منذ اندلاع الأزمة المالية في لبنان عام 2019، تحولت مدخرات المواطنين إلى أرقام محتجزة في حسابات مصرفية لا يمكن الوصول إليها. فقد المودعون اللبنانيون القدرة على التصرف في المدخرات التي جمعوها بتعبهم وعرق جبينهم، بينما انهارت قيمة العملة وارتفعت معدلات الفقر بشكل غير مسبوق، لتخلق الأزمة المالية كارثة اجتماعية شاملة مسّت حياة ملايين الناس.
وسط هذا الواقع المرير، برزت مبادرات قانونية ومدنية يقودها المودعون أنفسهم للمطالبة بالمساءلة عن الانهيار المالي وما رافقه من جرائم مالية. في هذه المقابلة، تتحدث المحامية دينا أبو زور، عضو رابطة المودعين في لبنان، عن معاناة المودعين، والتحديات التي تواجه جهود تحقيق العدالة، والسبل الممكنة لاستعادة الحقوق وإصلاح النظام المالي في لبنان.
من موقعك كمواطنة لبنانية، وكمحامية تمثل ضحايا الانهيار الاقتصادي في لبنان والجرائم المالية المرتبطة به، كيف أثرت هذه الأزمات على الحياة اليومية للمودعين وعموم السكان في لبنان؟
لم أكن أتخيل يومًا أن أروي قصصًا مماثلة لتلك التي كنا نسمعها من أجدادنا عن انهيار قيمة العملة في لبنان في ثمانينات القرن الماضي. إن الانهيار المالي الذي نعيشه منذ عام 2019 ليس مجرد أرقام، بل أزمة كارثية لها أثر جسيم على حياة السكان في لبنان وخارجه ممن لديهم ودائع في المصارف اللبنانية. أصبح المودع يستجدي المصرف للحصول على أمواله، ويتابع بترقب تعاميم مصرف لبنان لسحب ”خرجية“ من مدخراته، ليتبدد حقه الطبيعي في التصرف بأمواله الخاصة.
عائلاتٌ عجزت عن تسديد أقساط مدارس وجامعات أبنائها، ومرضى لم يتمكنوا من تغطية كلفة علاجهم، ومتقاعدون خسروا جنى سنوات حياتهم واضطروا إلى العودة إلى العمل في أي مجال كان لتأمين قوتهم اليومي. الكثير من الشباب والكفاءات هاجروا إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل للحياة، وقبلوا بظروف عمل ومعيشة كانت، رغم صعوبتها، أفضل من الوضع المعيشي الكارثي في وطنهم.
من الصعب أن أنسى صدمة ”سامي“، الطيار المتقاعد الذي خسر كامل مدخراته دون أن يدرك ما يحدث، مستعجبًا أن المصرف لا يجيبه عن تساؤلاته، ليضطر إلى الاستعانة بابنه المقيم في الخارج ليحول له مبلغ شهري يعينه وزوجته على مصاريف الحياة. توفي سامي للأسف عام 2023، ويمكنني أن أجزم أنه مات مقهورًا، فلطالما شكى لي حاله. وكذلك الأمر بالنسبة لـ”حسن“ الذي اضطر إلى أن يخذل ابنته التي تدرس في الخارج ويعيدها الى لبنان عندما تعثر في تسديد قسط جامعتها وتكاليف معيشتها على الرغم من صدور قانون الدولار الطلابي، فإنه لم يكن هناك أي رقابة على مدى تطبيقه ليخضع الأمر إلى السلطة التقديرية للمصارف. ولا يمكنني أن أنسى ”كوكب“، مريضة سرطان الرأس التي ذاقت الأمرين من أجل تحصيل مبالغ من وديعتها لتغطية كلفة علاجها في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، دونما أدنى تعاطف أو حس إنساني من المصرف الذي دأب على رفض كل طلبات كوكب رغم إرفاقها لكافة التحاليل والصور والتقارير الطبية الموثقة.
إن أثر الانهيار المالي في لبنان لم يقف عند حدّ، فمستوى الفقر تخطى أي نسبة معقولة، كما حرم الغلاء الفاحش الكثيرين من أدنى مستويات المعيشة اللائقة، فضلًا عن تدهور القطاعات الخدمية الأساسية، من صحة وتعليم وغير ذلك. اختفت تقريبًا الطبقة الوسطى في لبنان، وقسّمت الأزمة المواطنين إلى نوعين: الغني القادر على الاستمرار أو الفقير الذي أُفقر قسرًا، فانعدمت ثقته شأنه شأن باقي الشعب بأي مؤسسات مالية، أو حتى حكومية، وبأي إصلاح ممكن.
