على مدار عامين، كانت الزيارة الشهرية للسجن طقسًا صغيرًا تحتمي به أسرة سعاد* في مواجهة غياب الأب القابع خلف القضبان. خمس وأربعون دقيقة تُستعاد فيها الحياة. يجلس طفلهما إلى جوار والده، يتسلق ركبتيه، يلتف حوله، يضحك، ويتقاسم معه الحلوى، كأن الزمن قد توقف قليلًا. تنسى سعاد مشقة الطريق: الاستيقاظ قبل الفجر، الرحلة الطويلة إلى سجن نائي، الطوابير الممتدة، التفتيش المتكرر، انقباض الصدر بمجرد دخول السجن. كل ذلك كان يتلاشى أمام دفء لقاء قصير يعيد ترتيب معنى الأسرة المفقود.
لكن في إحدى الزيارات دخلوا غرفة الزيارة ليجدوا أن المكان قد تغير. انتصب حاجز زجاجي بينهم وبينه حال دون دفء الأحضان التي طال انتظارها، وحوّل اللقاء إلى نظرات صامتة. لم يفهم الطفل ما الذي تغير. خيم الوجوم على الوجوه، ومرت الدقائق ثقيلة كأنها لا تنقضي. وقبيل أن تنتهي الزيارة، قال الزوج ما كانت تفكر فيه سعاد دون أن تبوح به: لا تحضري الابن إلى الزيارة مرة أخرى.
لا تلقي اللوائح المنظمة للسجون في مصر بالًا لأهالي السجناء، إذ لا يتضمن قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المصري ولائحة السجون الداخلية سوى إشارات طفيفة وهامشية إليهم، ليُختزل حضورهم في المعادلة في هوامش لا تعبر عن حجم معاناتهم. وكذلك، قليلًا ما يُسلَط الضوء الحقوقي على أوضاعهم السيئة، رغم أنها، في كثير من الأحيان، تنتج بشكل مباشر أو غير مباشر عن القصور في القوانين وعن الممارسات المتّبعة في منظومة السجون المصرية.
نسعى في هذا المقال إلى إعادة التفكير في الإطار التشريعي الحاكم للسجون في مصر، ولكن من منظور أهالي السجناء، من خلال مقابلات مطولة مع أهالي سجناء ومحامين. فقد صُمم قانون تنظيم السجون في الأساس لإدارة الحياة داخل السجن، بينما هو في الواقع يتعاطى مع منظومة تمس الآلاف من الأسر التي تجد نفسها، بشكل أو بآخر، جزءًا من تجربة الاحتجاز. نطرح هنا تساؤلًا محوريًا: كيف يمكن للتشريع أن يضع أهالي السجناء في قلب التفكير حول السجون، ويتعامل معهم بوصفهم طرفًا له حقوق واحتياجات يجب أن تؤخذ في الاعتبار؟
الخصم والحكَم
يعاني قانون تنظيم السجون، الذي عُدّل وتغير اسمه عام 2022 ليصبح قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي، من إشكالية بنيوية وهي التبعية المباشرة للسجون لوزارة الداخلية.
تقع السجون المصرية تحت مظلة وزارة الداخلية، على عكس بلدان أخرى تُتبِع السجون لوزارة العدل، أو لعدة وزارات تتولى مهام مختلفة داخل السجون، بما يرسخ مبدأ الفصل بين سلطات التحري والضبط والتنفيذ، ويعزز من دور الرقابة القضائية على مراكز الاحتجاز. ولذلك تبرز في مصر إشكالية تضارب الأدوار، وتصبح وزارة الداخلية هي الخصم والحكم وهو ما ينعكس سلبًا على ضمان حقوق السجناء الأساسية، وحقوق ذويهم.
كما أن إدارة السجون على أرض الواقع لا تتوافق – في كثير من الأحيان – مع ما ينص عليه القانون. رسميًا، تقع مسؤولية إدارة السجون على عاتق مأمور السجن، بحسب المادة 74 من القانون. لكن على المستوى العملي، وبحسب شهادات سجناء سابقين ومحامين مدافعين عن حقوق الإنسان، فإن ضباط قطاع الأمن الوطني (قطاع أمن الدولة سابقًا) هم من يتحكمون فعليًا في الظروف المعيشية داخل السجون، وهو ما يمتد أثره إلى الأهالي في الخارج، سواء من خلال التعنت معهم خلال الزيارات أو منعها من الأساس.
