timep single arabic page
BEIRUT, LEBANON - FEBRUARY 10: Relatives of victims of the 04 August Beirut port explosion stage a protest in the Justice Palace in Beirut, Lebanon, 10 February 2022. Families and relatives of victims of the Beirut port explosion, gather in front of the Justice Palace to support the judge investigating the blast, Tarek Bitar, after he was forced to suspend his work. (Photo by Houssam Shbaro/Anadolu Agency via Getty Images)

تفجير مرفأ بيروت في أروقة القضاء الأميركي

بعد مرور ما يقرب من عامين على تفجير مرفأ بيروت، لجأ تسعة من ضحايا الحادث إلى المحاكم الأمريكية بحثًا عن العدالة.


Read this article in English.

بعد مرور ما يقرب من عامين على التفجير الهائل الذي دمّر مرفأ بيروت، وقلب حياة سكان المدينة رأسًا على عقب، متوّجًا عقودًا طويلة من الفساد الحكومي والإهمال، لجأ تسعة من ضحايا التفجير في 11 يوليو/تموز 2022 إلى النظام القضائي الأمريكي بحثًا عن الإنصاف.

يطالب هؤلاء الضحايا—وهم جميعًا مواطنون أميركيون أو أقارب لمواطنين أمريكيين— بالتعويض عن ”الخسائر الجسيمة في الأرواح والممتلكات“ التي نتجت عن التفجير الذي عُد من بين أكبر الانفجارات غير النووية في العالم. 

قام الضحايا، من خلال شركة المحاماة Ford O’Brien Landy LLP، وبدعم من المؤسسة السويسرية المحاسبة الآن (Accountability Nowبرفع دعوى قضائية أمام محكمة ولاية تكساس ضد شركة الخدمات الجيوفيزيائية الأمريكية-النرويجية TGS ASA، التي استحوذت في عام 2019 على شركة سبكترم (Spectrum Geo UK) ولا تزال تملكها حتى الآن. كانت سبكترم قد أبرمت سلسلة من العقود مع السلطات اللبنانية خلال الفترة بين 2000 و2012، من بينها عقد في عام 2012 استأجرت بموجبه الباخرة روسوس (Rhosus)، المحملة بـ2,750 طنًا من نترات الأمونيوم ذات الدرجة العسكرية، والتي كانت السبب في تفجير مرفأ بيروت يوم 4 أغسطس/آب 2020.

فما هي تفاصيل هذه القضية؟ وما أهميتها ضمن الجهود المستمرة التي يبذلها المحامون ومنظمات المجتمع المدني وجماعات الضحايا وغيرهم لتفعيل المحاسبة؟

الأساس القانوني للدعوى

تقوم هذه القضية على نظرية المسئولية المشددة، والتي تفترض، بشكل مبسط، أنه عقب استحواذ شركة TGS ASA على شركة سبكترم، أصبحت الأولى مسئولة قانونيًا عن جميع أصول والتزامات الأخيرة، بما في ذلك الأضرار الناجمة عن أي أفعال غير مشروعة. ويتركز الادعاء في هذه القضية على أن شركة سبكترم استأجرت مقاول من الباطن سمح بقدوم باخرة غير مؤهلة إلى ميناء بيروت وهي تحمل نترات الأمونيوم المتسببة في التفجير.

ويشير نص الشكوى إلى أن شركة سبكترم كانت متعاقدة مع وزارة الطاقة والمياه اللبنانية لتنفيذ سلسلة من أربعة عقود لإجراء مسوحات زلزالية، لتثير تساؤلات جوهرية حول مدى استفادة الشعب اللبناني من هذه العقود مقارنة بالأرباح التي جنتها الأطراف المستفيدة، فضلًا عن الإشارة إلى أوجه قصور في هذه الاتفاقيات، منها إبرامها بسرية تامة وعدم ذكرها التفاصيل المالية. 

تدعي الشكوى أن شركة سبكترم، عند استئجارها الباخرة روسوس لنقل معدات المسح الزلزالي المستخدمة في تنفيذ التزاماتها التعاقدية، كانت على علم بحالة السفينة غير الصالحة للإبحار، وأنها كانت تحمل 2,750 طنًا من نترات الأمونيوم، إضافة إلى سجلها الإشكالي من حيث الصيانة والامتثال للوائح التنظيمية، إلى جانب مشكلات أخرى. وتؤكد الشكوى أن شركة سبكترم، ووكلاءها، لم يحصلوا على الموافقات الرسمية المطلوبة من السلطات اللبنانية، حيث إن القانون اللبناني يلزمها بالحصول على ترخيص مسبق من وزارة الدفاع ومجلس الوزراء، ثم وزارة الاقتصاد، لاستيراد نترات الأمونيوم التي تحتوي على نسبة نيتروجين أكثر من 33.5%، وهو ما انطبق على الشحنة الموجودة على متن الباخرة.

ويطالب المدّعون بتعويضات مالية تُقدّر بحوالي 250 مليون دولار أمريكي تعويضًا عن فقدان أحبائهم في التفجير، والأضرار التي لحقت بالممتلكات، بالإضافة إلى انتهاك قانون حماية البيئة اللبناني. كما تعهد المدّعون بأن يتم تخصيص أي مبالغ تعويض متحصلة من هذه الدعوى لدعم الضحايا اللبنانيين الذين لم يُمثلوا رسميًا في القضية. وتضم قائمة المدّعين عائلة الطفل الأمريكي الجنسية، إسحاق أولرز (Isaac Oehlers)، أصغر ضحايا تفجير المرفأ.

