تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة في شمال سورية: أزمة منسية في ظل الصراع السياسي

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في جودة التعليم ووصوله، خصوصًا للطلاب والطالبات من ذوي الاحتياجات الخاصة


يحمل عمر حمدان حقيبته على كتفه، مليئًا بالحماس لبدء يوم دراسي جديد في مدرسة المعمورة شمال سورية. تنطلق رصاصة من أحد قناصي قوات بشار الأسد صوبه لتخترق صدره، وتصيب عموده الفقري ليصبح الفتى، صاحب الـ14 ربيعًا، واحدًا من آلاف الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بعد إصابته بالشلل التام في طرفيه السفليين. 

تعيش مناطق الشمال السوري صراعًا سياسيًا مستمرًا، يفاقم من تحديات الحياة اليومية للسكان، ويعرض العديد من القطاعات الحيوية للخطر، ومن بين هذه القطاعات يبرز القطاع التعليمي كواحد من أكثر القطاعات تضرراً. تشهد المدارس في هذه المناطق انهيارًا تدريجيًا، وتعاني نقصًا في الموارد والبنية التحتية، وهو ما يتسبب في تدهور مستمر في جودة التعليم ووصوله. 

يتفاقم أثر هذا التدهور بالنسبة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يلزمهم تجهيزات وموارد معينة ليتمكنوا من الحصول على التعليم، وهو الأمر النادر في الشمال السوري. يتراوح عمر هؤلاء الأطفال من 5 إلى 17 عامًا، ويعانون على نحو خاص من نقص الدعم والتأهيل في بيئة تعليمية غير ملائمة لاحتياجاتهم الخاصة، وتستمر معهم الأزمة حتى سوق العمل، فيعانون صعوبات أيضا في الحصول وظائف مناسبة.

ويعرّف الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، على أنهم كل من يعانون مشاكل بدنية وحسية، قد تمنعهم من المشاركة بصورة كاملة وفعالة في المجتمع.

يعاني نحو 18% من الأفراد في شمال سورية تحديات في المشي أو التسلق، بينما يعاني نحو 34% صعوبات في الرؤية والسمع والرعاية الذاتية واستعمال الجزء العلوي من الجسم بدرجات متفاوتة، بحسب مسح أجرته وحدة تنسيق الدعم عام 2023. وقد ارتفعت هذه النسبة خلال السنتين الماضيتين بسبب الهجمات المستمرة والكوارث الطبيعية مثل الزلزال الذي ضرب المنطقة في فبراير 2023، والذي أدى إلى إصابة ومقتل الآلاف. 

مؤسسات تعليمية غير مجهزة 

عاد عمر حمدان إلى الدراسة بعد غياب أربع سنوات نتيجة للإصابة ولتهجيره وأسرته من ريف دمشق إلى الشمال. هو يبلغ الآن 23 عامًا، ويدرس علوم الحاسوب في جامعة إدلب. يقول عمر إنه يواجه صعوبات جمة في التنقل، حيث لا تتوفر أي مساعدة أو تسهيلات في المواصلات العامة وداخل الجامعة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، خاصة أولئك الذين يعتمدون على الكراسي المتحركة، بجانب تحديات الحصول على الدعم المادي والمعنوي من قبل مؤسسات المجتمع المدني، حيث يشعر بأنهم يُستغلون لأغراض دعائية بدلاً من تلبية احتياجاتهم الحقيقية.

يعكس واقع عمر حالة كثيرين من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يجابهون ظروفًا صعبة، ويصرون على مواصلة التعليم رغم وعورة الطريق، لكن أعداد الذين يتوقفون عن التعليم، أو يتسربون أكبر بكثير، في ظل غياب الخدمات والمرافق والتسهيلات المادية اللازمة لهؤلاء الطلاب، وخاصة الإناث اللاتي يواجهن تحديات إضافية؛ نظرًا لاحتياجاتهن الخاصة في المواصلات والمرافق الصحية وغيرها. وهذا يجعل الكثيرات منهن يترددن في مواصلة التعليم.