كذلك تتعدد التشريعات المنظمة للسجون على نحو يثير إشكاليات جوهرية. فالأصل أن إدارة السجون وتنظيم معيشة السجناء اليومية يخضعان، كما أوضحنا، لقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل ولائحته الداخلية. غير أنه يوجد إلى جانبهما دليل إجراءات العمل بالسجون، وهو أقرب إلى تعليمات شرطية داخلية لضباط السجون لا ترقى إلى مرتبة التشريع، فضلًا عن أنه غير منشور في الجريدة الرسمية أو لدى أي جهة رسمية، وبالتالي غير متاح للتداول أو الاطلاع عليه. ومع ذلك، يُعوَّل عليه ويُستخدم سواء في أحكام محكمة النقض أو في الردود الحكومية على أوضاع أماكن الاحتجاز.
نتناول في الأقسام التالية نصوص قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل ولائحة السجون الداخلية، ونقارنها بما يعيشه السجناء وذووهم على أرض الواقع. إذ يعاني القانون، إلى جانب الإشكاليات البنيوية المذكورة، من قصور وافتقار إلى التفصيل في كثير من مواده، مما يفتح الباب أمام تأويلها وتطبيقها وفق السياق السياسي والأمني. كما نتطرق إلى بعض النقاط الغائبة في القانون، خصوصًا في تصميم المساحات التي يمر بها أهالي السجناء، مثل أماكن الزيارات وأماكن الانتظار.
الزيارات
في الأول كانت الزيارة كل أسبوع وبعدين جت كورونا واتمنعنا من الزيارة، ودلوقتي احنا بنزور مرة في الشهر.
شهادة شقيقة سجين في سجن بدر1
تمثّل الزيارات العائلية عتبة حدودية بين الحياة خارج أسوار السجن وما بين عالم السجن. يشهد الأفراد القادمون من العالم الخارجي، مثل أهالي السجناء، تحوّلاً في وضعهم من أحرار إلى أشباه مسجونين، إذ يصبحون خاضعين لقواعد السجن وإجراءاته. أما السجناء، فالزيارة هي اللحظة التي يستنشقون فيها، ولو مؤقتًا، نسيم الحرية عبر أحبابهم وما يجلبونه من أغراض تنتمي إلى حياة ما قبل السجن.
في عام 2015 عُدّل القانون وزِيد عدد الزيارات المسموح بها للسجناء من زيارة واحدة إلى زيارتين شهريًا للمحكوم عليهم. كما أُبقي على أربع زيارات شهريًا للمحبوسين احتياطيًا. لكن التطبيق الفعلي لتلك الحقوق يظل غائبًا.
فخلال جائحة كورونا، اتخذت السلطات المصرية تدابير احترازية تضمنت تعليق الزيارات داخل السجون في الفترة من مارس إلى أغسطس 2020. ثم استُؤنفت الزيارات بضوابط محددة، منها وضع حواجز بين السجين وذويه في بعض السجون، وتقليص عدد الزيارات إلى مرة واحدة شهريًا. ويستمر هذا الوضع في بعض السجون حتى اليوم، بل إن بعض أهالي السجناء الحاليين أفادوا بأن الزيارة لا تُتاح إلا كل 40 يومًا.
كما يمنح القانون (المادة 42) سلطات تقديرية واسعة لكل من النيابة العامة وقطاع الحماية المجتمعية (قطاع السجون سابقًا) في تقييد الزيارات أو حتى منعها تمامًا لأسباب صحية أو أمنية، ما يفتح الباب أمام تعسف غير قابل للمساءلة.
وتتباين سياسة الزيارات داخل السجن الواحد. فيُسمح لقطاعات معينة (ينقسم كل سجن إلى عدة قطاعات يحتوي كل منها على مجموعة من السجناء) بالزيارة بينما يُحرم غيرها كليًا. ويظهر المثال الأبرز على ذلك في سجن بدر 3؛ حيث يُحرم نزلاء قطاع 2 – الذي يضم قيادات جماعة الإخوان المسلمين – من الزيارة بشكل كامل، بينما يُسمح بالزيارة في قطاع 4.
التفتيش
بيوصلوا انهم يدخلوا أيديهم في الملابس الداخلية، واقلعي الجزمة بتاعتك واقلعي الشراب، لا البنطلون فيه حاجة فتدخل ايديها في البنطلون لحد فوق، التحرش بيحصل للستات اللي بتزور من ستات بتشتغل في إدارة السجن، وممكن يشتموا كمان.
