timep single arabic page
A migrant domestic worker from Sierra Leone in Beirut, Lebanon on September 24, 2022.(Photo by Adri Salido/Anadolu Agency via Getty Images)

زيف الحماية: أزمة المساءلة في ملف العاملات المنزليات في لبنان

يركز الخطاب المتعلق بحقوق العاملات المنزليات على مفهوم ”الحماية“، غير أنّ الحماية وحدها لا يمكن أن تضمن إنفاذ العدالة.


يستضيف لبنان نحو 250 ألف عاملة منزلية وافدة، معظمهن من إثيوبيا والفلبين وكينيا وسيراليون وسريلانكا. ورغم أن عملهن يشكل دعامة أساسية للأسر اللبنانية، فأنّ حقوقهن تُنتهك بصورة مستمرة في ظل نظام الكفالة، وهو النظام الذي ينظّم أوضاع العاملين الوافدين من حيث الإقامة والعمل.

لعقودٍ طويلة، تبنّى الخطاب العام، وبرامج المساعدات الدولية، بل وحتى التصريحات الحكومية، مقاربةً تُؤطر واقع العاملات الوافدات ضمن لغة ”الحماية“، حيث تُنشأ مراكز الحماية، ويُرَوج لخطوط المساعدة الساخنة، وتُكَرم المنظمات غير الحكومية بين الفينة والأخرى على ”إنقاذ“ العاملات من ظروف العمل القاسية.

غير أنّ الحماية ليست عدالةً بحد ذاتها، فهي لا تُلزم صاحب العمل بدفع الأجور المحتجزة، ولا تُحاسب مكاتب الاستقدام على فرض رسوم غير قانونية، ولا تضمن محاكمة المعتدين على خلفية العنف أو الاحتجاز. ومن ثمّ، لا يكمن السؤال الملحّ في كيفية تحسين ”حماية“ العاملات الوافدات، بل فيما هو أعمق وأكثر إلحاحًا: من يتحمّل المسؤولية عن استغلال العاملات الوافدات في لبنان، وعن حالة الإفلات من العقاب التي تسمح باستمرار هذا الاستغلال؟

لغة الحماية وإخفاقاتها البنيوية

أصبح مفهوم ”الحماية“ هو الإطار السائد أو العدسة التي يتم من خلالها معالجة قضية الوافدات العاملات في الخدمة المنزلية في لبنان. الفاعلون الإنسانيون يتحدثون عن ضرورة ”حماية“ العاملات من أصحاب العمل المسيئين، والمنظمات المجتمعية تُبرز ”مراكز الحماية“ كدليلٍ على تعاملها مع المشكلة، في حين تموّل الهيئات الدولية حملات توعية بحقوق العاملات ومخاطر انتهاك حقوقهن، مستخدمةً لغة الحماية ذاتها. غير أنّ هذه الحماية، كما تُمارس حاليًا، لا تُحدث تغييرًا فعليًا في البُنى التي تُلحق الضرر بالعاملات؛ فهي تعالج النتائج ولا تقترب من جوهر المشكلة. 

توفّر الحماية، في أحسن الأحوال، أمانًا مؤقتًا. أما في أسوأها، فهي تُخفي غياب المساءلة، وغالبًا ما تُعامل العاملات كمتلقياتٍ للمساعدات لا كصاحبات حقوق قانونية يستحققن الإنصاف. 

تقول سارة، وهي عاملة إثيوبية: ”عملتُ ثلاث سنواتٍ دون أجر. وحين طلبتُ المساعدة، أُودعتُ في مركز حماية، لكن ماذا عن أجري؟ لقد ذهب أدراج الرياح. لم تقم أي جهة بإجبار صاحب العمل على تسديد مستحقاتي المالية“. 

في هذه الحالة، قدّمت الحماية لسارة سريرًا وسقفًا، لكنها لم تُحقق العدالة.

أمّا روزا، العاملة الفلبينية المثقلة بالديون، فتروي: ”وعدوني [في مكتب الاستقدام] أنهم سيوفرون لي الحماية، لكنهم منعوني أيضًا من المغادرة قبل سداد الدين، وسمّوا ذلك حماية“.

تكشف هذه الشهادات عدم جدوى مفهوم الحماية حين يُفصل عن المساءلة. فبدون آليات قانونية فعّالة وضمانات قابلة للتنفيذ، تغدو ”الحماية“ مجرّد أداة احتواء، تضمن البقاء على قيد الحياة، وليس العدالة.

