العمران المصري في ظل التغيرات المناخية


تقف مرآة العمران شاهدة على الكثير من التغيرات الزمانية والمكانية، ليست فقط عاكسة لهذه التغيرات، بل متأثرة بتطوراتها وتغيراتها إيجابًا وسلبًا. فكأن العمران جسد يتكون أعضاؤه من مجموعة العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية، التي تتحرك وتتفاعل مع بعضها البعض باستمرار.

في نوفمبر الماضي، شهدت مصر أكبر تجمع لرؤساء العالم والوزراء المختصين لحضور فاعليات قمة الأمم المتحدة للمناخ كوب 27 (Cop27)، تحت شعار “التنفيذ من أجل الناس والكوكب”، لمناقشة أزمة الطاقة وزيادة معدلات الاحتباس الحراري. شاركت بأحد أبحاثي في المؤتمر من خلال أحد المنظمات العاملة على ملف التغيرات المناخية في مصر، يتناول البحث التحديات التي سيواجهها العمران المصري نتيجة للتغيرات المناخية المتوقعة خلال السنوات القادمة.

ينتظر العمران المصري عدة تحديات في السنوات القادمة، قد تكون بدايتها عام 2050، هذه التحديات والتهديدات غير قاصرة على مصر فقط، إنما تواجهها أيضًا معظم دول الجوار المشاركين في حدود البحر الأبيض المتوسط، وإن كانت معظم الدراسات تتنبأ بأن مصر ستكون من أكثر الدول المتضررة نتيجة زيادة معدلات الاحتباس الحراري ما لم تتخذ الإجراءات الاحترازية المسبقة، الأمر الذي سينتج عنه ارتفاع ملحوظ في منسوب سطح البحر الأبيض المتوسط. تشير التوقعات إلى غرق الشريط الساحلي (بورسعيد – اسكندرية)، وكذلك مساحات ليست بالقليلة من محافظات الدلتا.

تنتج ظاهرة الاحتباس الحرارى من زيادة نسبة بعض الغازات المكونة للغلاف الجوي، مثل الميثان وثاني أكسيد الكربون وبخار الماء والأوزون وأكسيد النيتروز، ويتم قياس أحجام هذه الانبعاثات بما يسمي “ثاني أكسيد الكربون المكافئ“، وهو مقياس يسمح بمقارنة الكمية المنبعثة من غازات الاحتباس الحراري بقدرة هذه الانبعاثات على إحداث احترار عالمي، ويتم قياسها بوحدة تسمى “جيجا جرام”. في مصر، سيطرت انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون عام 2015 بنسبة 73% (325614 جيجا جرام من ثاني أكسيد الكربون المكافئ)، ثم غاز الميثان بنسبة 13% (41483 جيجا جرام من ثاني أكسيد الكربون المكافئ)، ثم أكسيد النيتروز بنسبة 12% (38574 جيجا جرام من ثاني أكسيد الكربون المكافئ)، ثم مركبات الهيدروفلوروكربون (4308 جيجا جرام من ثاني أكسيد الكربون المكافئ) ومركبات البيروفلوروكربون (3379 جيجا جرام من ثاني أكسيد الكربون المكافئ) بنسبة نحو 1% لكل منهما. وفقًا لتقرير وزارة البيئة “التقرير المحدث كل سنتين” المقدم للأمم المتحدة عام 2018، فإن هذه الانبعاثات قد زادت نسبتها عام 2015 عن عام 2005 بنسبة 40%، وقد زادت نسبة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وحده خلال 10 سنوات من 67% إلى 73%.وفقًا لإحصائيات البنك الدولي، فإن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في مصر تتزايد بشكل مستمر منذ عام 1990.

سيطر قطاع الطاقة في مصر على النسبة الأكبر من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنسبة 64.5%، ويتسبب هذا القطاع وحده في انبعاث 87% من غاز ثاني أكسيد الكربون، و13% من الانبعاثات الأخرى. في المرتبة الثانية يأتي قطاع الزراعة، الذي يتسبب في انبعاث 14.9%من الغازات المسببة للاحتباس الحراري نتيجة التخمر المعوي والروث الحيواني وحرق الكتلة الحيوية واستخدام اليوريا. في المرتبة الثالثة يأتي قطاع العمليات الصناعية، الذي ينتج نسبة 12.5% من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري في مصر بسبب الصناعات الكيميائية والتعدينية والمعدنية. في المرتبة الرابعة والأخيرة يأتي قطاع المخلفات الذي ينتج نسبة 8.1% من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، بسبب التخلص من المخلفات الصلبة ومعالجة المياه وتصريفها والترميد والمعالجات البيولوجية.

