المأزق الجديد لإدخال المساعدات الخارجية إلى سوريا

تتحكم أهواء النظام السوري وحليفته روسيا في تجديد قرار مجلس الأمن الذي تدخل بموجبه المساعدات التي تنسقها الأمم المتحدة عبر الحدود إلى سوريا. لا ينبغي لهذا الوضع أن يستمر، حيث أن هناك أسس قانونية تسمح بتدفق المساعدات الإنسانية إلى سوريا بشكل مستقل عن قرارات مجلس الأمن الدولي وعن رغبات نظام الأسد


لا تزال الاحتياجات الإنسانية في شمال سوريا في ازدياد مع استمرار الصراع السوري، ومعها عدم الرضا حيال الجهود الرامية للتخفيف من حدة هذه الاحتياجات، وهو الأمر الذي يجب معالجته حتى نضمن إيصال المساعدات إلى نحو 4.1 مليون شخص يعيشون هناك.

كان إيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا يتم في السابق بموجب قرار من مجلس الأمن يُجدد كل 12 شهرًا. أنشأ هذا القرار معابر طوارئ دولية جديدة على الحدود مع المناطق التي تسيطر عليها المعارضة لمواجهة الرفض التعسفي للنظام السوري لإيصال المساعدات الإنسانية. 

نجح القرار في دعم توصيل المساعدات لفترة. لكن منذ عام 2019 بدأت روسيا في استخدام حق النقض (الفيتو) ضد تجديده ما لم يتم منح تنازلات سياسية للنظام السوري. أدى ذلك إلى تقليص عدد المعابر الحدودية من أربعة إلى معبر واحد (معبر باب الهوى مع الحدود التركية)، وتخفيض فترة التجديد من 12 شهر إلى ستة أشهر، وهي فترة غير كافية للتخطيط للعمليات الإنسانية وتوفير الموارد اللازمة لها.

وبعد الزلزالين المدمرين في فبراير 2023 في تركيا وشمال غرب سوريا، ومقتل الآلاف وتدمير الطرق التي كانت تستخدم في السابق لإيصال المساعدات، اعتمد السوريون على الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى. إلا أن استجابتها كانت بطيئة على نحو مؤلم. وعلى عكس تركيا، تُركت مجهودات البحث والإنقاذ لمجموعات الإغاثة المدنية السورية التي قامت بأعمال بطولية رغم نقص كوادرها. أستمر هذا الوضع لبعض الوقت حتى تفاوض وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، الذي اعتذر عن استجابة الأمم المتحدة البطيئة، على موافقة النظام على فتح معبرين حدوديين إضافيين عبر تركيا لمدة ثلاثة أشهر.

 بالطبع، هذه النتيجة لم تكن واردة في السابق، نظراً لممارسات النظام خلال العقد السابق من عرقلة واستهداف ومنع وصول المساعدات الإنسانية بشكل تعسفي. إلا أن موافقة النظام أثارت المخاوف أنه قد يعرقل فتح المعابر في المستقبل، وهو ما تأكد في 10 يوليو 2023 عندما استخدمت روسيا حق النقض في مجلس الأمن ضد فتح آخر معبر حدودي (باب الهوى)، وهو بالطبع معبر حيوي. 

وفي 13 يوليو، وافق النظام على استخدام معبر باب الهوى الحدودي لمدة ستة أشهر، غير أنه اشترط ألا تتعامل الأمم المتحدة مع القوى الحاكمة في شمال غرب سوريا، مطالبًا بأن يكون له دور مركزي في التنسيق والرقابة. وسرعان ما تمت إدانة ذلك باعتباره غير قابل للتطبيق، وبالتالي يتعارض مع القانون الإنساني الدولي، مما دفع الأمم المتحدة إلى المزيد من المساومة على بعض مطالب النظام غير الواقعية. 

