Read the article in English.
”أعتقد أننا في معسكر عقاب، إنه مكان مرعب وفظيع. إنه سجن كبير. الشيء الوحيد الذي نطلبه هو العودة إلى المنزل وأن نُترك وشأننا“، هكذا وصف أحد قاطني مخيم ”الهول“ الحياة في المخيم الواقع في مدينة الحسكة السورية، بالقرب من الحدود مع العراق.
نظريًا، يفترض أن يكون ”الهول“ معسكرًا للاجئين. عمليًا، هو معسكر اعتقال يواجه قاطنوه ظروفًا شديدة القسوة. يعيش في المخيم ما يقارب أربعين ألف شخص، منهم نازحون سوريون، ولاجئون عراقيون–هم الفئة الأكثر–ومواطنون من أكثر من ستين دولة. ويشكل من هم دون الثامنة عشر سنة حوالي 62 في المائة من سكان المخيم، كما تبلغ نسبة من هم دون الثانية عشرة حوالي 44 بالمائة. يريد كثيرون الهرب من الحياة الصعبة والأوضاع الأمنية في مخيم الهول والعودة إلى منازلهم.
دعا مستشار الأمن القومي العراقي مؤخرًا جميع الدول إلى استعادة مواطنيهم من المخيم بهدف إغلاقه قريبًا، حيث إن الحكومة العراقية والأمم المتحدة اتفقتا في مايو المنصرم على إعادة جميع العراقيين من مخيم الهول بحلول عام 2027. وعمومًا، يلزم تنفيذ أي حل مستدام لمعالجة أزمة النزوح في سورية وضع إجراءات تضمن عملية عودة آمنة وطوعية لجميع الأفراد، وإعادة دمجهم في المجتمع. وتعد تجربة العراق في هذا الشأن مثالًا يمكن للمجتمع الدولي أن يحتذيه في هذا الشأن.
وبالرغم من التقدم الذي أحرزه العراق حتى الآن، إلا أن إغلاق المخيم مهمة لا يمكن للحكومة في بغداد القيام بها وحدها؛ حيث إن إعادة جميع سكان المخيم إلى أوطانهم عملية دقيقة ومعقدة، لا سيما عند مقارنته بالمخيمات الأخرى في المنطقة، وذلك بسبب تاريخه ووضعه الأمني. كثيرًا ما يشتبه في انتماء بعض سكان المخيم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أو تأييدهم له، مما يجعلهم يعانون وصمة ”الداعشية“. كما تحول عوائق أخرى أمام عودتهم إلى أوطانهم، نناقشها في هذا المقال، ولن يكون تخطيها ممكناً دون تظافر جهود واستثمار دوليين يشمل الجهات الإنسانية، والمانحين والحكومات المعنية.
تاريخ المخيم
يقع مخيم الهول في الحسكة ويبعد 13 كلم عن الحدود السورية-العراقية. شهد المخيم منذ إنشائه في عام 1991 تحولات ديموغرافية كبيرة، حيث افتتحته حينها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لاستضافة اللاجئين العراقيين الفارين من حرب الخليج. في عام 2003، كان المخيم خاليًا سوى من ثلاث عائلات، ولكنه عاد ليستقبل المزيد من السكان بعد الغزو الأمريكي للعراق، إلى أن أُغلق في عام 2013. وقد أدى ظهور داعش وعمليات محاربته إلى نزوح الكثير من السوريين والعراقيين إلى فتح المخيم في عام 2016 لإيوائهم.
شهد المخيم تحولًا كبيرًا في تركيبته السكانية بعد عامين؛ ففي أواخر عام 2018 وبداية عام 2019 ارتفع عدد قاطنيه إلى 73,520 نسمة خلال مدة لا تتجاوز الستة أشهر إثر المعارك التي شُنّت لمحاربة داعش في بلدتي هجين والباغوز، الواقعتين في محافظة دير الزور السورية. وحين سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على المنطقة، بدأت مرحلة فصل الشباب عن عائلاتهم. فقد اعتُبِرَ معظم الشباب ممن عُثِر أو قُبض عليهم حينها من مقاتلي أو مؤيدي داعش، وأرسِلوا إلى مراكز الاعتقال التي تديرها قسد، ونُقِل باقي أفراد أسرهم من النساء والأطفال إلى مخيم الهول.