عندما يتعلق الأمر بالجرائم المالية في لبنان، تسود ثقافة الإفلات من العقاب وتتستر النخب السياسية والاقتصادية على بعضها البعض. ما هي التحديات التي يواجهها المتضررون في سعيهم لتحقيق المساءلة عن هذه الجرائم، وما هي النجاحات الملموسة التي حققتموها أنتم والجهات الفاعلة الأخرى حتى الآن في سبيل تحقيق العدالة لهم؟
يواجه المتضررون من الأزمات والجرائم المالية في لبنان منظومة سياسية ومصرفية متماسكة وذات تأثير واسع في الدولة. يسعى أصحاب النفوذ السياسي والمالي إلى تعطيل أي شكل من أشكال المساءلة أو التحقيق في الجرائم المالية التي يشتبه في ارتكابهم لها، وذلك من خلال ممارسة الضغط على السلطة القضائية وتقويض استقلاليتها بغية عرقلة التحقيقات. كما واجه المتضررون تعطيلًا ممنهجًا لتمرير أي تشريعات أو قوانين إصلاحية عبر المجلس النيابي، ولا سيما خلال السنوات الأولى من الأزمة المالية.
ومع ذلك، تمكن المتضررون من تحقيق إنجازات استراتيجية عبر تنظيم أنفسهم في تجمعات وروابط مدنية للمطالبة بحقوقهم والسعي إلى تحقيق العدالة والمساءلة في قضيتهم، ومن بين هذه التنظيمات المدنية رابطة المودعين.
استطاعت الرابطة أن تحجز لنفسها موقعًا على طاولة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وغيره من الجهات الفاعلة في ملف الأزمة المالية في لبنان. كما نجحت في بناء شبكات تعاون مع منظمات محلية ودولية معنية بمكافحة الفساد بهدف تبادل الخبرات وتطوير استراتيجيات العمل. وفضلًا عن ذلك، تقدمت الرابطة، عبر فريقها القانوني، بعدد من الدعاوى القضائية أمام القضاء اللبناني، بعضها لا يزال قيد النظر والتحقيق، فيما صدر في بعضها الآخر أحكام لمصلحة المودعين. وهكذا تعمل الرابطة وغيرها من المبادرات المدنية على إعادة تسليط الضوء على حقوق المتضررين من الأزمات والجرائم المالية في لبنان، على المستويين المحلي والدولي.
ما هو الشكل المرجو للعدالة والمساءلة الفعّالة بالنسبة للمتضررين من الانهيار المالي وما رافقه من جرائم مالية؟
حدثت الأزمة المالية والمصرفية في لبنان نتيجة سوء حوكمة وإدارة، وفساد متراكم ومستمر تحت مسميات عدة، منها الهندسات المالية التي تم الترويج لها كوسيلة لدعم العملة المحلية والموقف الخارجي للاقتصاد، ثم تبين أنها ممارسات غير قانونية أثرَت مجموعة محددة على حساب الدولة والشعب. وبالتالي، يجب أن تأتي العدالة من خلال ضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، وجبر ضرر المتأثرين بهذه الأزمات، وإصلاح المؤسسات والتشريعات لضمان سيادة القانون. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق أربعة مسارات عملية:
أولًا، أن تبدأ الدولة بتدقيق جنائي كامل للمصارف التجارية ومصرف لبنان المركزي، وحتى الوزارات المعنية مثل وزارة المالية. هذا الإجراء يساعد في تحديد الخسائر، وأيضًا في كشف عمليات الفساد وسوء الإدارة التي أدت إلى هذا الانهيار المالي والمسئولين عنه.
ثانيًا، أن يتحرك القضاء اللبناني بموجب مُخرجات هذا التدقيق الجنائي لملاحقة كافة المسئولين عن الأزمة المالية، من سياسيين ومصرفيين وموظفين وغيرهم ممن يشتبه بتورطهم ومساهمتهم في جرائم مالية أسفرت عن الانهيار. كما يجب أن يتمتع القضاء بالاستقلالية والسلطة الكافية لتجاوز أي حصانات تحمي الجناة من المحاسبة، فضلًا عن القدرة على التنسيق مع التحركات القضائية وجهود المساءلة التي تتم خارج لبنان.
ثالثًا، تصميم استراتيجية واضحة وشفافة تستهدف إعادة الودائع وجبر ضرر الذين تأثروا بالانهيار الاقتصادي والجرائم المالية. يجب أن تكفل هذه الاستراتيجية عدم التمييز بين المودعين، مع توفير كافة تدابير الحماية للفئات الأكثر هشاشة وتضررًا كصغار المودعين، فضلًا عن سن القوانين اللازمة لتنفيذ هذه الاستراتيجية.
