في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عيّن وزير العدل اللبناني عادل نصّار 11 قاضي تحقيق للعمل على قضايا اغتيالات سياسية أو محاولات اغتيال وقعت بين عامي 1978 و2008. ويمثّل هذا القرار، في السياق اللبناني، خطوة غير مألوفة، في بلدٍ طالما تغلّب فيه منطق الإفلات من العقاب بذريعة صون السلم الأهلي، رغم ما شهده من جرائم واسعة النطاق ومئات الاغتيالات ذات الطابع السياسي.
انتهت الحرب الأهلية في لبنان بإقرار قانون عفو عام سنة 1991 من قبل برلمان كان بعض أعضائه منتخبين عام 1972، فيما عُيّن بعضهم الآخر من قبل الحكومة آنذاك. وقد شمل هذا القانون الجرائم المرتكبة قبل مارس/آذار 1991، بهدف طيّ صفحة الانتهاكات التي ارتكبتها مختلف الفصائل السياسية وتفادي أي شكل من أشكال المساءلة. بل إن القانون مارس ضغطًا على المئات من عائلات المفقودين خلال الحرب للتوقف عن المطالبة بكشف مصير أحبّائهم، تحت شعار ”الحفاظ على السلم“. ومنذ عام 1990، صدرت أربعة قوانين عفو. واستمر هذا النمط المتجذّر من الإفلات من العقاب بعد الحرب الأهلية، وامتدّ إلى تفجير مرفأ بيروت والانهيار المالي الذي دمّر البلاد، فيما لا يزال الضحايا ينتظرون أي مظهر من مظاهر المساءلة.
وبينما توصم المطالبات بالمساءلة بشكل روتيني بأنها تهدّد السلم الأهلي، قد يُنظر إلى قرار وزير العدل، للوهلة الأولى، بوصفه مؤشرًا محتملًا على انتهاء عصر الإفلات من العقاب وبدء مرحلة لتعزيز المساءلة. كما يتقاطع هذا التوجّه مع الالتزامات الواردة في القسم الرئاسي والبيان الوزاري بالسعي إلى تفعيل المساءلة. ولا تقتصر أهمية القرار على دلالته الرمزية المرتبطة بإحياء مبدأ المساءلة، بل توحي أيضًا بوجود إرادة لدى الوزير لوضع حدّ لحقبة من الجرائم السياسية، ولا سيما تلك التي ارتبطت بنظام الأسد أو ارتكبها هو أو حلفاؤه في لبنان، ومن بينهم حزب الله وجماعات أخرى.
القضايا التي شملها قرار إعادة تحريك التحقيقات
يشمل القرار إحدى عشرة قضية جرى تعيين قضاة تحقيق للنظر فيها، نعرضها أدناه من الأقدم للأحدث:
- أقدم تلك القضايا هي اغتيال طوني فرنجية، نجل الرئيس السابق سليمان فرنجية وجدّ النائب الحالي طوني فرنجية، إذ قُتل مع زوجته وابنته، إضافة إلى ثلاثين من أنصاره، في بلدة إهدن شمال لبنان بتاريخ 13 يونيو/حزيران 1978.
- في 12 مارس/آذار 1980، تعرّض الرئيس الأسبق كميل شمعون لمحاولة اغتيال بواسطة سيارة مفخخة، أعقبتها محاولات أخرى في عامي 1985 و1987. وقد اقتصر تعيين قاضي التحقيق في هذا السياق على محاولة اغتيال عام 1980.
- قُتل الشيخ أحمد عسّاف، المدير السابق للمركز الإسلامي وأحد المعارضين للهيمنة العسكرية السورية في لبنان، بإطلاق النار عليه في 26 أبريل/نيسان 1982، وأُحيلت قضيته إلى المجلس العدلي بتاريخ 19 مايو/أيار من العام نفسه.
- تعرّض النائب مصطفى معروف سعد، رئيس التنظيم الشعبي الناصري، لمحاولة اغتيال في 21 يناير/كانون الثاني 1985، وقد رُبطت هذه المحاولة، وفق تقديرات سائدة آنذاك، بمواقفه السياسية المناهضة لإسرائيل.
- في يناير/كانون الثاني 1998، شهدت مدينة بعلبك اشتباكات بين أنصار صبحي الطفيلي، الأمين العام السابق لحزب الله الذي انشق لاحقاً عن الحزب، والجيش اللبناني، وذلك عقب مقتل ضابط برتبة نقيب في الجيش. وقد أُحيلت هذه الأحداث إلى المجلس العدلي في 6 فبراير/ شباط 1998.
