بائع الوهم

أصدر رأس النظام السوري بشار الأسد بتاريخ 30 نيسان/أبريل المرسوم التشريعي رقم 7 لعام 2022 والقاضي بمنح عفو عام عن "الجرائم الإرهابية" المرتكبة من قبل السوريين والواردة في قانون العقوبات العام الصادر بالمرسوم التشريعي 148 لعام 1949 وتعديلاته، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 شريطة ألا تكون تلك "الجرائم" قد أفضت لموت إنسان.


.here Read this article in English 

أصدر رأس النظام السوري بشار الأسد بتاريخ 30 نيسان/أبريل المرسوم التشريعي رقم 7 لعام 2022 والقاضي بمنح عفو عام عن “الجرائم الإرهابية” المرتكبة من قبل السوريين والواردة في قانون العقوبات العام الصادر بالمرسوم التشريعي 148 لعام 1949 وتعديلاته، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 شريطة ألا تكون تلك “الجرائم” قد أفضت لموت إنسان.

وتم تداول مرسوم العفو على نطاق واسع حول العالم، وبالأخص في البلدان الإقليمية القريبة من سورية، كتركيا ولبنان باعتباره مرسوماً غير مسبوق من حيث شموله وقوته، وهو ما شكّل مساحة واسعة للنقاش، ارتبطت بمواضع عديدة، على رأسها: التسامح والبيئة الآمنة بالإضافة للعودة الطوعية للاجئين والنازحين باعتبار أن النظام السوري “يؤسس لمرحلة ما بعد الصراع”.

المرسوم الخادع وخيبة الأمل

يبدو للوهلة الأولى أن هذا المرسوم يؤسس لمرحلة ما بعد الصراع منذ 2011، خصوصاً أن المرسوم يمنح عفواً عن كامل “الجريمة الإرهابية” الواردة في قانون العقوبات العام وقانون مكافحة الإرهاب ودون استثناء لمواد قانونية بعينها من هذه القوانين كما كان يحدث في مراسيم العفو السابقة والتي بلغ عددها 23 مرسوماً تشريعياً منذ بداية عام 2011، كما أنه يشمل كافة السوريين داخل وخارج البلاد، في حين أنه لم يشمل الأجانب ممن شاركوا في القتال ضد قوات النظام وذلك ليظهر النظام بأنه يُحارب الإرهاب.

وفور صدور المرسوم اعتبره مسؤولو النظام بمثابة فتح صفحة جديدة مع من “أضاع الطريق” من السوريين في إشارة لمن شارك في معارضة النظام منذ عام 2011، بالإضافة لذلك تلقى المرسوم ترويجاً من مؤسسات النظام الرسمية، إذ أعلن وزير العدل في حكومة النظام في بياناً له عن إلغاء كافة البلاغات والإجراءات (إذاعة بحث – توقيف – مراجعة) المستندة إلى الجرائم المنصوص عليها في مرسوم العفو – وهو فعل لا يحق للوزير أساساً نظراً لسمو المرسوم فوق البيان من الناحية القانونية. كما بدأت وزارة الخارجية والمغتربين بتوجيه سفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية لاستقبال المراجعين بشكل شخصي لكي يتسنى لهم التأكد من شمولهم بمرسوم العفو.

ومع بدء إطلاق سراح عدد من المعتقلين من سجون النظام والتي هي أقرب ما تكون لمسالخ بشرية، تجمهر عدد كبير من ذوي المعتقلين في إحدى ساحات دمشق في مكان يدعى “جسر الرئيس” الواقع بين منطقتي البرامكة وأبو رمانة، بانتظار أقربائهم من المعتقلين، إلا أن انتظارهم قُوبِلَ بخيبة أمل كبيرة، إذ لم تكن أعداد المعتقلين المفرج عنهم تتجاوز المئتين في اليومين التاليين لصدور المرسوم.

لاحقاً وبعد انتشار العديد من الصور ومقاطع الفيديو للأهالي المنتظرين وتحقيقها ما يصبو إليه النظام من بروباغندا إعلامية للترويج للمرسوم، قامت القوات الأمنية بتهديد الأهالي من أجل فضّ هذا التجمهر، وخيروهم بين فضّه أو اللحاق بمن ينتظرونهم (بمعنى زجّهم في سجون النظام).

