من هو الضحية؟
للوهلة الأولى، تبدو إجابة هذا السؤال بديهية، لكنها في الواقع أكثر تعقيدًا مما نتصور، خصوصًا حين نغوص في السياقات السياسية المتشابكة.
طرح عالم الاجتماع البارز ريتشارد كويني هذا السؤال عام 1972، وخلص إلى أن ”الضحية“ ليست حالة موضوعية ثابتة، بل بناء اجتماعي يتحقق فقط عندما يتفق المجتمع على الاعتراف بشخص أو مجموعة ما كضحية. منذ ذلك الحين، أصبح هذا السؤال محورًا مركزيًا في عِلم الضحايا، مطلقًا موجة من الأبحاث التي تحاول الإجابة عنه.
إجابة هذا السؤال في سوريا، التي تمرّ اليوم بمرحلة انتقالية حساسة، لا تزال غائمة، رغم أنها إحدى المحددات الرئيسة لنجاح تدابير العدالة الانتقالية. لا يوجد إجماع أو نقاش مجتمعي جاد ومنظم بشأن تعريف الضحية. بل إن التعريف يُختطف أحيانًا ليصبح رهينة لاعتبارات سياسية حول هوية الضحايا أو انتماءاتهم، أو انتماءات من ارتكب بحقهم الانتهاكات.
وتبرز الحاجة إلى تعريف الضحية مع النقاشات الجارية حول مسودة قانون العدالة الانتقالية في سوريا الذي يهدف إلى وضع إطار قانوني شامل لعمل ”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية“، وهي الجهة المنوط بها جبر الضرر وتحقيق العدالة لضحايا صراع السنوات الماضية. فبدون تصنيف دقيق للضحايا في نص القانون، يظل التشريع عاجزًا عن التمييز القانوني بين الاحتياجات المتباينة لملايين المتضررين.
نتناول في هذا المقال مسألة تعريف الضحية من منظور تقني، ونطرح أمثلة من الفظائع الجماعية التي ارتكبها نظام الأسد، بهدف فتح نقاش حول الدور المحوري الذي تلعبه هذه المسألة في تعزيز شمولية آليات العدالة الانتقالية من دعم للسلم الأهلي ومحاسبة الجناة من كل الأطراف، وتعويض الضحايا بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الاجتماعي، بالإضافة إلى إصلاح مؤسسات الدولة لضمان عدم تكرار انتهاكات الماضي.
تعريفات عامة وتعريفات محددة
يذهب التعريف المتداول للضحايا في سياق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بأنهم الأفراد الذين لحقهم أذى جسدي أو نفسي أو اقتصادي، أو حُرموا من حقوق أساسية نتيجة أفعال إجرامية أو إساءة في استعمال السلطة. ويُعدّ الشخص ضحية بغضّ النظر عن معرفة الجاني أو توقيفه أو محاكمته، ويمتدّ المفهوم ليشمل أفراد الأسرة المباشرين ومن تضرروا أثناء مساعدة الضحية أو محاولة منع الإيذاء. كما وردت تعريفات أخرى للضحايا في سياق الحق في الانتصاف وجبر الضرر، أو اتفاقيات دولية خاصة بجرائم محددة، مثل الاختفاء القسري.
وفي السياق السوري، يبرز تعريف الضحايا كأداة تقنية متخصصة يمكن لـ”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية“ الاعتماد عليها من أجل تحقيق العدالة للضحايا وتعويضهم بالشكل الأمثل. ويشمل ذلك تعريف الضحايا وتصنيفهم في فئات محددة، والانتقال من تعريف الضحية العام إلى خارطة طريق تفصيلية تربط فئة الضحية بنوع الجريمة والضرر، ونوع الاستجابة المطلوبة. وبذلك يصبح تصنيف الضحايا العدسة التي تستطيع هيئة العدالة الانتقالية والجهات التنفيذية في سوريا من خلالها أن ترى بوضوح، وأن تعالج جذور الضرر ونتائجه المتنوعة، بدلاً من تقديم حلول عامة وموحدة قد لا تلبي احتياجات الضحايا المعقدة والمتنوعة.
