تغليظ عقوبة التحرش في مصر: السير في دائرة مفرغة

تشديد العقوبة على جرائم التحرش الجنسي في مصر خطوة جيدة، لكنها وحدها ليست كافية للحد من انتشار الجريمة


تطلب الفتاة سيارة أجرة عبر أحد تطبيقات النقل الذكي. تحدد وجهتها وتستقل السيارة. لا يمر على الرحلة وقت كثير قبل أن يحاول السائق التحرش جنسيًا بها. تطلب منه التوقف فورًا، لكنه يرفض ويقوم فقط بتخفيف السرعة. تقفز الفتاة من السيارة المتحركة، وتصاب قليلًا، وتهرع نحو قسم الشرطة لتحرير محضر. 

لم تكن هذه الواقعة التي حدثت في شهر مايو الأولى من نوعها، حيث تعرضت في الشهر نفسه الفتاة نبيلة عوض لمحاولة اختطاف واعتداء جنسي من قبل سائق آخر تابع لشركة نقل ذكي، حيث هددها وأصابها بسلاح أبيض أحدث جروحًا عميقة في يدها ورأسها. وقبلها كانت حبيبة الشماع في فبراير، والتي أُطلق عليها إعلامياً “فتاة الشروق”، والتي قفزت من سيارة أوبر مسرعة على طريق السويس السريع خوفاً من تعرضها للتحرش من قبل السائق، مما أدى إلى إصابتها بجروح بالغة ودخولها في غيبوبة انتهت بوفاتها بعد عدة أيام.

تلك الحوادث تمثل فقط لمحة عن أبرز حالات التحرش والاعتداء الجنسي التي حازت الاهتمام الإعلامي خلال الشهور القليلة الماضية، ومن الأرجح أن هناك الكثير من الحالات التي فضلت ضحاياها الصمت تجنبًا للمتاعب، أو لعدم إيمانهن بجدوى الشكوى.

عادة ما يتبع مثل تلك الحوادث تحركات من المجالس النيابية وبعض الأجهزة الحكومية لاتخاذ خطوات تهدف لتحسين الوضع وامتصاص السخط المجتمعي. آخر تلك الخطوات تم في نوفمبر الماضي، عندما عدل مجلس النواب 3 مواد في قانون العقوبات لتغليظ عقوبة التحرش الجنسي، لتصل إلى السجن 10 سنوات في بعض الحالات المشددة، منها استخدام سلاح أبيض في الجريمة مع وقوعها في محل العمل. برر المشرّع التعديل بأن النصوص القائمة لم تكن كافية لردع مرتكبي هذه الجرائم. 

من على السطح، يظهر التعديل كخطوة جيدة لمناهضة العنف ضد النساء، لكن هل يكفي الردع والتخويف وحده لتحقيق الحماية والحد من الجريمة؟ للإجابة عن هذا السؤال، علينا العودة إلى ما قبل التعديل، وهو تعديل أيضا. في يونيو 2021، غلّظ البرلمان المصري عقوبة التحرش الجنسي وحولها من جنحة إلى جناية، ليعاقبها بمدة حبس لا تقل عن سنتين بعد أن كانت سنة واحدة، ويرفع الحد الأدنى للغرامة إلى 100 ألف جنيه (نحو 2000 دولار) من 10 آلاف جنيه سابقًا. 

لا تشير الإحصائيات المتاحة إلى حدوث انخفاض في حالات التحرش بعد تمرير التعديل الأول في 2021، كما أن محدودية تلك الإحصائيات غير الرسمية لا تساعد على فهم التعقيدات المحيطة بقضايا التحرش والتي تتجاوز مفهوم “الردع”.