- اغتيل إيلي حبيقة، أحد القادة في القوات اللبنانية والوزير السابق، في 24 يناير/كانون الثاني 2002 نتيجة انفجار سيارة مفخخة، وذلك قبل أيام قليلة من موعد إدلائه بشهادته أمام محكمة في بروكسل بشأن مجازر صبرا وشاتيلا، التي كان يُعتقد على نطاق واسع أنه أشرف عليها. وقد أُحيلت قضيته إلى المجلس العدلي في 28 يناير/كانون الثاني 2002.
- كان الصحفي والمؤرخ سمير قصير من أبرز المعارضين للنظام السوري ومن الشخصيات الفاعلة في ثورة الأرز عام 2005، التي اندلعت عقب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وقد قُتل بسيارة مفخخة في 2 يونيو/حزيران 2005، وأُحيل ملف القضية إلى المجلس العدلي في اليوم التالي.
- اغتيل جبران تويني، رئيس تحرير صحيفة النهار ونائب في البرلمان وأحد أبرز منتقدي النظام السوري، في 12 ديسمبر/كانون الأول 2005 نتيجة انفجار سيارة مفخخة، وأُحيلت قضيته إلى المجلس العدلي بتاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
- اغتيل بيار أمين الجميّل، النائب والوزير عن حزب الكتائب ونجل الرئيس السابق أمين الجميّل، المعروف بمواقفه المعارضة للاحتلال السوري، بإطلاق النار عليه في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2006، وأُحيلت قضيته إلى المجلس العدلي في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2006.
- اغتيل أنطوان غانم، عضو حزب الكتائب، في 19 سبتمبر/أيلول 2007 بواسطة سيارة مفخخة، وكان من بين الشخصيات التي عارضت النظام السوري وحلفاءه في لبنان. وقد أُحيلت قضيته إلى المجلس العدلي بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2007.
- اغتيل الشيخ الدرزي صالح العريضي، أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي اللبناني، في بلدة بيصور بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول 2008. ويُنظر إلى الحزب الديمقراطي اللبناني على أنه قريب من النظام السوري السابق. وقد أُحيلت قضيته إلى المجلس العدلي في 19 سبتمبر/أيلول 2008.
ورغم أن تعيين قضاة تحقيق أمر ضروري من أجل تحقيق المساءلة، فإن هذه الخطوة وحدها لا تضمن بالضرورة وصول التحقيقات إلى نتائج عملية، لا سيما في القضايا التي مضى على وقوعها عدة عقود.
المجلس العدلي: فعالية محدودة وانتقادات متزايدة
كانت القضايا الإحدى عشرة المشمولة بالقرار قد أُحيلت جميعها في مراحل سابقة إلى المجلس العدلي، بعضها منذ عقود. وعليه، لم يتضمن قرار وزير العدل فتح ملفات جديدة أو إطلاق تحقيقات مستحدثة، بل اقتصر على تعيين قضاة تحقيق لمتابعة هذه القضايا القائمة أصلًا.
يُعدّ المجلس العدلي محكمة استثنائية تختص بالنظر في فئات محددة من الجرائم، مثل الجرائم المرتبطة بأمن الدولة أو النزاعات ذات الطابع الطائفي، أو تلك التي تتضمن استخدام الأسلحة النارية والمتفجرات، وذلك حصرًا في القضايا التي يُحيلها إليه مجلس الوزراء. ويتولى رئاسة المجلس الرئيس الأول لمحكمة التمييز، وهي أعلى هيئة قضائية في الهرم القضائي، إلى جانب أربعة قضاة من محكمة التمييز يُعيَّنون بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء. وبذلك يحتفظ مجلس الوزراء بدور حاسم في كلٍّ من تعيين القضاة وإحالة القضايا إلى المجلس، وهو ما يثير إشكاليات تتعلق بمبدأ فصل السلطات وبضمان الحق في المثول أمام محكمة مستقلة.
وخلال السنوات الأخيرة، أحال مجلس الوزراء قضيتين بارزتين إلى المجلس العدلي. تتعلق الأولى بتفجير مرفأ بيروت الذي أودى بحياة مئات الأشخاص وأصاب آلافًا آخرين، حيث ظلّ التحقيق معطّلاً لسنوات نتيجة تدخلات وعرقلة من أطراف سياسية متعددة. أما القضية الثانية فتتصل بانفجار بلدة التليل في قضاء عكار شمالي البلاد بتاريخ 16 أغسطس/آب 2021، حين انفجر خزان وقود كان الجيش قد صادَره، ما أسفر عن مقتل 30 شخصًا وإصابة نحو مئة آخرين. وقبل ذلك، كانت قضية اغتيال الرئيس بشير الجميّل عام 1982 قد أُحيلت أيضًا إلى المجلس العدلي، وأسفرت لاحقًا عن إدانة حبيب الشرتوني والحكم عليه في أكتوبر/تشرين الأول 2017.