رابعًا، المضي قدمًا بخطة لإصلاح المؤسسات والتشريعات الوطنية لضمان عدم تكرار مثل هذه الأزمات في المستقبل.
بالنسبة للمتضررين من الجرائم المالية، ما هي أشكال الدعم القانوني أو المؤسسي أو المجتمعي التي لا تزال مفقودة حتى اليوم؟
إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند التفكير بالمتضررين من الأزمات والجرائم المالية في لبنان هم الفئات الأكثر ضعفًا، كالمسنين والمتقاعدين الذين خسروا حصيلة سنوات طويلة من العمل، وأولئك الذين حُرموا من الوصول إلى مدخراتهم في الوقت الذي هم بأمس الحاجة إليها. من الصعب على الناس تقبل أنهم قد خسروا كل شيء، كما يصعب عليهم الثقة بأن القانون قادر على أن يعيد حقوقهم إليهم.
ولذلك، فإن أشد ما يحتاجه المتضررون اليوم هو قضاء مستقل ونزيه، ينظر في قضاياهم بعيدًا عن تأثير النخب السياسية. كما يحتاجون إلى معرفة حقيقة ما حدث بشفافية، توضح أسباب الأزمة المالية، وتكشف المسئولين عنها، وتبين سبل معالجتها، بما في ذلك تحديد حجم الخسائر، وآلية إعادة الودائع إلى أصحابها وفق مقاربة شفافة وعادلة تراعي ظروفهم واحتياجاتهم الإنسانية المختلفة.
وفضلاً عن ذلك، من المهم إنشاء آليات فعّالة لحماية كاشفي الفساد ومقدمي المعلومات، تضمن سلامتهم وتمكنهم من الوصول إلى الخدمات القانونية ذات الصلة. إذ يحجم كثيرون عن الإدلاء بما لديهم من معلومات خشية عواقب التبليغ.
كذلك، يحتاج المتضررون إلى دعم حقيقي على صعيد توفير احتياجاتهم الأساسية من صحة وتعليم وضمان اجتماعي وغيرها من الحقوق التي زادت تكلفتها لتصبح غير متاحة للجميع في لبنان بعد الأزمة المالية. ينبغي للدولة اتخاذ خطوات عملية وجادة لحماية هذه الحقوق، وضمان توفيرها للناس.
ما هي الخطوات التي تتخذها الحكومة حاليًا فيما يتعلق بالإصلاحات التشريعية أو المؤسسية؟ وما هي التدابير الإضافية اللازمة لضمان جبر ضرر المتضررين ومنع تكرار أزمات مالية مماثلة؟
للأسف فإن إجراءات الحكومة اليوم تأتي متأخرة 6 سنوات، إذ إن الحكومة السابقة كانت رائدة في التسويف وعدم طرح حلول جدية للأزمة، بل سلمت الدفة لحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة الذي تعدى على اختصاص المجلس النيابي و راح يصدر قرارات إدارية لتنظم الأزمة المالية بدلًا من إصلاحها بموجب قوانين. ومن ذلك القرارات المتعلقة بتحديد سقف سحوبات المودعين لأموالهم.
يمتلئ سجل الحكومة السابقة بالتقاعس، فقد امتنعت في السنوات التالية للأزمة عن تقديم مشروع قانون كابيتال كونترول إلى مجلس النواب، الذي كان سيضع قيودًا على خروج الأموال من البنوك، مما ساهم في قيام المصارف بتحويلات لصالح ذوي النفوذ، حارمةً المودعين من الحصول على مبالغ شهرية كانت يمكن أن تكون سندًا لهم خلال الأزمة. كما أضاعت في عام 2022 فرصة الوصول إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي بسبب إخفاقها في القيام بالإصلاح التشريعي الذي كان مطلوبًا منها. فعلى سبيل المثال، عدّلت الحكومة قانون السرية المصرفية إلا أن التعديلات لم ترقَ للمستوى المطلوب، بل وأكثر من ذلك فإن النسخة التي نوقشت في اللجان اختلفت عن تلك التي أُقرت في الهيئة العامة، واختلفت تلك الأخيرة بدورها عن النسخة النهائية التي صدرت في الجريدة الرسمية!
أما الحكومة الحالية اليوم فقد أدركت ضرورة القيام بورشة تشريعية سريعة، فعملت تعديل قانون السرية المصرفية مرة أخرى في أبريل/نيسان 2025، وإنجاز قانون إعادة هيكلة المصارف الذي أُقر في مجلس النواب في يوليو/تموز 2025، ويُعمل اليوم على تعديله بعد أن تبين وجود العديد من الملاحظات عليه، لا سيما من قِبَل صندوق النقد. كما طرحت الحكومة مسودة قانون الفجوة المالية الذي لا يزال محل نقاش في مجلس النواب كونه مبهم في كثير من جوانبه، ولا يراعي المعايير الأساسية لحل الأزمات المالية والمصرفية، مثل البدء بتدقيق جنائي يتم على أساسه تحديد المسئوليات، وغيرها الكثير من النقاط التقنية.