غياب المساءلة في إطار نظام الكفالة

يقع نظام الكفالة في صميم منظومة العمل المنزلي في لبنان، إذ يقوم على ربط العاملة الوافدة بكفيل لبناني، تحصل من خلاله على الإذن بالإقامة والعمل في البلاد. هذا الارتباط يجعل إقامة العاملة ووضعها القانوني مرهونين بكفيلٍ واحد، مانحًا إياه سلطة شبه مطلقة على وضعها القانوني وحركتها وشروط عملها، بحيث يصعب عليها تغيير وظيفتها أو مغادرة البلاد دون موافقته. لا يكتفي هذا النظام بتمكين الانتهاك، بل يُكرّس الإفلات من العقاب؛ فصاحب العمل يستطيع حجز الأجور، ومصادرة جواز السفر، واحتجاز العاملة في المنزل، وهو مطمئن إلى أن السلطات نادرًا ما تتدخل.

بالنسبة لكثير من العاملات، يُشكّل هذا الإفلات من العقاب واقعًا يوميًا. تقول مريم، وهي عاملة كينية: ”بعد شهور من الضرب، تمكنتُ من الهرب. حين لجأتُ إلى الشرطة، قالوا إنني أنا المُخالفة، وليس صاحب العمل. لقد عاملوني كمجرمة“. 

لم تهتم السلطات بالتحقيق في شكوى مريم، بل نظرت فقط إلى وضعها القانوني بوصفها ”فارّة“ من الكفيل ومقيمة دون صفةٍ ”شرعية“، فيما بقي صاحب العمل بمنأى عن المساءلة، لينتهي الأمر باحتجازها رغم أنها الشاكية.

ولا تَقِل مكاتب الاستقدام تورطًا في منظومة الانتهاك، إذ تعمل في ظل غياب شبه تام للرقابة. تتولى هذه المكاتب استقدام العاملات الوافدات وترتيب سفرهن وتوظيفهن، وكذلك الوساطة بينهن وبين أصحاب العمل. وعادةً ما تفرض هذه المكاتب رسومًا باهظة على العاملات، وتزور العقود، وتعيد توزيعهن دون موافقتهن، في ظروفٍ أشبه بعبودية الديون – أي رهن العمل مقابل سداد دينٍ أو التزامٍ مالي. تقول روزا، وهي عاملة فلبينية: ”أخبروني في مكتب الاستقدام أنهم المسؤولون عني، لا الحكومة. لكنهم منعوني أيضًا من المغادرة حتى أسدد الديون. كنتُ غارقة في الدَّين دائمًا.“

أما الدولة اللبنانية، فقد استبعدت العمل المنزلي من نطاق قانون العمل، مما رسّخ فكرة أنّ هذا القطاع ”استثنائي“ وخارج نطاق التنظيم والمساءلة. تتنصّل الوزارات من المسؤولية: فوزارة العمل تزعم أن الأمر لا يدخل ضمن اختصاصها، والأمن العام يفضّل الترحيل على العدالة، والقضاء يتعامل مع الانتهاكات كخلافاتٍ شخصية بين صاحب العمل والعاملة.

ينتج عن كل ذلك منظومة يغيب فيها مبدأ المساءلة على جميع المستويات؛ فصاحب العمل، ومكتب الاستقدام، والدولة ذاتها جميعهم شركاء في الانتهاك، لكن أحدًا منهم لا يُحاسَب، فيما تظل العاملات الوافدات عالقات في دوائرٍ متكرّرة من الاستغلال دون سبيلٍ حقيقي إلى العدالة.

فجوة غياب المساءلة في الواقع العملي

إذا كان نظام الكفالة يُؤسّس للإفلات من العقاب، فإنّ السعي اليومي وراء العدالة يكشف هذا الإفلات بوضوح. تواجه العاملات في الخدمة المنزلية في لبنان عقباتٍ بنيوية هائلة في سبيل تحصيل حقوقهن. فالوصول إلى المحاكم شبه مستحيل؛ إذ عادةً ما تفتقر العاملات إلى الدعم القانوني باللغة العربية اللازم لسير الدعوى، ناهيك عن عجزهن عن تحمّل رسوم التقاضي، ومواجهة التهديدات من أصحاب العمل الذين يحتجزون جوازات سفرهنّ وتصاريح إقاماتهنّ. وحتى حين تُرفع القضايا رسميًا، غالبًا ما تُرحَّل العاملة قبل انتهاء الإجراءات، بما يضمن عمليًا عدم تحقيق العدالة.