ولتحقيق ذلك، ينبغي لآليات العدالة الانتقالية أن تتبع نهجًا يكون فيه للضحايا دور مركزي، لتصبح حقوقهم واحتياجاتهم في صلب عملية التصميم والتنفيذ. وهكذا يمكن تحديد فئات الضحايا بما يضمن شمولية العدالة وإنصافها وفعاليتها، ويوجه جبر الضرر بالشكل المناسب، ويمنع إهمال الفئات الأقل ظهورًا أو الأكثر ضعفًا، كضحايا العنف الجنسي والأطفال المجندين على سبيل المثال. كما يتيح تحديد نوع الجبر التمييز بين الجبر الفردي (مثلًا، التعويض المالي عن فقدان المنزل أو الانقطاع عن العمل) والجبر الجماعي/الهيكلي (مثلًا، إصلاح مؤسسات الدولة) الذي يهدف لمنع تكرار حدوث الانتهاكات.
كما لا يمكن معالجة جميع الأضرار بنوع واحد من الجبر، فمثلًا، عائلات ضحايا الإخفاء القسري والمفقودين بحاجة في الدرجة الأولى إلى الحق في معرفة مصير أحبائهم، والوصول إلى رفاتهم. الجبر هنا كشف الحقيقة، والدعم النفسي-الاجتماعي، وتسهيل الإجراءات القانونية لإثبات الوفاة وما يرتبط بها من إجراءات الميراث أو الوصاية أو الطلاق والزواج وغيرها، والتعرف على الرفات وإعادتها للعائلة لتحظى بدفن لائق، وقبر يُزار.
ويسهم تصنيف الضحايا على المستوى الرسمي في تعزيز الجهود التي تبذلها روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في الضغط والمناصرة وتوثيق الشهادات ، كما يدعم السلطات الرسمية والهيئات المعنية المشكلة حديثًا في مواجهة التحديات اللوجستية الهائلة الناتجة عن العدد الكبير للضحايا والحاجة إلى الموارد الكبيرة.
تصنيف الضحايا وإنشاء الفئات
تشمل معايير تصنيف الضحايا نوع الجريمة، ومدى الضرر، والاستجابة المتوقعة أو المطلوبة، وأيضًا تحديد الضحايا حسب المهنة أو الجنس أو المواصفات المشتركة وغيرها. وبما أن أثر الجريمة وامتداده بداية من مستوى الفرد وصولًا إلى المجتمع ككل يختلف حسب نوعها، لا بد أن يختلف نوع العدالة والاستجابة المناسبة. وهنا تبرز أهمية تحديد نطاق تأثير الجريمة سواء على المستوى الفردي والعائلي والفئوي والمجتمعي، ما يسمح بالانتقال من التعويض الفردي إلى الإصلاح الجمعي.
كما أن الفهم الشامل لمدى تأثير الجريمة عبر تصنيف ضحاياها من الفرد إلى المجموعات إلى المجتمع ككل، يدعم التوصية الأممية بـ”ضرورة اتخاذ تدابير..لمنع تكرار حدوث نوع الانتهاك موضع البحث. وقد تقتضي هذه التدابير إجراء تغييرات في قوانين الدولة الطرف أو ممارساتها“.
نستعرض في القسم التالي أمثلة للآثار التي خلفّها استهداف فئات مهنية واجتماعية محددة في سوريا على المجتمع ككل. كما نبين كيف يمكن لتصنيف هؤلاء الضحايا أن يضمن شمولية العدالة الانتقالية من خلال الجمع بين التعويض الفردي والإصلاح الهيكلي الشامل. وتشمل الأمثلة أولى الفئات التي تعرضت للاستهداف منذ 2011، وأكثرها هشاشة.
استهداف القطاع الصحي في سوريا
كان القطاع الصحي، بما فيه الأطباء والكوادر الصحية إحدى أولى الفئات المستهدفة بسبب عملها منذ عام 2011. وتقدر منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان أن نظام الأسد وحلفاءه مسؤولون عن 90 بالمئة من وفيات الكوادر الطبية. لكن رغم أن الضحية المباشرة هي الطبيب أو الممرض، إلا أن تأثير الجريمة يمتد إلى عائلاتهم، وأيضًا إلى المجتمع الذي يقدمون له الخدمات الصحية. بحسب منظمة أطباء بلا حدود، وصل نظام الرعاية الصحية عام 2021 في سوريا إلى شفير الانهيار، وبلغت الإمدادات والطواقم الطبية حدّها الأدنى في حين أغلقت المرافق الصحية أبوابها أو توقفت عن العمل. ينتج عن غياب الخدمات الطبية عواقب خطيرة منها تفشي الأمراض والوفاة ومفاقمة الإصابات، بالإضافة إلى التهجير القسري.