شهادة شقيقة سجين في مركز إصلاح وادي النطرون
تنص المادة 41 من قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل على أنه ”إذا اشتبه مدير السجن أو مأموره في أي زائر جاز له أن يأمر بتفتيشه، فإذا عارض الزائر في التفتيش جاز منعه من الزيارة مع بيان أسباب هذا المنع في سجل يومية السجن“.
ويترَك تحديد الشبهة للسلطة التقديرية للقائمين على التفتيش. إلا أن شهادات أهالي السجناء تشير إلى أن التفتيش المتكرر للزائرين داخل السجون أمر معتاد، لا يرتبط بالاشتباه من عدمه، إذ تتفاوت طرق التفتيش ما بين تفتيش سريع، وتفتيش المتعلقات التي يجلبونها للسجناء، وتفتيشهم ذاتيًا.
وفيما يخص التفتيش الذاتي، فبينما تنص قواعد الأمم المتحدة على ضرورة حماية كرامة السجينات أثناء عمليات التفتيش واستخدام بدائل لنزع الملابس كأجهزة المسح، لا يتضمن قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل أي تفاصيل بشأن آليات التفتيش، سواء للسجينات أم ذويهن. وعلى أرض الواقع، تفيد شهادات أهالي سجناء بأن التفتيش الذاتي ينطوي على انتهاك لحرمة الجسد يصل إلى حد التحرش الجنسي.
أماكن الانتظار
كنا بنقف في ممر شبه ‘الأنبوبة’ كده معمولة من أسلاك شائكة وبيكون تحتنا زي مياه مجاري. بيكدسوا فوق الخمسين شخص هناك، والشمس بتكون فوق راسك، فيه ستات كبيرة بيغمى عليها وفيه ستات كبيرة بتتعب. بنقف هناك تلات ساعات لحد ما ندخل مكان الزيارة.
زوجة سجين في سجن طره تحقيق
تمثل أماكن الانتظار امتدادًا لتجربة الزيارات برمّتها، إذ تكشف شهادات أهالي السجناء أنها مساحات مهملة تضجّ بالازدراء المتعمَّد، على الرغم من أهميتها. لم يرد ذكر أماكن الانتظار في قانون تنظيم السجون إلا في المادة 38 التي أشارت إليها بشكل عابر: ”وتعمل إدارة السجن على معاملة زائري المسجونين المعاملة الإنسانية وتكفل لهم الأماكن الملائمة للانتظار والزيارة“.
في الواقع، لا تشكل راحة الزائرين أحد أهداف تصميم السجون، إذ تُقدم السيطرة الأمنية باعتبارها الغاية الأساسية. ففي السجون القديمة، التي حلّت محل معظمها مراكز الإصلاح والتأهيل الجديدة خلال العقد الماضي، تتباين طبيعة أماكن الانتظار المخصصة لأهالي السجناء. في سجن طرة تحقيق، مثلًا، كان مكان الانتظار أشبه بقفص حديدي مغلق، يوضع فيه الأهالي انتظارًا للسماح بالزيارة، وكأنما يُعاد إنتاج معنى الاحتجاز ليطال الزائر. ولا تحتوي بعض السجون لأماكن للانتظار من الأساس، فيُترك الأهالي في الشارع لساعات طويلة حتى يحين موعد الزيارة؛ يقفون تحت الشمس عند البوابات.
ولم يختلف الوضع كثيرًا في مراكز الإصلاح الجديدة، حيث تصور شهادات أهالي السجناء أماكن الانتظار بوصفها ساحات متوسطة الحجم تحتوي على مصاطب أسمنتية لا تكفي أعداد الزائرين المتواجدين. ويضطر الأهالي إلى الجلوس على الأرض أو الانتظار وقوفًا. كما أن إدارات السجون لا تولي نظافة هذه الأماكن اهتمامًا كافيًا، خاصةً دورات المياه التي لا يجرؤ أحد من الزائرين على دخولها.
أماكن الزيارة
يقف المسجون خلف سور من السلك الحديدي، وبعد السور ممر، وبعدين سور تاني احنا واقفين عنده…من الدوشة مش بنسمع بعض، كلمة أه وعشرة لأ. المسافة بين السلكين متر تقريبًا، والمخبرين وأمناء الشرطة رايحين وجايين فيها.