يضم المخيم مجموعة متعددة الخلفيات نتيجةً لتاريخه المركّب. يقطنه اليوم بعض الأهالي الذين سكنوه قبيل المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وأناسٌ فروا من ويلات التنظيم، وأشخاصٌ يحسبون عليه. كانت أعداد القادمين للمخيم كبيرة جدًا في بداية الاستجابة لأزمة النزوح الكبيرة، ولم تكن هنالك إجراءات أو حتى قدرة عند الجهات الفاعلة تمكنهم من البت في انتماء الأشخاص إلى تنظيم الدولة الإسلامية، مما أدى في نهاية الأمر إلى تطبيق إجراءات أمنية شديدة، ووصم الجميع بانتمائهم لداعش. وتشرف على المخيم، اليومَ، الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال شرق سورية (DAANES) وهي سلطة الأمر الواقع التي تسيطر على معظم مناطق شمال شرق سورية.
وضع حقوق الإنسان في مخيم الهول
يصف مُقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، الظروف في مخيم الهول، قائلاً: ”الوضع في المخيم قاسٍ ومزرٍ“ بالرغم من الاستجابة الإنسانية. وتشير عدة منظمات إنسانية إلى الآثار التي يخلفها العيش في بيئة كهذه على حقوق الأطفال، بما في ذلك حقهم في الحياة والصحة والتعليم.
يعاني سكان المخيم من صعوبة الوصول إلى الخدمات وتقييد حرية تنقلهم، وتتجلى هذه المعاناة أكثر في الملحق المعروف بـ”الآنيكس“، حيث يعيش معظم المواطنين من جنسياتٍ غير السورية والعراقية. وقد مارست قسد فصلًا تعسفيًا بحق الفتية الذين يبدون في سن المراهقة، 12 عاماً أو أكبر، فتعزلهم وترسلهم إلى مراكز الاحتجاز. ويُعتَقَد أن هذا الإجراء المجحف يأتي خشية من تطرف هؤلاء الصبية والحد من إمكانية حدوث تزاوج بينهم وبين الفتيات أو النساء في المخيم وما قد ينتج عنه من إنجاب أطفال آخرين. وبالرغم من مشروعية بعض المخاوف الأمنية، إلا أن القانون الدولي لحقوق الإنسان نصّ على عدم جواز تعليق الحقوق الإنسانية إلا في نطاق ”أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع“.
العودة إلى الوطن
في ظل الظروف الإنسانية التعيسة داخل المخيم، دعت العديد من الجهات الدولية إلى تسهيل العودة الطوعية والآمنة والكريمة لسكان المخيم، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة مثل اليونيسف والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومنظمات إنسانية، ومنظمات حقوق الإنسان، بالإضافة لحكومات هؤلاء الرعايا.
لكل مجموعة سكانية في مخيم الهول إجراءاتها الخاصة للعودة إلى الوطن؛ فعلى سبيل المثال تشرف الحكومة العراقية على إعادة اللاجئين العراقيين بالتنسيق مع سلطات الإدارة الذاتية، وتنقلهم إلى مخيم جدعة 1 في العراق، الذي يمكن اعتباره مرحلة انتقالية، ومنها تبدأ رحلتهم للاستقرار أخيرًا في العراق. أما بالنسبة للسوريين، فتعمل كل من سلطات الإدارة الذاتية وشيوخ العشائر وقادات المنطقة على تسهيل عودة النازحين إلى مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية. أما فيما يخص المجموعة الثالثة، تتولى كل حكومة من حكومات الرعايا من غير السوريين والعراقيين مسؤولية التنسيق مع الإدارة الذاتية لإعادتهم إلى الوطن.