استهداف مقدم الخدمات الصحية يحرم المجتمع ككل من الحق في هذه الخدمات، وهنا يتجاوز جبر الضرر الحالة الفردية للطبيب أو الممرض او العائلة، ليشمل تعويض المتضررين من الحرمان من الخدمات الصحية، والإصلاحات المؤسسية التي تضمن حماية المؤسسات الطبية والكوادر الصحية والنقابات وتعزيز دورها وحرياتها.
استهداف الإعلاميين
أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2024 عن مقتل 717 من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام منذ مارس/آذار 2011 بينهم 53 بسبب التعذيب، على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا. حين يُستهدف الإعلاميون بالقتل أو الاعتقال والتعذيب أو الترهيب، لا يكون الضحية الإعلامي فحسب، بل يمتد تأثير الجريمة من الإعلامي الضحية المباشرة إلى عائلته، ثم إلى المجتمع بشكل عام بحرمانه من الحق في المعرفة. هنا يستلزم الجبر تصنيف الإعلاميين كضحايا مباشرين لنوع الجريمة كالقتل أو الاعتقال والتعذيب والإخفاء، بالإضافة إلى الجبر المجتمعي أو الهيكلي بتدوين الحقائق وتعميمها على المجتمع، وإصلاح القوانين لضمان حرية الإعلام وحماية الصحفيين.
استهداف الأطفال والمدارس
عانى الأطفال بشكل خاص في سوريا من الحرمان من التعليم. فقد تعرضت ما لا يقل عن 1714 مدرسة ورياض أطفال للاعتداءات منذ مارس/آذار 2011 وحتى 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، على يد قوات النظام السوري، والقوات الروسية وغيرها من الأطراف المشاركة في الحرب.
نتج الحرمان من التعليم بشكل أساسي عن استهداف نظام الأسد الطلاب ومدارسهم، واستخدام الجماعات المسلحة المعارضة المنشآت التعليمية في أغراض عسكرية، وذلك بالإضافة إلى النزوح وعدم الاستقرار الذي عاناه ملايين السوريين. يحتم حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من التعليم لسنوات عديدة إعداد استجابة مناسبة لتعويض ما فاتهم من التعلم، ما يبرز الحاجة إلى إنشاء فئة خاصة بالضحايا من الأطفال.
آليات التصنيف وتصميم الاستجابة
تستدعي الأمثلة السابقة (من قطاعات الصحة والإعلام والتعليم) من السلطات تطبيق منهجية تصنيف تتجاوز الحصر العددي إلى تصميم الاستجابة. فبدلاً من التعامل مع الضحايا ككتلة واحدة، يمكن للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية استخدام آليات تصنيف تدمج بين نوع الجريمة (كالإخفاء أو القتل) والمواصفات المشتركة للضحايا (كالمهنة أو النوع الاجتماعي) لفهم مدى امتداد التأثير من الفرد إلى المؤسسة والمجتمع.
ومع ضخامة أعداد الضحايا في سوريا، يمكن تصميم نظام أولويات يهدف لا للتمييز، بل لتعظيم كفاءة الجبر. كأن يتم وضع الأولويات بناءً على معيارين: الأول هو جسامة الضرر واستمراريته، حيث تُمنح الأولوية لفئات مثل ضحايا الإخفاء القسري والعنف الجنسي نظرًا للحاجة الملحة إلى الوصول إلى الحقيقة والرعاية الطبية الفورية. الثاني هو ”الأثر الهيكلي“، حيث يتم منح الأولوية لجبر ضرر الفئات التي يشكل إنصافها مدخلًا لإصلاح مؤسسات الدولة (كالأطباء والمعلمين)، لضمان استعادة الخدمات الأساسية للمجتمع ومنع تكرار الانتهاكات. بهذا المعنى، لا يعني وضع الأولويات إهمال فئة لحساب أخرى، بل بناء خارطة طريق زمنية تضمن وصول الحقوق لأصحابها وفق منهجية تمنع انهيار آليات العدالة تحت ضغط الأرقام الهائلة.