شهادة شقيقة سجين سابق في سجن الجيزة المركزي
لا ينبغي أن يُنظر إلى أماكن الزيارة داخل السجون باعتبارها حيزًا جغرافيًا مجردًا، إذ إن تصميم المكان نفسه يشكّل تجربة الزيارة وجدواها النفسية والاجتماعية. فالمكان المصمم بشكل يسمح بتواصل مادي وتفاعل إنساني مباشر بين السجناء وذويهم يساهم في تعزيز الروابط العائلية، ويقلص حدة العزلة التي يعيشها السجين. يتطلب ذلك مراعاة ألّا تكون هناك حواجز مادية فاصلة، وأن تتناسب المساحة مع أعداد الزائرين، مع ضرورة الاهتمام ببعض العوامل، كالسماح بدخول الإضاءة الطبيعية، وتوفير تهوية جيدة ودورات مياه تخدم الزوار الذين قد يمضون ساعات طويلة في انتظار دورهم أو في الزيارة ذاتها.
لا تتضمن القوانين واللوائح المنظمة للسجون أي إشارات واضحة إلى تصميم أماكن الزيارة أو تنظيم آلية الزيارة نفسها. هذا الغياب القانوني يفتح المجال أمام إدارات السجون لاتخاذ قرارات إدارية تخضع في كثير من الأحيان للسياق السياسي والأمني خارج أسوار السجن، خاصة وأن المنظور الأمني هو العامل الوحيد الحاكم للفلسفة العقابية في مصر، سواء من جانب السياسات الإدارية المتبعة من قبل إدارات السجون، أم تصميم كل جزء داخل السجون.
يؤدي ذلك إلى تفاوت كبير في طريقة إجراء الزيارات من فترة إلى أخرى، ومن سجن إلى آخر، وأحيانًا بين السجناء أنفسهم بحسب ما تراه مصلحة السجون مناسبًا للظروف أو التصنيفات الأمنية الانتقائية. وقد ظهر ذلك جليًا بعد استئناف الزيارات إثر جائحة كورونا، إذ أُبقي في بعض السجون على الأسلاك الحديدية والحواجز الزجاجية الموضوعة لمنع انتشار الفيروس، ليُفصل السجناء عن ذويهم وتفرّغ الزيارة من جدواها الإنسانية. في حين لا تزال بعض السجون تسمح بالزيارة بالطريقة المعتادة في ساحات متوسطة الحجم تضم مصاطب أسمنتية أو كراسي حديدية.
يقول أحد السجناء السابقين في سجن الجيزة المركزي: ”الزيارة خلف السلك فيها نوع من أنواع الحزن. قدامك والدتك او زوجتك مش عارف تحضنهم ولا تلمسهم حتى، يمكن بيكون أحسن أن الزيارات اللي من النوع ده لا تتم من الأصل“.
نحو تخفيف معاناة أهالي السجناء
على الرغم من افتتاح سجون جديدة، والترويج لها باعتبارها قفزة إيجابية على مستوى الفلسفة العقابية وتحسين أوضاع السجناء والأهالي، إلا أن الأمر اقتصر على مبانٍ حديثة بلا روح، وبلا إرادة حقيقية لتحديث السياسات العقابية/ الانتقامية المتبعة من جانب إدارات السجون.
ولذلك، فإن أي إصلاح حقيقي في تلك المنظومة يجب أن يبدأ بوجود إرادة سياسية لتحسين الأوضاع بشكل فعلي، بعيدًا عن الشكليات.
ينبغي لمجلس النواب تعديل قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل واستحداث مواد تفصيلية في اللائحة الداخلية لتحسين تجربة الزيارات بالنسبة إلى الأهالي سواء من حيث تصميم أماكن الزيارات والانتظار بما ينعكس إيجابًا على تجربتهم
وينبغي أن تستهدف هذه التعديلات تحويل الزيارات من تجربة تجعل الأهالي يشعرون بأنهم مسجونون، إلى تجربة تتيح للسجناء – ولو لدقائق – الانتقال إلى العالم خارج أسوار السجن.
كما يجب إنهاء العمل بالإجراءات الاحترازية المرتبطة بجائحة كورونا التي ما تزال تُستخدم لتقليص دورية الزيارات والتواصل، رغم زوال المبررات الصحية لها. كما نوصي باستحداث آليات للتفتيش تحترم كرامة أهالي السجناء، وتراعي حدود الحرمات، باستخدام تقنيات التفتيش الحديثة بديلًا من التفتيش الذاتي المهين.
*اسم مستعار
دينا كامل: زميلة غير مقيمة في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، تعمل على قضايا سيادة القانون.