المعايير القانونية الدولية
تُوفِّر المعايير القانونية الدولية إطارًا يضمن استعادة الرعايا وفق النهج القائم على الحقوق. وهناك العديد من المعايير القانونية الدولية التي يمكن تطبيقها في هذا السياق، أهمّها هنا المعيار القائم على الحق في العودة إلى الوطن، والمعيار المعنيّ بعدم التفريق بين أفراد الأسرة.
يقرّ القانون الدولي لحقوق الإنسان بحق العودة، والذي يُعدّ قانونًا عرفيًا بموجب مبادئ القانون الإنساني الدولي وقانون اللاجئين. ولضمان عودة اللاجئين طوعيًا يجب تقييم الظروف في كلٍّ من موطن الفرد وبلد الإقامة/اللجوء، مما يتيح للأشخاص اتخاذ قرارٍ مستنيرٍ وحر. أما في حال لعبت الدولة المضيفة دورًا في إكراه الأفراد على العودة، أو بدأت بتحديد توفّر الخدمات الأساسية، أو نقل العائدين إلى مناطق غير آمنة، بالإضافة إلى عوامل أخرى، فلا تعد حينها العودة إلى الوطن طوعية. وإلى اليوم، لم تَرِد أي تقارير عن حالات غادر فيها أفراد المخيم قسرًا.
وعلاوة على ذلك، يحمي القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي الحق في لم شمل الأسر والحفاظ على وحدتها، وتنص اتفاقية حقوق الطفل على وجوب ”إيلاء الأولوية لما يصب في مصلحة الطفل الفضلى“ في جميع الإجراءات المتعلقة بالأطفال وصون الأسرة.
تحديات العودة من مخيم الهول
على الرغم من اختلاف العوائق التي تواجه العائدين من مخيم الهول، سواءً كانوا نازحين سوريين، أو لاجئين عراقيين، أو غيرهم من الرعايا، نجد أن الوصمة المجتمعية الداعشية هي التهمة المشتركة التي ألصقت بهم جميعًا، وتحيط بهم المخاوف الأمنية وقلق العودة إلى المناطق المتضررة من النزاع، ولا تخلو أي مجموعة منهم من الأطفال غير المسجلين وحالات انفصال أفراد الأسرة.
تلاحق صفة ”داعشي“ سكان مخيم الهول، وتصعّب عليهم رحلة العودة الوطن. تقول عبير*، التي عادت إلى بلدتها في عام 2021، أن أهالي المنطقة عادة ما يشيرون إليها قائلين: ”أنتن نساء داعش. أنتِ زوجة رجل داعشيّ“. كان من الصعب على عبير الانخراط مجددًا مع الناس في منطقتها، فتلك الوصمة تعزل العائدين عن أهلهم وجيرانهم، وتؤثر على قدرتهم على الوصول للخدمات، بما فيها تأمين مسكنٍ قد يمكنهم، أخيرًا، من الاستقرار فيه. فإضافة للمخاوف الأمنية، لا سيما الخوف من الاعتقال أو الاحتجاز، يُثْقِل قلق تبعات الوصمة المجتمعية كاهل العائدين.
تضررت ودمرت منازل الكثير من السوريين والعراقيين جراء النزاع في مناطقهم، مما يزيدهم قلقًا إزاء العودة إلى الوطن. فليس بإمكانهم العودة وقد فقدوا منازلهم، ولم تعد البنية التحتية في بلدانهم صالحة أو متينة بما يكفي لاستيعاب العائدين.
كما لم يسلم الاقتصادان السوري والعراقي، ولا الخدمات الاجتماعية فيهما، من تبعات النزاع. وفي ظل الفقر المدقع وأثر النزوح اللذين يواجهان العراقيين، أصبح من الصعب عليهم الوصول إلى مدّخراتهم ومصادر رزقهم.