وبالتالي فإن خارطة طريق إعادة الودائع لم تكتمل بعد وهي بحاجة إلى إعادة نظر.
يتعين على الحكومة أيضًا حماية أصول الدولة، ولا سيما احتياطيات الذهب، وضمان ألا يتم استعمال هذه الأصول في سد الفجوة المالية تحت ذريعة ”مسؤولية الدولة“ عن الخسائر، بما يغطي على فساد المصرفيين والمصارف. لا ينبغي لهذه الأصول أن تكون جزءًا من الحل بالشكل المطروح، بل يمكن استعمالها، جزئيًا وفي مرحلة لاحقة، كنوع من الاستثمار في سبيل بناء اقتصاد منتج ومستدام.
وعلى الحكومة كذلك العمل على مكافحة الفساد في الإدارات والمؤسسات العامة فعلًا وليس قولًا، وتطبيق قوانين مكافحة الفساد وإعادة النظر بعمل هذه المؤسسات وحوكمتها، وأيضًا إعادة هيكلة مصرف لبنان وتعديل قانون النقد والتسليف.
كيف يمكن للأشخاص المتضررين من الأزمات المالية أن يلعبوا دورًا فعالًا في مسارات العدالة والمساءلة، بما يضمن وضع أولوياتهم في صميم أي أجندة إصلاحية؟
إن المتضررين من الأزمات المالية في لبنان هم أصحاب الحق، وهم فاعلون رئيسيون في أي مسار من مسارات العدالة والإصلاح، وبالتالي لا يجب تهميش أصواتهم أو دورهم الفعال والمحوري في هذه العملية. يمكن للمتضررين أن يقوموا بدور بارز في مسار العدالة والمحاسبة من خلال تنظيم جهودهم ضمن مساحات مدنية وقانونية تتيح لهم المشاركة الحقيقية في النقاشات المتعلقة بحقوقهم، ووضع أولوياتهم على الطاولة، وإبداء الرأي في سبل تحقيق العدالة والإصلاح فيما يتعلق بقضيتهم. إن تهميش صوت هؤلاء الناس واستبعادهم من مساحات صناعة السياسات المتعلقة بحقوقهم سيؤدي إلى إهمال أولوياتهم، وسيبقي هذه المساحة عرضة للتجاذبات والمصالح السياسية.
على سبيل المثال، فإن تنظيم جهود المودعين والبناء على أولوياتهم يشكل النهج الذي تعتمده رابطة المودعين. تسعى الرابطة دائمًا إلى أن تكون مساحة جامعة للمودعين، تمكنهم من التعبير عن احتياجاتهم وتحديد أولوياتهم، والعمل على إبقائها حاضرة على طاولة صناع السياسات. وتتحقق هذه الغاية من خلال طرح حلول مقترحة واستراتيجيات عملية يطورها خبراء اقتصاديون وقانونيون بالتشاور مع المعنيين، فضلًا عن مواصلة جهود المناصرة والتواصل مع صناع القرار، بما يضمن أن ترتكز السياسات والقرارات المتخذة على أولويات الناس وحقوقهم.
هل لديك أي أمل في رؤية بعض النتائج الإيجابية لهذه الجهود في مواجهة الأزمات والجرائم المالية في لبنان؟
إن الأمل برؤية نتائج إيجابية في ظروفنا ليس رفاهية، بل ضرورة ملحة للاستمرار في النضال من أجل استرداد الحقوق وتحقيق العدالة. وعلى الرغم من أن كثيرين يعتبرون أن العدالة المتأخرة هي عدالة غير متحققة، فإنني أرى أن العدالة لا ينبغي أن تسقط بمرور الزمن، وأن السعي إليها واجب قبل أن يكون حقًا.
صحيح أن النتائج قد لا تكون على قدر المأمول، إلا أن السكوت عن الجرائم المالية والفساد سيؤدي إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، ويزيد من احتمالات تكرار هذه الأزمات والجرائم لاحقاً. لذلك، ورغم صعوبة مسار العدالة والمساءلة والإصلاح في لبنان، يبقى الخيار واضحاً: إما العمل على تغيير الواقع والسعي إلى تصويبه، وإما الاستسلام لواقع تتوارثه الأجيال بنكبات متتالية.