التجربة الكولومبية
شهدت كولومبيا إحدى أبرز تجارب تصنيف الضحايا في سياق العدالة الانتقالية. فقد مر البلد اللاتيني منذ عام 1964 بنزاع مسلح داخلي استمر لأكثر من 50 عامًا بين الحكومة والميليشيات (مثل الفارك FARC). وفي عام 2011، وقبل التوصل لاتفاق سلام نهائي في البلاد عام 2016، أصدرت كولومبيا قانون الضحايا وجبر الضرر عن الأراضي. صنف هذا القانون الضحايا بشكل دقيق وشامل، ولم يكتفِ القانون بوضع تعريف نظري، بل أنشأ فئات قانونية واضحة يترتب على كل منها حزمة مختلفة من حقوق جبر الضرر.
تتقاطع الحالة السورية مع الكولومبية في ضخامة أعداد الضحايا وتنوع الانتهاكات، وهي المعضلة التي تعاملت معها كولومبيا عبر اعتماد ”سجل الضحايا الوطني“ كأداة لإدارة الاستجابة. صُنِّف الضحايا في السجل الوطني ضمن قوائم مخصصة، واختلفت طبيعة التعويض المخصص للضحية بناءً على هذا التصنيف. شمل التصنيف فئات الوفاة، والإخفاء القسري، والإعاقة، والاغتصاب، والتعذيب، والإصابات، والنزوح القسري، والعنف الجنسي، والاختطاف، والتجنيد القسري، والاحتجاز التعسفي، والقاصرين، وغير الموثقين. كما شمل فئات المستفيدين أفراد عائلات المتوفين أو المفقودين، بمن فيهم الزوج/الزوجة، والأبناء، والوالدين. ومع نهاية عام 2025، عالجت وحدات خدمة الضحايا 16 مليون طلب لنحو 9 ملايين شخص، بعد 13 عامًا من بدء عملها عام 2012. لم يكن ممكناً الاستجابة لهذا العدد الهائل من الضحايا والطلبات لولا التنظيم الدقيق والمقنن لعمل الجهات المنفذة لتدابير العدالة الانتقالية في كولومبيا، بما فيه تصنيف الضحايا في فئات متسقة.
تجاوز التعريف العام
يتطلب تحقيق العدالة الانتقالية بشكل شامل في سوريا تجاوز التعريف العام للضحية إلى تبني منهجية تحليلية وتصنيفية دقيقة كأداة استراتيجية مستندة إلى تصنيف الضحايا ضمن فئات في النص القانوني. يتطلب ذلك أن تعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية—بعد التشاور مع مجموعات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السوري وآليات الأمم المتحدة المعنية—على إنشاء وحدة متخصصة لإدارة جبر الضرر، تضم خبراء قانونيين، وخبراء في علم الضحايا (Victimology)، ومحللي بيانات من بين آخرين.
كما يجب إدراج تعريف الضحايا وفئاتهم في قانون العدالة الانتقالية بشكل واضح غير قابل للتفسير السياسي اعتمادًا على هوية المرتكب، أو انتماء الضحية السياسي أو الاجتماعي أو العرقي. كأن يعتمد القانون تعريف الضحية بناءً على الفعل الجرمي والضرر، وليس بناءً على هوية المرتكب أو الضحية، وينص على أن تتمتع لجنة جبر الضرر التابعة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بحصانة ضد التدخلات الحكومية، وأن تدار من قبل خبراء تقنيين لا يشغلون مناصب سياسية أو حزبية. كما أن تضمين تصنيف الفئات المهنية في هذا القانون يضمن مأسسة العدالة للفئات والقطاعات المتضررة، وهو ما يكفل تلقائيًا دعم إنصاف الأفراد المتضررين بمعايير حقوقية مجردة تتجاوز صراعات الهوية والانتماء.
منصور العمري: مدافع سوري عن حقوق الإنسان وباحث قانوني، يحمل درجة الماجستير في القانون في العدالة الانتقالية والنزاعات، ويركّز في عمله على ترجمة أطر العدالة إلى سياسات وممارسات عملية وإصلاحات داخل المؤسسات في سياقات ما بعد النزاع.