تتحدث الطالبة نهى (اسم مستعار)، عن تجربتها كطالبة في كلية الصيدلة في جامعة حلب الحرة، حيث تعاني إعاقة خلقية تتمثل في غياب طرفين علويين وطرف سفلي. واجهت نهى صعوبات كبيرة في التعليم، بدأت بغياب جميع وسائل المساعدة الخدمية في المرافق التعليمية، بجانب معاناتها في صعوبة الحصول على مستلزمات التدريس وندرة إن لم يكن استحالة العثور على فرصة عمل تساعدها على تأمين احتياجاتها أثناء الدراسة، بالإضافة لصعوبات نفسية تتعلق بالتنمر أحياناً وفي التشكيك في قدراتها وإمكانياتها أحياناً أخرى.

وأظهر استطلاع لمجموعة من الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة في جامعات الشمال السوري، إن الجامعات تعاني ضعفًا في تطبيق مبدأ المساواة بين الطلاب ذوي الإعاقة والطلاب الآخرين، حيث يُفرض عليهم نفس الشروط والوقت المُحدد للامتحانات دون مراعاة اختلاف الظروف الصحية والقدرات بين الأفراد. ويستفيد الطلاب من تخفيض للرسوم، سواءً كانوا هم أنفسهم أو ذويهم يعانون عجزًا. وتقيم لجان طبية مستوى العجز ويُمنح التخفيض بحسب نسبة الإعاقة. ونتيجة ارتفاع أعداد ذوي الإعاقة تمنح اللجنة في جامعة حلب الحرة الإعفاء للأكثر عجزًا، على الرغم من وجود بعض الحالات التي تستحق إعفاءً كاملاً من الرسوم في الظروف الطبيعية نظرًا للإصابات التي يعانونها، بحسب محاضر اللجنة الطبية. 

المجتمع المدني واضطراب الوضع السياسي

تعرض عمار زمار لإصابات جسيمة في الطرف الأيمن، وبتر في مشط الطرف الأيسر، بالإضافة إلى إصابات في الأذنين والصدر جراء تعرضه للقصف بالقذائف والقنابل العنقودية مرتين متتاليتين، الأولى بقذائف الهاون في قرية حرش الكلارية في ريف حلب الجنوبي عام 2016، ثم بالقصف الروسي بقنابل عنقودية في قرية كفر ناصح في ريف حلب الغربي بعد عامين في 2018. وبرغم تلك الظروف استطاع عمار أن يتخرج في كلية التاريخ في جامعة حلب الحرة عام 2022، ويستكمل الآن دراسة الماجستير في العلوم السياسية في نفس الجامعة.

الصعوبات التي واجهها عمار حتى إتمام دراسته دفعته إلى تأسيس مركز “عقول مبدعة” لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة برفقة عدد من المتطوعين. يعمل المركز في قرية كفرناصح في ريف حلب ويقيم دورات توعوية للأهالي والمدرسين، ويجمع التبرعات لتجهيز مدارس القرية بالمرافق الخدمية، وهو ما أدى إلى رفع نسبة الملتحقين بالمدرسة من صفر عام 2019 إلى 8% عام 2021. لم تكن رحلة تأسيس المركز سهلة حيث واجهت صعوبات مادية خاصة وأنها اعتمدت أساسًا على الجهود الذاتية، ولم يحصل المركز على أية دعم من المنظمات الأكبر التي تعمل على تمويل المنظمات الأصغر.

 كشفت التجربة التي قادها عمار ورفاقه أن المجتمع المدني بإمكانه لعب دور أكبر إن تمكن من الحصول على الدعم المالي واللوجستي اللازمين، لدعم قطاع كبير من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير خدمات ملائمة لهم داخل المدارس وبالمواصلات لتساعدهم على التنقل بسهولة، بجانب تقديم الدعم المادي لهم أيضا والمساعدة على توفير وخلق فرص عمل ملائمة عقب الدراسة، وما يعيق هذا الأمر أيضا هو اضطراب الوضع السياسي، الذي يضع تلك الأزمات والمشاكل برغم أهميتها في مرتبة أقل، وبالتالي يكون الدعم المادي والمعنوي لها أقل.

يتعقد الوضع كثيرًا في الشمال السوري لوقوعه تحت سيطرة جهات مختلفة، تمتلك كل منها أجهزتها الحكومية والعسكرية والخدمية، وتفصلها عن بعض حدود ومعابر تتباين في بعض الأحيان سهولة عبورها للأفراد والبضائع. وتضم تلك الجهات المعارضة السورية المتمثلة في “الجيش الوطني” والحكومة المؤقتة،” وهيئة تحرير الشام (هتش) وذراعها الحكومي “حكومة الإنقاذ“.

