآن في شكل المادة 96، دون التنصيص على سقف زمني للإجراءات وعلى تفويض سلطة النظر في ضرورتها للمحكمة الدستورية. بإلغاء هذه الضّمانات، جعل قيس سعيد هذا البند مُطابقًا للمادة 46 من دستور 1959 مما يُوسّع مِن سُلطات الرئيس.

وعلى غرار دستور 1959، تنصّ المادة 116 مِن مشروع الدستور على أنّه في حالة تصويت ثانٍ بلائحة لوم للحكومة، يحقّ للرئيس قبول استقالة الحكومة أو حلّ أحد غرفتي البرلمان أو كلتيهما. وعلى الرّغم مِن أنّ البرلمان يتمتع نظريا بصلاحية تمرير لائحة لوم للحكومة -وإن كان ذلك صعبًا لأنّه يتطلّب أغلبية ثُلثي الغرفتين- فإنّ هذه السُلطة الرّقابية مُقيّدة تقييدًا كبيرًا مقارنةً بسُلطة الرئيس المُوسّعة.

يتمتّع الرئيس كذلك، حسب المشروع، بسُلطات تشريعية واسعة مما يهمش دور البرلمان للغاية؛ إذ له سُلطة اقتراح مشاريع القوانين وإصدار المراسيم التي تتمتّع بقوّة القانون في فترات العطلة البرلمانية أو عند حلّ المجلس. كما يُمكن للرّئيس أيضًا الدّعوة إلى استفتاءات تشريعية ودستوريّة دون الحاجة إلى موافقة برلمانية مُسبقة. في المقابل، رغم أنَّ البرلمان يتمتَّع بصلاحية تقديم مقترحات القوانين بدعم ما لا يقل عن 10 نوابٍ فإنّه لا يُمكنه تمرير تشريعٍ يمسّ صلاحيات الرئيس الإدارية أو المسائل المالية. ومِن المُهم ملاحظة أنّه حتى إجراء انتخابات مجلس النواب، سيستمر قيس سعيد في التشريع بمراسيم بمقتضى الأمر الرئاسي 117.

رغم أنَّ مشروع الدستور الجديد ينصّ على إنشاء “المجلس الوطني للجهات والأقاليم” كغرفة ثانية في البرلمان فإنّه ألغى الباب الخاص باللامركزية في دستور 2014 الذي وصف التنصيص عليه بكونه نجاحا مُهما. وينص المشروع بدلًا مِن ذلك أن نطاق الحكم المحلي يحدد بقانون، ممّا يترك الأمر خارج الدستور ويُثير مخاوف مِن أنّ الرئيس قد يزيد مِن إضعاف السّلطات المحليّة، بما في ذلك إجراء تعديلات مُستقبلية على مجلة الجماعات المحلية وقانون الانتخابات.

كما يقلِّص مشروع الدستور مِن سُلطات القضاء بإلغاء المجلس الاعلى للقضاء الذي تمّ انتخابه وتكليفه بإدارة كلّ أنواع الاختصاصات القضائية، واستبداله بدلًا مِن ذلك بثلاثة مجالس عليا تشرف على كُلّ نوعٍ مِن أنواع الاختصاص على حدةٍ وستترك تفاصيلها للقانون؛ بما لا يضمن استقلالها. وترك هذا الأمر للقانون، بدلًا مِن حماية استقلال القضاء على المستوى الدستوري، يُثير القلق مِن أن دور القضاء سوف يضعف على نحو كبير في ظلّ التهاون مع استقلاليته. كما يخصّص المشروع فصلًا للمحكمة الدستورية يفصلها عن باقي السّلطة القضائية ويغيّر تكوينها، على النقيض من دستور 2014، والذي نص على انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية مِن قبل المجلس الاعلى للقضاء والبرلمان والرئيس، وكانت تتألَّف مِن قضاة وأساتذة مِن شتّى المجالات، غير أن المشروع يأسس لمحكمة لا تتألَّف سوى مِن قضاة مُعيّنين من أقدم رؤساء الدوائر.

كما ألغى مشروع الدستور الهيئات الدستورية المُستقلّة التي أنشأها دستور 2014 لتكون بمثابة ضمانات للحقوق والحرّيات عبر ممارسة رقابةٍ إضافيّةٍ على مُؤسّسات الدولة. ولم يتم الإبقاء إلا على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، دون التنصيص على انتخاب أعضائها مِن قِبل البرلمان كما كان الحال في السابق. ورغم التنصيص على الحقوق والحريات الفردية وحمايتها فإنّ المادة 5 التي تنصّ على أن “الدولة وحدها” تعمل “في ظل نظام ديمقراطي، على تحقيق مقاصد الإسلام”، وهو ما يُثير المخاوف بشأن دور الدولة في تفسير الدين وكيف سينعكس ذلك على التشريعات. كما أثارت مُنظّمات المجتمع المدني مخاوف بشأن إخفاق المشروع في الحظر الصّريح للمحاكمات العسكرية للمدنيين.

ختامًا، يبدو أنّ مشروع دستور قيس سعيد يُهدِّد بتكريس نظام حكم يتمتَّع فيه الرئيس بسُلطاتٍ واسعةٍ، غير خاضعةٍ للرقابة في أغلبها، في حين يقلّص دور السُلطتين التشريعية والقضائية على نحو خطير، ويحدّ مِن استقلاليتهما، إن وُجدت. ويعكس هذا المشروع مسار صياغته الذي افتقر إلى الشفافية والتشاركية والمساءلة منذ اليوم الأول، وتهدّد بإضفاء الطّابع الرّسمي على التدابير التي جرى اتخاذها في “حالة الاستثناء” المزعومة، الأمر الذي يجرف تونس وشعبها إلى مسارٍ غير ديمقراطي يُنذر بالخطر.

.here Read this article in English 

شكرٌ خاصّ لأيمن بالصالح زميل غير مقيم بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط الذي راجع هذه المقالة وأبدى ملاحظاته.

: اقرأ التالي

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…

هل قام المجتمع الدولي بما يلزم لإيقاف الحرب الدائرة في السودان؟ الجواب بسيط، للأسف. بالطبع لا،…

يلقي عمر طالب نظرة معمّقة على الظروف السياسية والتكييفات القانونية التي أدت إلى إسقاط تهم الفساد…