من جهة أخرى، وبالعودة للنص القانوني نجد أنه استثنى عن عمد الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية، والذي يُسمح بمقتضاه مثول المدنيين أمام المحاكم العسكرية والاستثنائية التي استخدمها النظام على مدار عقود كأداة ذات مظهر قانوني من أجل تكريس القمع ومحاكمة المعارضين أمامها. 

بالإضافة إلى ذلك، لم يشمل مرسوم العفو أيا من المعارضين السياسيين المعتقلين وهم كثر ممن ما زال مصيرهم مجهولاً حتى الآن، كالطبيبة وبطلة الشطرنج رانية عباسي وزوجها وأولادها الستّة، وكذلك المعارض عبدالعزيز الخيّر وغيرهم الكثير ممن هم في عداد المختفين قسراً، علماً بأن بشار الأسد رفض الاعتراف بوجود معتقلين سياسيين بالأساس.

سياسة التعتيم وشبكات الابتزاز

إن هذا النهج المتبع من قبل النظام السوري في عدم الإفصاح رسمياً عن قوائم المعتقلين لديه فضلاً عن أولئك الذين سيشملهم العفو، هو سياسة قديمة تعود لثمانينيات القرن الماضي كان النظام قد مارسها بحق السوريين في كافة المحافظات التي شهدت أحداثاً في تلك الفترة، وبالأخص في حماه وإدلب وحلب ودمشق، وهذا التعتيم له ما قبله وما يليه.

إذ أن هذه السياسة القديمة الحديثة تشمل أيضاً عدم الإفصاح عن عدد وقوائم المعتقلين أو الكشف عن مصيرهم. حتى من تم قتله تحت التعذيب وإبلاغ ذويه بذلك لم يسلمهم النظام سوى وثيقة من دائرة الأحوال الشخصية تفيد بـ “الوفاة” بجلطة قلبية أو مرض مزمن ودونما الإبلاغ عن مكان الدفن، أي أن النظام أيضاً منع أهالي المعتقلين حتى من القيام بدفن ذويهم بطريقة لائقة أو حسب الشعائر الدينية التي يتبعونها.

يضاف أيضاً لسياسة التعتيم الممنهجة انتشار شبكات احتيال وابتزاز مالي واسعة النطاق يقودها ضباط أمنيين على مستوى عالي، حيث تقوم هذه الشبكات بتلقي أموال مالية كبيرة من ذوي بعض المعتقلين من أجل الكشف عن مصير أبنائهم أو إيهامهم بأنهم قادرون على إخراجهم من المعتقلات بناءً على مرسوم العفو هذا أو مراسيم لاحقة، ولا يتوقف الابتزاز عند هذا الحدّ، إذ قام النظام بمصادرة أصول من المعتقلين تُقدر قيمتها بحوالي 1.5 مليار دولار منذ عام 2011.

الأرقام دليل الوهم

للحكم على مفاعيل مرسوم العفو هذا، لا بدّ من النظر إلى نتائجه أولاً. بعد مرور شهرين ونصف على صدوره، لم يخرج من معتقلات النظام سوى 539 معتقل ومعتقلة، قسم كبير منهم تم اعتقاله بعد 2018 من مناطق سبق أن قامت بإجراء مصالحات (تسوية أمنية) مع قوات النظام بالأخص في مناطق ريف دمشق ودرعا.

تشير المعلومات المتوفرة إلى أن 158 شخصاً من المفرج عنهم كانوا قد أجروا تسويات لأوضاعهم الأمنية قبيل اعتقالهم ومُنحوا تعهداً بموجب التسوية بعدم التعرض لهم من قبل الأفرع الأمنية، و28 شخصاً اعتقلوا بعد عودتهم إلى سورية من اللاجئين والمقيمين خارجها بينهم سيدتين، وما لا يقل عن 12 شخصاً من اللاجئين الفلسطينيين بينهم ثلاث سيدات.

من ضمن المعتقلين المفرج عنهم خرج 136 معتقلاً من سجن صيدنايا بعضهم كان مختفياً قسرياً، بالإضافة لـ 15 معتقل فقط يعود تاريخ اعتقالهم إلى عامي 2011 و2012، و51 معتقلا يعود تاريخ اعتقالهم لعام 2018. وبشكل عام يصعب الحصول على المعلومات في ظل خوف المفرج عنهم وذويهم من سطوة النظام الأمنية في حال التحدث للمنظمات المعنية بالمعتقلين.