ويُظهر تعامل الشرطة حجم الإفلات من العقاب أيضًا؛ فكثيرٌ من عناصرها يرفضون تلقي الشكاوى بوصفها ”مسائل شخصية“ بين صاحب العمل والعاملة. وغالبًا ما تُعامل البيوت الخاصة على نحوٍ خاطئ كأنها أماكن خارجة عن سلطة القانون، مما يعزز فكرة أنّ الانتهاكات التي تقع داخل المنازل لا تخضع للمساءلة القضائية.

تروي الشابة أليم، وهي من سيراليون: ”حين ضربني صاحب العمل، ذهبتُ إلى مركز الشرطة بمساعدة أحد الجيران. قال الضابط: هذا منزل كفيلك، لا يمكننا التدخل. طُلب مني إما الطاعة أو مغادرة لبنان“. حين سعت أليم إلى العدالة، خُيرت بين الصبر أو تحمل المعاناة.

وفي غياب المساءلة الرسمية، تملأ مكاتب الاستقدام هذا الفراغ بأساليبها الخاصة في السيطرة. فكثيرٌ من العاملات اللواتي يهربن من الانتهاك يجدن أنفسهنّ مجددًا في مكاتب الاستقدام، حيث يُجبرن على العودة إلى أصحاب العمل أو يُرسلن إلى منازل أخرى دون أي تحقيقٍ في الانتهاكات السابقة. تعمل هذه المكاتب بوصفها حراسًا للنظام ومنفّذين له في الوقت نفسه، بينما تظل الدولة غائبة تمامًا عن المشهد.

تحاول المنظمات غير الحكومية سدّ هذه الفجوة عبر مراكز الحماية والوساطة والدفاع الحقوقي، غير أنّ تدخلها يبقى ذا طابعٍ إسعافي لا يعالج جوهر المشكلة؛ فهي لا تملك صلاحية استرداد الأجور، أو ملاحقة المعتدين قضائيًا، أو تفكيك بنية الاستغلال المنهجية. وهكذا تستمر الحلقة المفرغة: الدولة تُصر أنّ العاملات ”محميات“ عبر الآليات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني، فيما وجود هذه الآليات نفسه دليلٌ على امتناع الدولة عن أداء واجبها فيما يتعلق بالمساءلة. وبهذا المعنى، تتحوّل الحماية عمليًا إلى بديلٍ عن العدالة.

لماذا يُعد الانتقال من الحماية إلى المساءلة ضرورة لا خيار

الانتقال من إطار ”الحماية“ إلى إطار ”المساءلة“ لا يتعلق باللغة فحسب، بل بجوهر العدالة ذاتها. فالحماية تسأل: كيف نحمي العاملات من الأذى؟ أمّا المساءلة فتسأل: لماذا وقع الأذى أصلًا؟ من قصّر في منعه؟ وما سُبل الانتصاف المتاحة لمن انتُهكت حقوقهن؟

تأتي أهمية هذا التمييز من كون الحماية، كما تُمارَس في لبنان، تُكرّس التبعية والخضوع بدلًا من إنهائها. يتم ”إنقاذ“ العاملات من المنازل التي تعرضن فيها لإساءة، وتُؤمَّن لهنّ مراكز الحماية، لكن نادرًا ما تُعاد إليهنّ أجورهن. تتم حمايتهن من العنف، لكن غالبًا ما يكون الثمن هو الاحتجاز أو الترحيل. وبهذه المقاربة، تبقى العاملة موضوعًا للرعاية لا صاحبةَ حقٍّ.

في المقابل، تُقرّ المساءلة بأنّ العاملات في الخدمة المنزلية صاحباتُ حقوقٍ كاملة، وتطالب بآليات تنفيذية تُمكّن من ملاحقة المعتدين قضائيًا، وتنظّم عمل مكاتب الاستقدام، وتحاسب الدولة على تقصيرها في الرقابة. كما تنقل عبء المسؤولية من العاملة (التي يُطلب منها ”الهروب“ أو ”طلب الحماية“ أو ”إثبات الانتهاك“) إلى الهياكل والمؤسسات التي تُكرّس الإفلات من العقاب. 

ولا تُعدّ هذه المسألة قضيةً عمالية فحسب، إذ تعكس معاملة لبنان للعاملات الوافدات أزمة المساءلة الأوسع في البلاد: من الفساد وسوء الإدارة إلى تفجير مرفأ بيروت، حيث أصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة لا الاستثناء. إنّ المطالبة بالمساءلة في ملف العاملات هي في جوهرها مواجهةٌ لثقافةٍ سياسيةٍ أوسع تفضّل السلطة على العدالة. وفي نهاية المطاف، إنّ تجاوز منطق ”الحماية“ يعني رفض القبول بالنجاة بوصفها حلًا كافيًا، والمطالبة بالعدالة بوصفها حقًا لا منّة.