وعموماً، استغرقت القضايا المحالة إلى المجلس العدلي فترات طويلة قبل أن تصل إلى مراحل متقدمة من التحقيق، كما تعرّضت لعرقلة متكررة نتيجة عوامل متعددة. ففي ملف تفجير مرفأ بيروت، واجه قاضي التحقيق طارق البيطار أكثر من خمسٍ وعشرين دعوى قانونية أدت إلى تعطيل مسار التحقيق وعرقلته. أما في قضية التليل، فقد تمكن قاضي التحقيق من استكمال تحقيقاته وإصدار قرار اتهامي، غير أن الإجراءات توقفت لاحقًا بعدما جرى تعيين أحد أعضاء المجلس العدلي مدعيًا عاماً لدى محكمة التمييز في فبراير/شباط 2024، ما حال دون انعقاد المجلس قانونًا إلى حين تعيين بديل له. ولم تُستكمل التعيينات القضائية اللازمة إلا في سبتمبر/أيلول 2025.
وإلى جانب التحديات المرتبطة ببطء الإجراءات، ظلّ المجلس العدلي عرضة لانتقادات مستمرة بسبب محدودية استقلاليته، إذ يُعيَّن قضاته الخمسة بقرار من مجلس الوزراء بناءً على توصية وزير العدل، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة للتجاذبات السياسية. كما أن الآليات الإجرائية المعتمدة أمام المجلس تُنتقد لافتقارها إلى بعض ضمانات المحاكمة العادلة، ولا سيما فيما يتعلق بإمكانية الطعن في قراراته أو في قرارات قاضي التحقيق التابع له.
وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل حول ما إذا كان قانون العفو العام الصادر عام 1991 يمكن أن يشكّل عائقًا أمام ملاحقة الجرائم المرتكبة قبل صدوره. غير أن نصّ القانون يستثني صراحةً القضايا التي كانت قد أُحيلت إلى المجلس العدلي قبل ”دخول القانون حيّز التنفيذ“. وبما أن قضايا اغتيال طوني فرنجية والشيخ أحمد عسّاف، إضافة إلى محاولات اغتيال الرئيس السابق كميل شمعون ومصطفى معروف سعد، كانت قد أُحيلت إلى المجلس العدلي قبل إقرار قانون العفو، فإن مرتكبي هذه الجرائم لا يُفترض أن يستفيدوا من الحماية التي يتيحها هذا القانون.
تداعيات سقوط نظام الأسد
أسهمت التحولات السياسية التي شهدتها سوريا في تهيئة الظروف لقرار وزير العدل بتعيين قضاة التحقيق، إذ برز التعاون القضائي بين البلدين كأحد أبرز محاور التواصل بين الحكومتين في مرحلة ما بعد سقوط بشار الأسد. وقد انصبت هذه المشاورات بشكل رئيسي على مسألتين أساسيتين: نقل عدد من السجناء من السجون اللبنانية إلى سوريا، وكشف مصير المواطنين اللبنانيين الذين فُقدوا خلال سنوات الحرب الأهلية. وفي موازاة ذلك، طلبت الحكومة اللبنانية من السلطات السورية تزويدها بمعلومات تتعلق بعمليات اغتيال سياسية يُشتبه بتورط نظام الأسد بها، فيما أبدت السلطات السورية استعدادًا لتقديم ما يتوافر لديها من معطيات. وفي هذا الإطار، أوقفت السلطات السورية الضابط السابق في جهاز الاستخبارات إبراهيم حويجة، المشتبه بتورطه في عدد من عمليات الاغتيال، من بينها اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط عام 1977.
وسواء أفضت التحقيقات الإحدى عشرة إلى ملاحقات قضائية بحق المسؤولين عن هذه الجرائم أم لم تُفضِ، فإن إعادتها إلى الواجهة من خلال تعيين قضاة تحقيق جُدد تعكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز مسار المساءلة عن الجرائم المرتكبة في لبنان، وهو ما قد يسهم في استعادة ثقة الرأي العام بالمؤسسات القضائية وتعزيز السلم الأهلي. غير أن حصر الجهود في الجرائم السياسية وحدها لا يُعدّ كافيًا؛ إذ يظل من الضروري أن تبذل وزارة العدل والحكومة بشكل عام جهودًا أوسع لضمان تحقيق العدالة والمساءلة عن مختلف الجرائم التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك قضايا الفساد والجرائم المالية.
شهرزاد الحجار: زميلة غير مقيمة بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، تركّز في أعمالها على قضايا المساءلة والإصلاح القانوني في لبنان.