موازين القوى

تقول مي الشامي، وهي صحفية مصرية اتهمت أحد مديريها بالتحرش بها داخل مكان العمل عام 2018، ونالت قضيتها بعض الزخم الإعلامي، إن مجرد وجود قانون يجرم التحرش غير كاف، مهما كانت العقوبة. تروي الشامي لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط أنها سلكت المسار القانوني ضد المدير والمؤسسة، لكن الأمر انتهى بها إلى الفصل التعسفي عن العمل، واستخدام خصومها لنفوذهم للحيلولة دون حصولها على عمل بمؤسسات أخرى.

تصف الشامي المسار القانوني الذي بدأته عقب الواقعة بأنه لم يكن منصفًا: “لم يكن هناك أي ضمانات لحمايتي من التهديدات التي وصلتني ووصلت أسرتي بسبب القضية، وحملات التشويه، لأظل في دائرة من العنف الاقتصادي بسبب رفض العديد من المواقع والأماكن توظيفي بسبب القضية. عنف استمر ما يقرب من 4 سنوات”.

ترى الشامي “بارقة أمل” في تغليظ العقوبة، ولكنها تؤكد أن القانون يحتاج آليات واضحة لتنفيذه، وكذلك توفير مسار آمن للضحية لحمايتها من الحملات المضادة، أو من رفض السلطات الاستماع لروايتها، أو التشكيك بها كما حدث معها، أو طمس الأدلة وغيرها من الطرق التي تعرقل تطبيق القانون، سواء القديم أو المعدل.

إشكاليات الإبلاغ وحملات التشهير 

يُبرز حديث الشامي أهمية تكامل المنظومة القانونية لتفادي العقبات التي تواجهها السيدة أو الفتاة بداية من اللحظة التي تقرر فيها الإبلاغ عن الجريمة وتحرير محضر بقسم الشرطة. تضطر الضحية، في كثير من الأحيان، أن تسرد الواقعة عدة مرات لعدة أشخاص، الذين كثيرًا ما يحاولون حثها على صرف النظر عن الشكوى، بحسب نتائج دراسة حديثة صادرة عن مركز “تكوين” لدراسات النوع الاجتماعي. تشير الدراسة إلى استعمال رجال الشرطة أسلوب التخويف مثل تحذير الشاكية من “ضياع مستقبلها” و”تشويه سمعتها” أو محاولة إقناعها بعدم جدوى البلاغ لعدم وجود شهود، أو تهديدها بقضاء ليلة في القسم حتى يتم عرض الواقعة على النيابة.

بالإضافة إلى محاولة العاملون بأقسام الشرطة ترهيب النساء أو حثهن على عدم الإبلاغ عن جرائم التحرش الجنسي، هناك أيضًا تقارير عن ارتكاب هؤلاء الأشخاص لمضايقات جنسية ضد النساء. فقد أظهر بحث أجرته الجبهة المصرية لحقوق الإنسان أن 80% من الناجيات من جرائم العنف، ومنها قضايا التحرش، تعرضن لمضايقات وصلت في بعض الأحيان للاعتداء الجسدي بأقسام الشرطة، وهو ما يعكس إغفال أهمية التدريب على التعامل مع تلك النوعية من القضايا من قبل العاملين بأقسام الشرطة، والتي غالبًا ما تحمل قدرا من التفاصيل الحساسة التي قد تجدد الصدمات النفسية لدى الضحايا. 

تطوع العاملين بأقسام الشرطة لمنع تحرير محاضر التحرش يعكس عدم اعتراف ضمني بوجود المشكلة من الأساس حتى مع وجود النص القانوني، أو إلقاء اللوم على كاهل الضحية بصفتها السبب فيما تعرضت له. فهل يمكن تصور أن تأتي الخطوات التالية بنتائج مثمرة إذا كانت الخطوة الأولى المتمثلة في البلاغ تحيطها مثل تلك العراقيل؟

يمكن تطبيق الأمر على قضية بسنت، المعروفة إعلاميا بـ “فتاة ميت غمر،” التي تعرضت عام 2020 لتحرش جماعي تم تسجيله بالصوت والصورة، تبعه حملات مستمرة من التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر المواقع الإخبارية أيضا، ليصبح صوت تلك الحملات أعلى من جريمة انتهاك جسد فتاة على يد 7 أشخاص. هل كان لتغليظ العقوبة أن يمنع ما حدث؟ بسنت مثل مي الشامي، واجهت عبء ترك محل إقامتها والانقطاع عن الذهاب للجامعة خوفًا من التعرض للمزيد من الأذى، وحاولت، كما روت في حوارات سابقة، التخفي عن الأنظار.

