بالرغم من تعدد المنابر، والمسميات، والأساليب، يظل التعثر هو العنوان الأبرز لمبادرات إنهاء الحرب التي اندلعت في السودان في شهر أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. لم تزد هذه المحاولات المتخبطة لتحقيق السلام الأمور إلا تعقيدًا، ما أدى إلى تعميق الانقسامات بين المجموعات المدنية، وخلق “سوق” للتفاوض تختار فيه الأطراف المتحاربة الآلية المناسبة لمصالحها دون اعتبار لجهود السلام.
أبرز تلك المبادرات كانت التي جرت في منبر جدة، بوساطة أمريكية سعودية، وتم تعليقها في ديسمبر 2023. أما آخرها فاختُتِمت الشهر الجاري في جنيف بعد 10 أيام من المشاورات المكثفة بين الوسطاء ووفد من قوات الدعم السريع من جهة ومع مجموعات مدنية محدودة من جهة أخرى، بالإضافة إلى مشاورات هاتفية مع قيادة الجيش السوداني الذي رفض الانضمام إلى المباحثات، بعد أن ربط مشاركته بالالتزام باتفاقية جدة التي وُقعت العام المنصرم، ما صعّب من إمكانية الوصول لاتفاق وقف إطلاق نار مستمر، وهو الهدف الرئيسي الذي فشلت كل مبادرات السلام في تحقيقه حتى الآن.
ويتزامن مع تعثر المبادرة تلو الأخرى، تدهور الأوضاع الإنسانية وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان، حيث نزح نحو 11 مليون شخص داخليًا منذ بداية الصراع، كما يواجه أكثر من 25 مليون شخص–حوالي نصف سكان البلاد–أزمة جوع حادة، وسط توقعات أن تصبح المجاعة في السودان الأكثر فتكًا في العالم منذ نحو أربعين عامًا. وبالرغم من ذلك، يتعامل المجتمع الدولي مع المأساة كما لو كانت أزمة ظرفية، وليست كارثة من صنع الإنسان كان من الممكن تفاديها، حيث إن طرفا الصراع استعملا التجويع كسلاح، وهو ما يعتبر من جرائم الحرب. ووصف عدد من المراقبين السودانيين معاناة المدنيين بأنها “أسطورية” بسبب “الفشل الأخلاقي والمادي للعالم في توفير الإغاثة” لمن هم داخل السودان ولمن فروا عبر الحدود.
ويحسب لمنبر جدة أنه نجح في جلب الأطراف المتحاربة إلى مائدة المفاوضات، وهو ما لم يتحقق في جنيف، وحملهم على توقيع سبع اتفاقيات لوقف إطلاق النار على المدى القصير، وأيضًا التوقيع على إعلان الالتزام بحماية المدنيين في السودان، بالرغم من أن الجانبين لم يحترما أيًا من تلك الاتفاقيات، ليستمر القتال خلال كل فترات “وقف إطلاق النار”.
بعد تعليق منبر جدة، اجتمعت الأطراف مجددا في المنامة في يناير 2024، ومعهم ممثلون عن مصر والإمارات، حيث تساند الأولى الجيش السوداني، بينما تساند الثانية قوات الدعم السريع. وفي إحدى هذه المفاوضات، وردت أنباء تفيد بأن الجانبين اتفقا مبدئيًا على إعلان مبادئ يتضمن الحفاظ على وحدة السودان وجيشه، ولكن القوات المسلحة السودانية انسحبت لاحقًا من المحادثات تحت ضغط من أنصارها من الإسلاميين.
نفس المقدمات، نفس النتائج
وبشكل عام، فقد اتسمت محاولات إنهاء الحرب، سواء كانت عن طريق الحكومات الغربية القوية، أو المنظمات الدولية والإقليمية متعددة الأطراف، بأنها لم تستعمل قدراتها بكفاءة لإيقاف دخول السلاح إلى السودان لتحقيق وقف دائم لإطلاق النار. ولذلك، ليس مستغربًا أن تفشل مفاوضات جنيف حيث إن استراتيجيات الوساطة لم تتغير وبالتالي فالنتيجة لم تتغير. ونسرد فيما يلي أهم النقاط التي تحتاج إعادة نظر إذا أردنا رؤية نتائج مختلفة في جولات التفاوض المستقبلية.
أولاً، على الوسطاء أن يتبنوا فهمًا أعمق لديناميكيات الحرب في السودان، بما يتجاوز صراع القوة الواضح بين قوتين عسكريتين، أو بين قادتها، أو حتى بين قوى إقليمية بالوكالة. هذه المعركة بالأساس هي حرب مضادة للثورة، متعددة الأطراف، ومدعومة من جهات فاعلة بالداخل والخارج. ومن ثم، على كل الفاعلين الدوليين تبني هذا الفهم كنقطة بداية في مجهودات الوساطة، حيث يترتب عليه أن القوات المسلحة والدعم السريع ليسا الطرفين الوحيدين في الصراع، ومن ثم لا ينبغي تصميم عملية السلام على افتراض أن التحدث معهما فقط من شأنه أن ينهي القتال.
يجب أيضًا التعامل بجدية مع المصالح المتداخلة للداعمين الإقليميين للأطراف المتحاربة؛ ولذلك فمشاركة ممثلين عن الإمارات ومصر في محادثات جنيف كان خطوة إيجابية، ولكنها غير كافية. يجب على الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى أن تضع المزيد من الضغط على الداعمين الإقليميين من خلال العلاقات الثنائية على أعلى المستويات. أما بالنسبة للفاعلين الداخليين، فيجب الأخذ في الاعتبار قدرة الإسلاميين على التأثير في قرار القوات المسلحة، حتى لا يتكرر ما حدث في المنامة.