إذن، ما علاقة هذه الانبعاثات والاحتباس الحراري بالعمران؟ وما هي المخاطر التي تهدد العمران المصري؟ وهل هذا التأثير سيحدث مستقبلًا أم عانت منه مصر سابقا؟

انعكست الآثار السلبية للتغيرات المناخية على البيئة المصرية من قبل، فقد شهد عام 2015 ارتفاعًا كبيرًا في درجات الحرارة، وصلت إلى 46 درجة مئوية نهارًا، وقد تسبب هذا الارتفاع في وفاة ما يقرب من 90 شخص، وإصابة نحو 600 بحالات الاجهاد الحراري. منذ سبعينيات القرن الماضي وحتي عام 2010، شهدت منطقة الشرق الأوسط زيادة كبيرة في درجات الحرارة، كذلك لُوحظ ارتفاع درجات الحرارة الصغرى بنسبة أسرع من درجات الحرارة الكبرى، وبناء على هذه النسبة المتسارعة في التزايد، فإن فصل الشتاء سيشهد مستقبلًا إرتفاع درجات الحرارة، وقد بدأت تظهر ملامحه الآن في مصر، فقد تراجع عدد الأيام الباردة، وظهور أيام حارة في منتصف الشتاء، ناهيك عن باقي فصول السنة.

أشار تقرير وزارة البيئة المصرية عام 2018 والمشار إليه سابقا، إلى الظواهر الجوية المتطرفة التي عانت منها مصر سابقًا نتيجة التغيرات المناخية، حيث تأثر قطاع الزراعة نتيجة انخفاض درجات الحرارة بشدة عام 2008، ولحقت أضرارًا جسيمة بالقطاع بلغت في بعض المحاصيل 50% من حجم الإنتاج. وفي عام 2004، نتيجة لتغير اتجاه الرياح، شهدت مصر هجومًا كبيرًا من الجراد بامتداد نحو 60 كم على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وفي عام 2010، شهدت مصر تدفق فيضاني، لم تشهده منذ القرن العشرين، نتيجة زيادة نسبة الأمطار، أدى إلى تدمير كتل عمرانية في سيناء مرورًا بساحل البحر الأحمر إلى أسوان، توفي على إثرها نحو 15 فرد، ونزح نحو 3500 فرد من منازلهم.

التهديدات والتغيرات التي ينتظرها العمران المصري ليست وليدة اللحظة، وإن كان الخطر المستقبلي المنتظر هو الأشد والأقوى، فقد عانت مصر سابقًا من أضرار التغيرات المناخية، وقد تمثل ذلك أيضا في ارتفاع منسوب سطح البحر نحو 11.35 سم في النصف الأول من القرن العشرين في منطقتي دمياط ورشيد، وفي النصف الثاني من القرن العشرين هبطت القشرة الأرضية لمدينة الإسكندرية 2 مم، وكذلك مدينة بورسعيد 4 مم، وشهد شاطئ رشيد تآكلا نتيجة نقص كميات الطمي المترسبة في نهاية القرن العشرين.

إذن، يتمثل خطر زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع منسوب سطح البحر، الذي يؤدي إلى أضرار فادحة، وهناك ثلاث سيناريوهات متوقعة لارتفاع منسوب سطح البحر طبقًا للتقرير، الذي أعدته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) لأعوام 2002-2017: الأول هو ارتفاع سطح البحر مترًا واحدًا، والثاني هو ارتفاع سطح البحر مترين، والسيناريو الثالث هو ارتفاع سطح البحر ثلاثة أمتار. 

بالنظر إلى الشريط الساحلي المصري (بورسعيد – اسكندرية) وسواحل محافظات الدلتا، نجد أن هذا الشريط يتسم بعدة سمات تجعله معرضًا للخطر، الأول أنه ذو طبوغرافية منخفضة، الثاني أنه ذو أرض طينية رطبة، والثالث وفرة المياه الجوفية في هذا الشريط، ومع السيناريوهات الثلاث المتوقعة، والمحدد لبلوغها عام 2100 وبدايتها عام 2050، فمن المتوقع نزوح ما يقرب من 6 مليون نسمة من مناطقهم نتيجة الغرق.