توضح آية منير، مؤسسة مبادرة “سوبر وومان” المعنية بقضايا وحقوق النساء في مصر، أن الأزمة لن تحل بالقوانين وحدها، فالمعضلة الأكبر هي صعوبة إثبات الجرائم، والحصول على موافقة شهود العيان بالحضور للشهادة، وعند تجاوز الناجية تلك العقبات، تصطدم بالميراث المجتمعي الذي كثيرًا ما يحولها من ضحية إلى متهمة.

حماية الشهود وسياسات مناهضة التحرش

تضيف منير لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، أن التحرش في أماكن العمل، مثلًا، لا يمكن مواجهته من خلال تغليظ العقوبة فقط، مع افتقار معظم المؤسسات في مصر لسياسات داخلية للحماية من التحرش، أو سبل المراقبة والمتابعة التي تمكن الضحية من توثيق الجريمة، مضيفة أن هناك حاجة إلى قانون ملزم للشركات وأماكن العمل بوضع لوائح داخلية لمناهضة التحرش.

هناك أيضًا حاجة ملحة لوضع ضمانات لحماية بيانات الضحايا من التداول في وسائل الإعلام أو الانتشار بين المحيطين بالجاني، وضمان سرية بيانات الشهود في هذه الوقائع، مما يشجع على الإبلاغ عن الجرائم ويحقق الردع لمرتكبيها، ويكسر الحماية المجتمعية التي يتلقونها، بحسب منير.

تأتي الإشكالية الأخرى في غياب التمثيل النسائي في المسار القانوني، بدءاً من أقسام الشرطة، مروراً بالنيابة العامة وصولاً إلى القضاء، مما يضطر الناجيات للتعامل مع ممثلي هذه المؤسسات من الرجال وسرد تفاصيل حساسة قد يشعرن براحة أكبر في مشاركتها مع نساء. وكان هناك في السابق مبادرات استحدثت وحدات متخصصة لتلقي بلاغات التحرش في أقسام الشرطة، وأيضًا لتفعيل دور الشرطة النسائية خصوصًا في الأعياد حيث تنتشر تلك الجريمة، إلا أن هذه المبادرات لا تزال محدودة الأثر كما يشوب تطبيقها العيوب.

تلخص منير الأزمة بأنها نتيجة سيطرة موازين القوى الذكورية على حساب حقوق السيدات وأجسادهن، والقدرة على تحويل مسارات القضايا، وهي أزمة لا يمكن حلها بقوانين مغلظة وحدها، بل تحتاج للاعتراف بها أولاً، فالسبب الأول لانتشار تلك الجريمة رغم وجود قانون، وأيضا استمرار انتشارها مع تغليظ العقوبة، هو عدم اعتراف شرائح كبيرة من المجتمع بها كجريمة، وتعامله معها كحدث عادي لا يستدعي التوقف أمامه أو مناقشته لوضع حلول عاجلة وسريعة له.

هبة أنيس صحفية وباحثة مصرية، ومتدربة في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط

: اقرأ التالي

تعاني مناطق الشمال السوري من نقص في الموارد والبنية التحتية، ما يتسبب في تدهور مستمر في…

هل قام المجتمع الدولي بما يلزم لإيقاف الحرب الدائرة في السودان؟ الجواب بسيط، للأسف. بالطبع لا،…

يلقي عمر طالب نظرة معمّقة على الظروف السياسية والتكييفات القانونية التي أدت إلى إسقاط تهم الفساد…