منذ ذلك الحين، ارتبط عمل المعابر الثلاثة بموافقة النظام، مع مواعيد تجديد متفاوتة. ويثير ”نظام الموافقة“ الجديد هذا مخاوف حقيقية لدى المنظمات غير الحكومية المسؤولة عن تقديم المساعدات، وأهمها التهديدات التي تواجه استدامة العمليات الإنسانية حيث أن موافقة النظام أصبحت مرهونة بتلبية مطالبه.

إلى حد ما، ينشأ هذا الوضع بسبب إصرار الأمم المتحدة على شرط الحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي أو موافقة الدولة لإدخال المساعدات عبر الحدود إلى سوريا. وبالتالي، في حال عدم وجود قرار من مجلس الأمن الدولي، ستسعى الأمم المتحدة وراء الخيار الثاني، حتى لو كان الثمن باهظاً. لكن، على الأقل من الناحية القانونية، لا ينبغي أن تصل الأمور إلى هذا الوضع، لأن المساعدات عبر الحدود إلى سوريا قانونية دون إذن من مجلس الأمن أو النظام. 

مشروعية المساعدات عبر الحدود إلى سوريا دون إذن من مجلس الأمن الدولي أو النظام

تخضع النزاعات المسلحة غير الدولية بين النظام والمعارضة للقانون الإنساني الدولي، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولها الإضافي الثاني لعام 1977، بينما تخضع النزاعات المسلحة الدولية (بين الدول) للبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977.

وتنص المادة 3 (2) المشتركة بين كل اتفاقيات جنيف [المادة المشتركة 3 (2)] على أنه ”يجوز لهيئة إنسانية غير متحيزة … أن تعرض خدماتها على أطراف النزاع“، ولم تتم الإشارة إلى من يمكنه تلقي هذا العرض أو الموافقة عليه، ولكن كلمة ”الأطراف“ هي صيغة الجمع، مما يعني أنه يمكن لأي طرف الموافقة على وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الخاضعة لسيطرته، بغض النظر عن موقف الدولة الطرف. غير أن المادة 18 (2) من البروتوكول الإضافي الثاني كانت أكثر تحديدًا، إذ تنص على أن أعمال الغوث ذات الطابع الإنساني تتم رهنًا ”بموافقة الطرف المتعاقد السامي المعني“.

وبناءً عليه، بموجب المادة المشتركة 3 (2)، ليس للدولة علاقة فيما يتعلق بالمساعدة الإنسانية في المناطق الواقعة خارج سيطرتها، بينما بموجب المادة 18 (2) من البروتوكول الإضافي الثاني فإنها تأخذ دورًا أكثر مركزية. وهذا ما تحمله صيغة المادة المشتركة 3 (2) ككل. فهي، على سبيل المثال، تُشير بشكل مبدئي إلى أن النزاعات المسلحة غير الدولية تحدث على أراضي أحد ”الأطراف السامية المتعاقدة“، بينما ورد في أحكام المواد اللاحقة أنها تُلزم ”كل طرف في النزاع“. 

وبقراءة شاملة يظهر أن صياغة المادة المشتركة الثالثة تُنبئ بواقع تعدد الأطراف في النزاعات، وتُميز بين عبارة ”الطرف المتعاقد السامي“ (حيث تتوقف التعريفات أو الإمتيازات على انخراطه في النزاع) وكلمة ”الأطراف“ ذات المعنى الفضفاض. ونظرًا لاستخدام التعبير الأخير مع عروض تقديم المساعدة الإنسانية، ينبغي أن يكون الاستنتاج هو أن عروض المساعدات الإنسانية يمكن تقديمها أو قبولها من قبل أي طرف من أطراف النزاع، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر ”الطرف المتعاقد السامي“. 

وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن الصياغة التي تُميز وتحدد ”الطرف المتعاقد السامي“ ستصبح زائدة عن الحاجة، خلافًا للأعراف المُتبعة في تفسير المعاهدات [انظر هنا الصفحة 490، وإن كان يُفسر البروتوكول الإضافي الثاني وليس المادة المشتركة 3 (2)]. وبمعنى آخر، إن التفسير النحوي لكلا الحكمين لا يجعل موافقة الدولة شرطًا ضروريًا لإيصال المساعدات عبر الحدود.

إلا أن هذا المنطق، رغم قوته، له منتقدون. فقد أشار البعض إلى أنه:”من الصعب تفسير صمت [المادة 3 (2)] على هذا النحو، لا سيما بالنظر إلى الانتهاك الكبير للسيادة الإقليمية للدولة الطرف في [نزاع مسلح غير دولي] الذي تنطوي عليه عمليات الإغاثة الإنسانية التي تجري في أراضيها دون موافقتها“. 

هذا الرأي، إذن، يذهب إلى أن الإشارة إلى البروتوكول الثاني الإضافي ومبادئ السيادة الأوسع نطاقاً تدعم الاستنتاجات القائلة بأن موافقة الدولة مطلوبة دائماً. ومن المسلم به أيضًا أنه سيكون هناك ”نطاق محدود من الأسباب للاستغناء عن الموافقة عندما تكون الإغاثة مخصصة للمدنيين في الأراضي الخاضعة للسيطرة الفعلية لجماعات المعارضة المسلحة“.

 ورغم أن هذه الاستنتاجات قد تنطبق أكثر على نزاعات أخرى، فإنها تواجه عقبتين في الحالة السورية. 

أولاً، أن سوريا -رغم مصادقتها على كل من اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول – لم تصادق على البروتوكول الإضافي الثاني، وهو مجموعة القوانين التي تحكم في النزاعات مثل النزاع السوري. علاوة على ذلك، وخلافاً لأحكام المادة المشتركة الثالثة، لا يوجد إجماع على أن المادة 18 (2) من البروتوكول الثاني الإضافي مُلزمة بموجب القانون الدولي العرفي. لذلك، لا ينبغي أن يكون للنظام الحق في الاعتماد على الأحكام الأكثر صرامة في البروتوكول الإضافي الثاني لتقييد وصول المساعدات الإنسانية إلى الأراضي الخارجة عن سيطرته، والتي تشمل جميع المعابر الحدودية العاملة حاليًا. 

ثانيًا، إن تقديم المساعدات إلى سوريا، خصوصًا عبر المنظمات غير الحكومية، دون موافقة النظام لا يفي بأي عنصر ضروري ليجعله ”تدخل محظور“ في سيادة الدولة أو سلامة أراضيها. كما أن تركيا كانت دائمًا داعمة لفتح معبر باب الهوى الحدودي، وتستقبل فصائل المعارضة بشكل عام المساعدات القادمة عبره، ولم يتم استخدام أي قوة ضد الدولة السورية للوصول إلى الأراضي التي لا تسيطر عليها. 

علاوة على ذلك، فإن عمليات الأمم المتحدة العابرة للحدود كانت ولا تزال تُنفذ حصريًا من قبل المنظمات غير الحكومية، وبالتالي فهي لا تتطلب عبور كيانات حكومية للحدود الدولية. الجدير بالذكر هنا أن المنظمات غير الحكومية ليست خاضعة للقانون الدولي وليست مُلزمة به. وبناءً على ذلك، فإن عبور المنظمات غير الحكومية للحدود لا ينتهك الأعراف الدولية، مثل سيادة الدول، حتى وإن كان من الممكن منعها من ذلك بموجب القوانين المحلية التي تخضع لها.