قد يكون أحد هذه السيناريوهات حتمي الحدوث في الفترة (2050- 2100). وفقًا للسيناريو الأول، حال ارتفاع سطح البحر مترًا واحدًا، فإنه من المحتمل تضرر سبع مدن و30 قرية وعزبة داخل تسع محافظات مصرية نتيجة هذا الارتفاع، واستقبال الشريط الساحلي مليارات الأمتار المكعبة من مياه البحر الأبيض المتوسط، هذه المحافظات هي الإسكندرية والاسماعيلية والدقهلية والشرقية والبحيرة وبورسعيد ودمياط وكفر الشيخ وشمال سيناء، حيث ستقترب مساحة المناطق المغمورة بالمياه وقتها نحو 1210033.98 فدان، وتكون المساحة العمرانية والزراعية المهددة بالغرق نحو 35505.45 فدان، و926554.04 فدان على التوالي. ووفقًا للسيناريو الثاني، حال زيادة منسوب سطح البحر بمقدار مترين، فإنه من المتوقع تضرر تسع مدن و44 قرية وعزبة في نفس التسع محافظات، وستكون المساحة المهددة نحو 1644870.29 فدان، وتكون المساحة العمرانية والزراعية المهددة بالغرق نحو 46453.57 فدان، و1386646.71 فدان على التوالي. وفقًا للسيناريو الثالث، حال زيادة منسوب سطح البحر ثلاثة أمتار، فإنه من المحتمل تضرر 13 مدينة و 108 قرية وعزبة في 10 محافظات، وستكون المساحة المهددة نحو2543633.15 فدان، وتكون المساحة العمرانية والزراعية المهددة بالغرق نحو81148.13 فدان و2245763.89 فدان على التوالي، وتبين الأشكال التالية المناطق المعرضة لخطر الغرق في أي من السيناريوهات الثلاث.

في حالة ارتفاع منسوب سطح البحر 1 متر

في حالة ارتفاع منسوب سطح البحر 2 متر

في حالة ارتفاع منسوب سطح البحر 3 متر

على الرغم من هذه التهديدات والمخاطر المنتظرة، فإن ملف العمران المصري، حتى الآن، لم يأخذ بعين الاعتبار الدراسات البيئية اللازمة أثناء إعداد المخططات العامة والتفصيلية لمدن وقري مصر، ولم تضع وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية أي خطط بديلة حال وقوع أي تهديدات منتظرة، بل ما يزال العمل جار على إقامة تجمعات جديدة داخل الدلتا في ظهير المدن القائمة. وحتى الآن، لم تستطع مصر تحقيق أهداف إقامة التجمعات الحضرية الجديدة التي تم وضعها في سبعينيات القرن الماضي.

ذكرت الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050 نقاط الضعف التي تعاني منها مصر، وتقف عائقًا أمام ملف التنمية البيئية، والتي تتمثل في ضعف البنية التحتية للكثير من المناطق المأهولة، وكذلك القصور في تنفيذ القوانين وتطبيقها، وضعف القوانين والتشريعات المعمول بها حاليًا نظرًا لقدمها وعدم ملاءمتها للواقع، وعدم العمل على تطويرها، وضعف الكوادر والقدرات داخل المؤسسات المعنية، وكذلك غياب التنسيق بين الوزارات والهيئات الرسمية على الرغم من مركزية الحكم في مصر. بالإضافة إلى محدودية التمويل الحكومي لملف البيئة، وغياب دور المجتمع المدني والقطاع الخاص، وانفراد المؤسسات الحكومية بعملية صناعة واتخاذ القرار، وإغفال مبدأ المشاركة المجتمعية.

إذن، الحاجة الآن ملحة لضرورة شفافية المعلومات وتوافرها، وإن كانت هذه الشفافية مهمة في كل وقت، لإنجاح دور المشاركة المجتمعية وعمل المجتمع المدني، وعدم الانفراد باتخاذ القرار من قبل المؤسسات الرسمية فقط. وكذلك، لابد من إيقاف عمليات إقامة تجمعات حضرية جديدة داخل الدلتا، والخروج إلى المناطق الآمنة غير المستغلة في القطر المصري، وضرورة وضع بدائل عمرانية حال وقوع أيًا من هذه الكوارث، مع الأخذ في الاعتبار الدراسات البيئة اللازمة، ووضع أكواد جديدة للتصميم البيئي متوافقة مع المتغيرات الجديدة، وإعادة النظر في القوانين والتشريعات القائمة ذات الصلة، وفتح المجال العام لإعادة ضبطها.

إبراهيم عز الدين معماري مصري وباحث عمراني، يعمل كباحث في ملف الحق في السكن الملائم بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومناهض لعلميات الإخلاء القسري، ومدير مبادرة مناخ للدراسات البيئية ومؤسس ديوان العمران للدراسات العمرانيه.

: اقرأ التالي

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك…

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من…

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…