تعد مغادرة المخيم رحلة أكثر تعقيداً على الأطفال الذين لا يمتلكون وثائق مدنية، بما فيهم الأطفال مجهولو النسب، ومن ولدوا من زواج غير مسجل، أو من ولدوا في سورية بعد عام 2014، والذين تعد فرص تسجيل ولاداتهم وإصدار وثائق تقر بوجودهم صعبة. وتزيد احتمالية تعرضهم للخطر. يحصل بعض الأطفال على شهادات ميلادٍ، في المناطق التي ولدوا فيها وكانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية سابقًا. إلا أن هذه الوثائق وغيرها من شهادات زواج وهويات صادرة عن التنظيم، غير معترف بها، وقد أتلفها العديد من أصحابها خشية ارتباطهم بداعش، فيبقى هؤلاء الأطفال دون وثائق تثبت هوياتهم، ويحد من وصولهم إلى الموارد والخدمات، من تعليم وصحة، ومساعدات إنسانية.
سبق وأن وقعت حوادث تفرقت فيها الأسرة عن بعضها في أثناء رحلات عودتهم إلى الوطن، مما جعل حماية الأسر ووحدتها الهم الأكبر للعائدين. فقد دعت الكثير من الحكومات، وخاصة حكومات الرعايا من غير السوريين والعراقيين، إلى إعادة الأطفال دون ذويهم، ما يتنافى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان إذ يتعارض التفريق الأسري مع مصلحة الطفل الفضلى.
ففي إحدى رحلات العودة التي نظمتها كندا، كانت قد سألت الحكومة الكندية الأمهات في الهول عما إذا كن موافقات على عودة أطفالهن وحدهم إلى كندا، وفي مارس 2021، أعادت الحكومة الكندية فتاة تبلغ من العمر أربع سنوات دون والدتها. وفي حالات أخرى قد يرفض الرعايا مغادرة المخيم دون معرفة مصير أحبائهم المحتجزين لدى الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية، وما إذا يمكن أن يسمح بعودتهم إلى الوطن مستقبلاً.
التوصيات وسبل المضي قدمًا
تعترف الكثير من الدول بضرورة وأهمية إعادة الناس من مخيم الهول إلى أوطانهم. وعقب زيارتها لشمال شرق سورية في تموز 2023، أكدت المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان على الموقف الأساسي المتمثل في أن الدول ”لديها التزام مستدام بإعادة مواطنيها“، بما يتماشى مع قراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2178 لعام 2014 و2396 لعام 2017.
يجب على الجهات الإنسانية، والمانحين، والدول التي لديها رعايا في المخيم، أن تعي حجم وطبيعة التحديات التي تواجه الأفراد والمجتمعات أثناء مغادرة المخيم، وعند العودة إلى الوطن ومعاودة الانخراط بين أهالي مناطقهم الأصلية. كما يجب أن تعمل الجهات الإنسانية على تحسين الخدمات والاستجابة للوضع الإنساني في مخيم الهول ومناطق العودة، وآليات التنسيق المتبعة فيما بينها. ويجب على المانحين زيادة التمويل لدعم جهود الجهات الإنسانية في إعادة دمج العائدين في بيئاتهم وإيجاد حلول أكثر ديمومة لهم.
وختامًا؛ من الضروري أن تحسن الدول ممن لديها رعايا من غير السوريين والعراقيين، الآليات التي توفر للأفراد فرصة العودة الطوعية إلى أوطانهم دونما تأخير.
*اسم مستعار
جسيكا ضوميط، محامية وتعمل حالياً مستشارة أبحاث في قسم المعلومات والاستشارات والمساعدة القانونية (ICLA) في مكتب الاستجابة لسورية التابع للمجلس النرويجي للاجئين (NRC).
خديجة جودة، تعمل حاليا كمسؤولة تقنية في قسم المساعدة القانونية (ICLA) في مكتب الاستجابة لسورية التابع للمجلس النرويجي للاجئين وكانت سابقاً مسؤولة السياسات والمناصرة، حيث عملت على حملات الإعلام والمناصرة للأزمة السورية.
كتب هذا المقال بصفة شخصية، ولا يعكس بالضرورة آراء أو موقف المجلس النرويجي للاجئين.