في حين أن العدد الكبير من المعتقلين البالغ حوالي 132 ألف معتقل ما يزال مصيرهم مجهولاً، وهو ما يدفع ذويهم للبحث في صور قيصر المسربة أو ملاحقة المقاطع المصورة والمسربة للمجازر التي ارتكبتها قوات النظام على مدار السنوات الإحدى عشر الماضية كمجزرة التضامن أو بانياس أو مزرعة القبير أو الحولة وغيرهم الكثير.

منذ صدور المرسوم بنهاية شهر نيسان، قامت القوات الأمنية التابعة للنظام باعتقال 57 شخصا في شهر أيار\مايو من ضمنهم سيدة واحدة، كما اعتقلت في حزيران\يونيو 67 شخصا من بينهم ثلاث سيدات، ولاحقاً تم الإفراج عن 7 منهم ليُضاف 117 شخصا في عداد المختفين قسراً في سجون النظام.

خارج نطاق القانون

إن الوضع في سورية ما زال قاتماً، ولا يمكن النظر لهذا العفو على أنه استراتيجية تدريجية التي أعلن عنها المبعوث الدولي “غَير بيدرسون” في بداية عام 2022، إذ أن الأساس الذي تجري عليه الأمور في سورية وبالأخص عمليات التوقيف والاعتقال هي إجراءات غير قائمة على أسس قانونية أو إنسانية، كما أنها تنتهك الدستور والقوانين النافذة، وتمنع المتهمين من توكيل محامين أو حتى الدفاع عن أنفسهم.

إلى جانب ذلك يُنتزع الاعتراف بأغلب الاتهامات تحت التعذيب، وهو ما أدى لمقتل عشرات الآلاف من المعتقلين أثناء التحقيق أو بعده، بالإضافة لمقتلهم لاحقاً نتيجة انعدام الرعاية الصحية للمعتقلين أو نتيجة الظروف غير الإنسانية التي يُحتجزون ضمنها. 

يضاف إلى ما سبق قدرة القضاء على تغيير “التوصيف الجرمي” للمتهمين، بحيث يتم نقله بالاستناد على مواد قانونية أخرى غير مشمولة بهذا العفو، كنقل توصيف الجرم من قانون العقوبات العام وقانون مكافحة الإرهاب إلى قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية الغير مشمول بهذا العفو كما أوضحنا سابقاً.

ولا تزال عمليات الاعتقال أو المراجعة الأمنية قائمة لكل من يعود لمناطق سيطرة النظام ممن روج لهم النظام بأن مرسوم العفو قد شملهم. وفي معظم الأحيان يتم تقديم مبالغة مالية – رشوة – لمحققي الأفرع الأمنية من أجل تخفيف إجراءات التحقيق مع العائدين وتركهم في حال سبيلهم.

احتكار العفو

لا بدّ من التذكير أيضاً بأن بشار الأسد يحتكر سلطة إصدار مراسيم العفو عبر مراسيم تشريعية، إذ لم يقم مجلس الشعب السوري الذي يفترض بأنه ممثل السلطة التشريعية في البلاد بإصدار أي قانون عفو مع أن منح العفو هو حق دستوري لهذه السلطة.تنص المادة رقم /75/ من دستور 2012 على أن يتولى مجلس الشعب سلطة إقرار العفو العام، في حين أن المادة رقم 108 من الدستور تنص أن “يمنح رئيس الجمهورية العفو الخاص، وله الحق برد الاعتبار”.

إن هذا المرسوم لا يمكن له بأي شكل من الأشكال أن يؤسس لمرحلة ما بعد الصراع أو المساهمة في خلق بيئة آمنة تساعد في عودة اللاجئين والنازحين، وذلك طالما بقي مصير المعتقلين والمختفين قسراً بحكم المجهول، كما أنه لن يمحو الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري. أخيراً، كيف للجلاد أن يعفو عن الضحية؟ وكيف لبائع الوهم أن يقول الحقيقة؟

: اقرأ التالي

الحلول الأمنية لمنع الهجرة غير المنظمة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تتجاهل الدوافع الرئيسية لتحرك…

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من…

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…