نحو أجندةٍ وطنيةٍ للمساءلة

كيف يمكن تجسيد المساءلة عمليًا؟ بالنسبة للعاملات الوافدات في الخدمة المنزلية في لبنان، تعني المساءلة تجاوز أنصاف الحلول، ومواجهة البُنى العميقة التي تسمح باستمرار الانتهاكات. وهي تعني أيضًا إعادة المسؤولية إلى عاتق الدولة، حيث يجب أن تكون.

أولًا، على لبنان أن يُوسّع نطاق قانون العمل ليشمل العمل المنزلي. فاستثناء هذا القطاع هو خرافة قانونية تشرعن الاستغلال. حالة سارة، التي عملت ثلاث سنواتٍ دون أجرٍ ودون أي سبيلٍ للإنصاف، كانت ستُعدّ انتهاكًا واضحًا لو أنها تعمل في أي قطاعٍ آخر. المساءلة تقتضي أن تتمتع العاملات المنزليات بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها سائر العمال: عقود قابلة للتنفيذ، أجور يمكن الحصول عليها، وحماية قانونية من الفصل التعسفي أو الاحتجاز.

ثانيًا، يجب إخضاع مكاتب الاستقدام لرقابةٍ صارمة ومحاسبتها على ممارساتها غير القانونية. فقصص مثل قصة روزا، التي أُجبرت على العمل تحت وطأة الدَّين لدى مكتب استقدام يتحكم في مصيرها، تُبرز الحاجة الملحّة إلى نظام ترخيص ورقابة وعقوبات رادعة. ينبغي إغلاق مكاتب الاستقدام التي تمارس الخداع أو الاتجار بالبشر أو الابتزاز، وعدم السماح بوجودها.

ثالثًا، لا بدّ من ضمان الوصول الفعلي إلى العدالة، فحالات مثل مريم وأليم تُظهر كيف يتم غض النظر عن العنف والاحتجاز وسرقة الأجور من قبل الشرطة والقضاة باعتبارها ”شؤونًا خاصة“. يتطلب تحقيق العدالة تدريب الأجهزة الأمنية والقضائية على التعامل مع هذه الأفعال كجرائم جنائية لا كخلافاتٍ تعاقدية. كذلك، يجب ألا تتعرض العاملة للترحيل بسبب مطالبتها بحقها؛ إذ إنّ توفير مسار قانوني يسمح لها بالبقاء في البلاد خلال سير الدعوى يُعدّ حدًّا أدنى من متطلبات المساءلة.

وأخيرًا، ينبغي للبنان أن يُعلن التزامه الدولي من خلال المصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (189) بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين وتنفيذها فعليًا. ورغم أن المصادقة وحدها لن تنهي الانتهاكات، لكنها ستكرّس مبدأ أن العمل المنزلي هو عملٌ يستحق الحماية والمساواة والكرامة والعدالة.

إنّ المساءلة لا تعني إنشاء المزيد من مراكز الحماية أو الخطوط الساخنة، بل بناء منظومةٍ تُنفّذ فيها الدولة القوانين، ويُحاسَب المعتدون، وتقف فيها العاملات الوافدات أمام القضاء كصاحباتِ حقٍّ لا كمستجيرات. هن لا يطلبن الشفقة، بل الاعتراف القانوني بحقوقهن، وهو ما قالته إحداهن بوضوح: ”لا أريد حماية، أريد أن ينظر القانون في أمري“. ما لم تُبنَ مقاربة لبنان على أساس المساءلة، ستبقى الحماية مجرد وعد أجوف. وما تحتاجه البلاد اليوم ليس خطابًا جديدًا، بل سيادة القانون، ودولةً تملك الإرادة لتطبيقه.

ياسمين ليليان دياب: خبيرة في برنامج الاقتصادات الشاملة في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، يتركز عملها على قضايا الهجرة

: اقرأ التالي

تتناول عدة تحقيقات رئيس الوزراء اللبناني السابق نجيب ميقاتي وعددًا من شركائه في لبنان وخارجه، على…

يغيب أهالي السجناء عن القوانين واللوائح المنظمة للسجون في مصر، رغم أنهم جزء من منظومة احتجاز…

تحدى الصحفي اللبناني مهدي كريّم إنذارات الإخلاء ليزور مسقط رأسه في مدينة صور جنوب لبنان، ليجد…