ولهذا السبب، ارتأت محكمة العدل الدولية أن ”تقديم المساعدات الإنسانية البحتة للأشخاص أو القوات في بلد آخر، أياً كانت انتماءاتهم السياسية أو أهدافهم، لا يمكن اعتباره تدخلًا غير مشروع، أو متعارضًا بأي شكل مع القانون الدولي“. ينطبق هذا الاستنتاج على الحالة السورية تماماً، لأنه تم التوصل إليه في الظروف التي تم فيها تسليم المساعدات الإنسانية عند الحدود، وليس عبرها بالضرورة. هذا هو بالضبط ما يحدث في سوريا منذ أكثر من عقد من الزمن، حيث تقوم وكالات الأمم المتحدة بنقل البضائع إلى مراكز في تركيا ليتم تجميعها وإرسالها بواسطة شاحنات سورية، ومن ثم تسليمها عبر الحدود.

خاتمة

على الرغم من أن البعض لا يزال ينظر إليها بعين الريبة، إلا أن هناك اتفاق على الاستنتاجات المستخلصة هنا، وعلى نحو متزايد (انظر هنا، وهنا، وهنا، وهنا، وهنا)، وقد تم تبنيها مرارًا من قبل مختصين وخبراء على مستوى مرتفع من الكفاءة والقدرة.

وبناءً على ذلك، عندما اتضح جليًا أن مصير تفويض مجلس الأمن الدولي محتوم ونهايته وشيكة، برزت محاولات على مدار عدة سنوات تسعى للحصول على اعتراف رسمي بقدرة الأمم المتحدة على مواصلة تقديم المساعدات عن بُعد دون موافقة مجلس الأمن الدولي أو النظام. 

في نهاية المطاف، تتمسك الأمم المتحدة بقوة بهذه المتطلبات بوصفها ضرورية، وتستمر في دعم ”نموذج الموافقة“ الحالي، الذي، بغض النظر عن فعاليته، يُجبرها حاليًا على التوفيق بين مطالب النظام التي تبدو غير قابلة للتطبيق، وأولئك الذين يضطرون إلى تحمل المسئولية والمخاطر المترتبة على إرسال المساعدات في إطار هذه المطالب. 

وهكذا نجد أنفسنا أمام ”مأزق جديد عابر الحدود“، وبطبيعة الحال، هناك العديد من المناقشات القانونية بخصوص هذا المأزق تجري الآن وراء الكواليس، وستتدفق المساعدات، كما نأمل، ولو بشكل منقوص. وفي ظل الواقع السياسي الحالي الذي يفرض الحصول على موافقة النظام، من المستحيل أن تتبنى الأمم المتحدة مواقف قانونية مبدئية بشكل صريح. ومع ذلك، يتعين على الأمم المتحدة أن تجد سبيلًا لمعالجة المخاوف الرئيسية العالقة في أذهان أصحاب المصلحة الرئيسيين. 

ولذلك نقول أنه يجب الإنصات إلى المنظمات غير الحكومية والخبراء العاملين في المجال الإنساني والعمل بآرائهم إذا كانت هناك رغبة حقيقية في سد الفجوة الآخذة بالاتساع بينهم وبين الأمم المتحدة. 

جاك سبروسون محامي بريطاني متخصص أساسًا في القضايا الدولية. يعمل في مكتب Guernica 37 Chambers المتخصص في القانون الدولي في لندن. يشارك السيد سبروسون بشكل فعّال في مجموعة من القضايا التي برزت في أعقاب الصراع السوري، مع تركيز خاص على عمليات المساعدات الإنسانية عبر الحدود. 

نُشر هذا التحليل في الأصل في العدد رقم 4 من النشرة الإخبارية لتطورات سيادة القانون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي يصدرها برنامج مؤسسة كونراد أديناور لسيادة القانون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالتعاون مع معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط TIMEP.

: اقرأ التالي

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…

هل قام المجتمع الدولي بما يلزم لإيقاف الحرب الدائرة في السودان؟ الجواب بسيط، للأسف. بالطبع لا،…

يلقي عمر طالب نظرة معمّقة على الظروف السياسية والتكييفات القانونية التي أدت إلى إسقاط تهم الفساد…