ثانيًا، لا يأخذ الشكل التقليدي لعمليات السلام القوى المدنية السودانية في الحسبان، وهو ما يؤدي إلى “عسكرة” تلك الاتفاقيات، متجاهلًا أن اندلاع الحرب كان قرارًا سياسيًا في المقام الأول. وبالتالي، لا يجب ترك اتفاقيات وقف إطلاق النار، والتفاهمات الأمنية، وتسهيل دخول المساعدات، في يد الفاعلين العسكريين وحدهم بدون وجود أصوات مدنية، خصوصًا بعد فشلهم في الوصول لاتفاق في أربع جولات من المفاوضات حتى الآن، آخرها في جنيف.
وحتى يكون وُجود القوى المدنية بناءً، لا ينبغي التركيز فقط على إشراك المجموعات السياسية النخبوية، مثل تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، حيث إن مثل تلك القوى تلعب دورًا في ديناميكيات الصراع بشكل أو بآخر. بل يجب إشراك المجموعات المدنية الشعبية التي تحظى بمصداقية أكبر على خلفية مساندتها المستمرة للمواطنين المتضررين من الحرب. من المهم أيضًا تضمين قيادات ومجموعات نسائية في المحادثات، نظرًا للضرر الضخم الذي طال الفتيات والنساء جراء الحرب، ولإعطائهم الفرصة للتأثير في المفاوضات، ولو بشكل غير مباشر. والشيء نفسه بالنسبة للمجموعات الفاعلة على الأرض، مثل غرف الطوارئ، التي تقود المجهود الإنساني، وكذلك العديد من المجموعات الشبابية التي تراقب وتوثق فظائع الحرب. يمكن لمثل تلك الأطراف ممارسة الضغط على الأطراف المتحاربة إذا شاركت في المفاوضات كرقابة المدنية.
وبما أن كلاً من القوات المسلحة والدعم السريع لديه مصلحة في إبعاد المدنيين عن عملية السلام، فعلينا توقع أنهم سيضعون العراقيل أمام إشراكهم، على الأقل مبدئيًا. لكن المبدأ ينبغي أن يكون واضحًا، وهو أن المفاوضات يجب ألا تحابي الأطراف المتحاربة، حيث إن إشراك المدنيين في المفاوضات، حتى بدون حق التفاوض مباشرة، يعطيهم القدرة على التأثير في أجندة النقاشات، ويرسل رسالة واضحة مفادها أنه لا يمكن تحديد مستقبل البلاد دون مشاركة المدنيين.
الطريق لوقف إطلاق النار
ركزت جولات المفاوضات السابقة، وآخرها في جنيف، على الوصول إلى اتفاقيات لوقف إطلاق النار، وهو هدف بالغ الأهمية، حيث إن بدونه لا يمكن إنشاء ممرات إنسانية آمنة؛ وبالتالي لا يمكن تخفيف حجم المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب. لكن تاريخ اتفاقيات وقف إطلاق النار في السودان يبين أنها غير كافية لحماية المدنيين، حيث لم تساهم اتفاقات وقف القتال التي تم التوصل له عدة مرات في جدة إلا في أن تثبت الأطراف المتحاربة مواقعها، وأن تتقدم عسكريًا، في حين كان العالم ينظر بعيدًا.
يجب أن يصاحب مفاوضات وقف القتال ضمانات لحماية المدنيين، مثل إرسال بعثة لحفظ السلام في البلاد، حيث إن هذه المهمة تأتي على قمة الأولويات، مثلما قالت الباحثة خلود خير في كلمتها أمام مجلس الأمن بالأمم المتحدة.
لم تكن الآمال المعقودة على مفاوضات جنيف كبيرة، خصوصًا بعد رفض الجيش السوداني المشاركة فيها، الذي كان على الأرجح رفضًا صوريًا لتقوية موقفه التفاوضي بعد عدد من الهزائم العسكرية على الأرض. أما بالنسبة لقوات الدعم السريع، فقد نبعت موافقتها المتحمسة على المشاركة في محادثات جنيف من رغبتها في إظهار نفسها كلاعب شرعي أمام المجتمع الدولي. لكن الوعود التي تقطعها لا يمكن الاعتداد بها على أية حال، لأنها لا تملك رغبة حقيقة في الالتزام بها كما تدل مواقفها السابقة، كما أن قياداتها بالكاد تسيطر على القوات على الأرض.
في حقيقة الأمر، ما كان لحضور الجيش أن يغير كثيرًا من نتيجة المفاوضات، وذلك لغياب أي شكل من أشكال الضغوط الحقيقية على القوات المتقاتلة. الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يخوضان معركة وجودية، لذا إجبارهم على وقف الاقتتال يتطلب وقف الدعم الذي يصلهم من الخارج ووضع عواقب واضحة لمواصلة الحرب وعدم الانخراط في المفاوضات. إن فشل محادثات جنيف في تحقيق النتائج المرجوة يضعف جهود الوساطة في المستقبل، ويفاقم الانقسامات بين الفاعلين من المجتمع الدولي، كما أنه يعقد الموقف على الأرض، ويزيد الفوضى التي ستؤدي حتمًا إلى المزيد من العواقب الإنسانية الوخيمة على الشعب السوداني.
حامد خلف الله باحث ومحلل سياسات في مجال التنمية، وزميل سابق غير مقيم بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يتركز عمله على مجالات الحوكمة الشاملة والتعبئة في السودان.