وبجانب هذا الوضع السياسي المركب، يواجه الشمال السوري مشاكل كبيرة في قطاع التعليم، حيث تضم المنطقة نازحين من جميع أنحاء سورية، يواجهون صعوبات مالية جمة، بجانب ارتفاع نسبة الإعاقة والإصابات في تلك المنطقة بسبب القصف المستمر، ويأتي ذلك مع تعدد المناهج والإدارات التعليمية، مما أضاف تحديات كبيرة لقطاع التعليم بشكل عام، وذوي الاحتياجات الخاصة بشكل خاص.

سوق العمل إعاقة أخرى

يصطدم أولئك الذين يجتازون جميع الصعاب في مسيرتهم التعليمية، ويتخرجون من الجامعة بواقع جديد من الصعوبات، والمتمثل في صعوبة إيجاد فرصة عمل تتناسب مع أوضاعهم الخاصة، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة في المنطقة والتي يعانيها الجميع. تروي زوجة أحد ذوي الاحتياجات الخاصة، فضلت عدم ذكر اسمها، أن زوجها خريج كلية الهندسة الزراعية، لكنه لم يستطع الحصول على فرصة عمل بسبب إصابته التي فقد على إثرها عينه اليسرى كما لاتزال ثلاث رصاصات مستقرة في قدمه.

تقدم الزوج لشغل العديد من الوظائف، لكن الرد دائما كان مضمونه واحد بإجابات مختلفة أو “باهتة” كما وصفتها زوجته، تحمل في طياتها تفضيلا للأصحاء الذين بوسعهم القيام بالعمل، دون أي اعتبارات أخرى مثل الخبرة أو حاجة الشخص للعمل. تقول الزوجة “في إحدى المرات تم قبوله للعمل في إحدى المنظمات، إلا أنهم أبلغوه بعد دوام أسبوع بعدم “إمكانية استمراره في العمل،” مما اضطرها هي للبحث عن عمل من أجل توفير دخل لأطفالها وزوجها. 

نحو تعليم أفضل

في ظل وُجود أعداد كبيرة من الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة خارج النظام التعليمي، ينبغي اتخاذ إجراءات عاجلة من أجل عدم تركهم للمجهول. على سبيل المثال، ينبغي أن يتضمن منح التراخيص للمدارس والجامعات إلزامها باستقبال عدد معين من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير التجهيزات والمرافق التي تكفل تسهيل عملية الوصول والحركة داخل المدارس والجامعات، مثل دورات المياه والممرات وشاشات العرض والمصاعد الكهربائية. وعلى الجهات المانحة والداعمة من المؤسسات الدولية التواصل مع الجهات المحلية المختلفة للمساعدة على وضع رؤى وتوفير الموارد لتحقيق تلك الأهداف، وكذلك دعم منظمات ومؤسسات المجتمع المدني في توفير فرص عمل للخريجين، والعمل على دمجهم في كوادرها، لتخفيف الأعباء عنهم ومساعدتهم على التغلب على الظروف الصعبة والتحديات المعيشية التي يواجهونها.

أيضا ينبغي على المعنيين تقديم برامج لإرشاد ذوي الاحتياجات الخاصة، لاختيار الفرع التعليمي الذي يتوافق مع قدراتهم الجسمانية، وحاجة المجتمع له، فغالبية المنظمات تكثّف جهودها على مرحلة التعليم فقط إن وجدت، لكن تكاد تكون برامج تدريب وتأهيل ودمج الخريجين بالمجتمع معدومة. وأخيراً لابد من إطلاق حملات توعوية بضرورة قبول ذوي الاحتياجات الخاصة كجزء فاعل في المجتمع.

عامر المصطفى: أستاذ جامعي وباحث أكاديمي تتركز كتاباته على اللغة والمجتمع والتعليم، حاصل على الدكتوراه في اللغويات والترجمة.

: اقرأ التالي

هل قام المجتمع الدولي بما يلزم لإيقاف الحرب الدائرة في السودان؟ الجواب بسيط، للأسف. بالطبع لا،…

يلقي عمر طالب نظرة معمّقة على الظروف السياسية والتكييفات القانونية التي أدت إلى إسقاط تهم الفساد…

يعاني "نزلاء" السجون الجديدة في مصر من عنف خفي وانتهاكات منهجية، بينما تقول الدولة أنها طورت…