من جهتها، نفت شركة TGS جميع الاتهامات الواردة في الدعوى، مؤكدةً أن شركة سبكترم تصرفت بمسئولية خلال تنفيذ أعمال المسح، وأنها غير مسئولة عن التفجير أو تبعاته.

القضية وجهود تفعيل المساءلة

منذ تفجير مرفأ بيروت، تحرّك مناصرون من مختلف القطاعات من أجل تحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة الجهات المسئولة عن الحادث. فقد قام صحفيون استقصائيون وباحثون متخصصون في مجال المعلومات مفتوحة المصدر (OSINT) بإجراء تحقيقات معمقة أظهرت سردًا تفصيليًا متسلسلاً للأحداث التي أحاطت التفجير. كما أعدّت منظمات محلية مواد توضيحية تشرح حقوق الضحايا، في حين قدم محامون لبنانيون دعاوى قضائية أمام المحاكم الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، نظمت مجموعات الضحايا حملات مجتمعية للحفاظ على ذاكرة التفجير وإبقائها حاضرة في الوعي العام، فيما تضافرت جهود منظمات دولية لتعزيز الضغط الشعبي ودعم الدعوات لإجراء تحقيق دولي مستقل.

ومع ذلك، واجه التحقيق المحلي عراقيل عديدة بسبب تدخلات سياسية مستمرة من نظام حكم تقوده نخبة سياسية اعتادت التهرب من المساءلة على مدار عقود. ومن المأمول أن يسفر التحقيق المحلي، الذي قد تظهر نتائجه قريبًا، عن معلومات حاسمة تتعلق بملكية نترات الأمونيوم، وطريقة دخولها إلى المرفأ، وظروف وقوع التفجير. 

في ظل هذا السياق المحلي المعقد، تكتسب الدعوى القضائية المقدمة في ولاية تكساس أهمية استراتيجية بالغة، إذ تمثل مسارًا تكميليًا لتحقيق العدالة، وتفتح الباب أمام تقديم شكاوى مماثلة أمام محاكم دولية أخرى. كما تؤكد هذه القضية حق المواطنين ذوي الجنسية المزدوجة في اللجوء إلى الأنظمة القضائية في البلاد التي يحملون جنسياتها، وتسلط الضوء على الدور الذي لعبته أطراف غير لبنانية، سواء من الشركات أو الأطراف الدولية الأخرى، في التفجير، دون التقليل من المسئولية الأساسية التي تقع على عاتق الجهات اللبنانية المعنية.

بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه الدعوى منصة لرفع وإيصال أصوات الضحايا، في مواجهة حملات التعتيم الممنهجة، وتشكل خطوة هامة نحو تقويض مظاهر الإفلات من العقاب التي استوطنت الحياة العامة في لبنان على مدى سنوات طويلة.

على الصعيد العملي، يأمل المدّعون أن تسهم إجراءات كشف المعلومات في القضية — وهي المرحلة الرسمية التي تتبادل فيها الأطراف المعلومات والأدلة المزمع عرضها أثناء المحاكمة — في الكشف عن شبكة الفساد الأوسع، سواء داخل لبنان أو على المستوى الدولي، التي ساهمت في وقوع التفجير. كما تهدف هذه الإجراءات إلى تسليط الضوء على سلسلة المسئولية واتخاذ القرار ذات الصلة بالحادث.

فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تلزم هذه الدعوى شركة TGS ASA بالإفصاح عن المراسلات والمعاملات التي أجرتها شركة سبكترم مع أطراف ثالثة، وهي معلومات يصعب، أو يستحيل، الحصول عليها في السياق اللبناني، رغم أهميتها الحاسمة للجهات المدافعة عن العدالة التي تسعى إلى تحديد الأطراف المسئولة ومساءلتها. ويمكن توظيف هذه البيانات في توجيه الآليات والاستراتيجيات التي يمكن تحقيق العدالة من خلالها في المستقبل.

في هذا الإطار، تُمثل الدعوى المقدَّمة في ولاية تكساس جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى ترسيخ ثقافة المحاسبة، ومكافحة الفساد المتجذر في النظام اللبناني. وعلى الرغم من أنه لا يمكن لأي دعوى قضائية منفردة تحقيق العدالة لجميع الضحايا على اختلاف خلفياتهم واحتياجاتهم، وأن العدالة القضائية لا تُعدّ الشكل الوحيد للإنصاف ولا بديلاً عن آليات العدالة الأخرى، إلا أن هذه القضية تبرز بوصفها خطوة نوعية تحمل قدرًا من الابتكار القانوني، من خلال توسيع مفهوم الحق في الادعاء وأسبابه. 

وانطلاقًا من ذلك، وبالنظر إلى ما تطرحه من سوابق قانونية وما تكشفه من معطيات حاسمة، فإن هذه الدعوى تمثل محطة مركزية في المسار الأوسع لتحقيق العدالة، وتستحق متابعة دقيقة ودعمًا متواصلاً من مختلف الفاعلين المعنيين.

مي السعدني: المديرة التنفيذية لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط

: اقرأ التالي

تتصدى المبادرات الأهلية والفردية لتأمين الحد الأدنى من الدعم لمئات آلاف من النازحين جراء الحرب في…

تحولت المحاكمات عن بُعد من إجراء استثنائي فرضته جائحة كورونا إلى ممارسة دائمة تقوّض حقوق الدفاع…

يركّز قانون إصلاح المصارف الجديد في لبنان السلطة في أيدي الجهات المصرفية التي يُفترض أن يُخضعها…