منذ أن وسعت إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان في سبتمبر، يقف الشرق الأوسط على شفا صراع إقليمي واسع النطاق بدأت تتصاعد بوادره في تبادل الصواريخ بين إسرائيل وكلٍ من العراق وسوريا وإيران واليمن. خلال العام الماضي، اتسمت ردود فعل الدول الغربية بالفتور تجاه الفظائع في غزة، رغم الأعداد الكبيرة من الضحايا المدنيين والدمار الهائل الذي حل بالقطاع. وبعد مرور أكثر من شهر على الحرب الشاملة في لبنان، بات واضحًا أن إسرائيل تتبع التكتيكات نفسها، حيث تستخدم العنف بغرض إحداث معاناة إنسانية واسعة النطاق. وإذا كان التاريخ يقدم درسًا، فإن هذا النهج سيؤدي أيضًا إلى تسريع وتفاقم انهيار الدولة.
تكرر إسرائيل في غزوها لبنان نفس جرائم الحرب التي ارتكبتها في غزة. وثقت تقارير عديدة استعمال ”الضربات المزدوجة“ التي تستهدف غالبًا العاملين على الخطوط الأمامية، ما أسفر عن مقتل صحفيين، وتدمير عدة قرى، وسقوط أكثر من 160 ضحية من عمال الطوارئ، واستهداف مباشر للمستشفيات وتدميرها، فضلاً عن الهجمات التي طالت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وقد صرح الجيش الإسرائيلي أن استخدامه للقوة المفرطة هو أسلوب للسيطرة على السكان، معلنًا أن الهدف الرسمي من عملياته هو القضاء على حماس في غزة وحزب الله في لبنان.
قُتل أكثر من 3000 شخص منذ بدء التصعيد الإسرائيلي على لبنان يوم ٢٣ سبتمبر، كما نزح أكثر من 1.2 مليون شخص، حيث استهدفت الضربات الإسرائيلية معظم أراضي البلاد، بما في ذلك جنوب لبنان والبقاع وبيروت وجبل لبنان وجبيل وشمال لبنان.
الهدف الرسمي الذي شنت إسرائيل الحرب لتحقيقه هو تدمير القدرة العسكرية لحزب الله لضمان أمن حدودها. ولذلك، بعد عدة أيام من توسيع الهجمات، أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجمهور اللبناني خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة أن إسرائيل ”ليست في حالة حرب معكم“. لكن نتنياهو عاد يوم 8 أكتوبر ليهدد اللبنانيين بأنهم إذا لم يطردوا حزب الله، فإنهم سيواجهون ”الدمار والمعاناة كما نراها في غزة“.
هذا التهديد الصريح بالعقاب الجماعي للسكان المدنيين يعد محاولة واضحة للتدخل في السياسة الداخلية للبنان، ويهدف إلى تقويض توازن القوى بين الأطراف اللبنانية المختلفة. تعيد تصريحات نتنياهو للأذهان ما حدث عام 1982 عندما حاولت إسرائيل، وفشلت، في فرض إرادتها السياسية بالقوة العسكرية. قد لا تنجح إسرائيل في تحقيق أهدافها هذه المرة أيضًا، لكنها ستتسبب حتمًا في أزمة إنسانية كبيرة مع استمرار ردود الأفعال غير الجادة من القوى الغربية.
معاناة إضافية
قد يتساءل اللبنانيون، ولهم الحق، عن ازدواجية معايير المجتمع الدولي في تعاطيه مع إسرائيل وروسيا، وهم يشاهدون العنف والدمار المستمر في بلادهم، إلى جانب تجاهل سيادة لبنان الوطنية، حيث لم تتحرك القوى الغربية لفرض العقوبات ضد إسرائيل بالسرعة التي تحركت بها ضد روسيا بعد غزوها أوكرانيا.
الحملة الإسرائيلية تضاعف معاناة شعب أنهكته الأزمات منذ عام 2019، من تضخم هائل ألقى بـ80% من السكان تحت خط الفقر، إلى انفجار مرفأ كارثي أودى بحياة أكثر من 200 شخص وشرد الآلاف، مرورًا بانهيار مؤسسات الدولة وعجز السياسات. ويزيد بؤس اللبنانيين وجود حكومة تصريف أعمال عاجزة تمامًا، لم تظهر أي استعداد لهذا الصراع.
وسط هذه الكارثة الإنسانية، تحذر منظمة الصحة العالمية من أن لبنان قد يكون على أعتاب تفشٍّ واسع للكوليرا. الدمار هنا هائل، حيث دُمرت قرى بأكملها، وأُجبرت آلاف العائلات على النوم في العراء، مما فاقم الضغوط على المجتمعات المضيفة وأدى إلى تصاعد التوترات الطائفية.
قصة مألوفة
عندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982، برّر مندوبها في الأمم المتحدة هذه الخطوة بأنها ممارسة للحق في الدفاع عن النفس، تحت هدف إزالة منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان. لكن في الحقيقة، كانت الطموحات الإسرائيلية أوسع بكثير، حيث سعت إلى التأثير في السياسة اللبنانية من خلال دعم ترشّح بشير الجميل للرئاسة، وهو الزعيم الماروني البارز الذي أقام علاقات وثيقة مع إسرائيل.
أُحبطت هذه الطموحات عندما اغتيل الجميل في سبتمبر 1982. ومع وفاته، أصبح الوجود الإسرائيلي في لبنان بمثابة محور تدور حوله جولات جديدة من العنف. قام حينها الجيش الإٍسرائيلي بحصار بيروت، وشارك في مذبحة الفلسطينيين الأبرياء في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين، ودعم ميليشيا ارتكبت فظائع ضد اللبنانيين. لم تؤد عملية إسرائيل للـ”دفاع عن النفس“ إلى خلق بلد أكثر أمنًا بل أطلقت جولات متتالية من العنف.
رحّب بعض اللبنانيين بالوجود الإسرائيلي عام 1982، على الأقل في البداية، إلا أن سنوات الاحتلال التي امتدت إلى 17 عامًا عمّقت العداء الشعبي له، مما أضفى الشرعية على حزب الله كقوة مقاومة للاحتلال، خاصة عندما قام الجيش الإسرائيلي بعمليات ضد الحزب عامي 1992 و1996. ثم انسحبت إسرائيل من لبنان عام 2000، وهو الأمر الذي حاز شعبية بين الجمهور الإسرائيلي ولكنه بقي جرحًا سياسيًا مفتوحًا في الأوساط الأمنية لأنه اعتُبر استسلامًا لحزب الله، ليمهد المشهد لعقود قادمة من الصراع.
تبع ذلك سنوات من التوتر والتصعيد المحدود بين حزب الله وإسرائيل، وصولًا إلى حرب 2006 التي أدت إلى مقتل أكثر من ألف لبناني ونزوح حوالي مليون شخص من جنوب لبنان. ومع ذلك، فإن الدمار الذي شهدته الأسابيع الأولى من الحرب الحالية فاق بكثير ما حدث في 2006.
وفي ظل ضعف احتمالات أن يتوقف إطلاق النار قريبًا، تلوح في الأفق مخاوف من أن تعمّق الحرب الفجوات بين الطوائف والمجموعات اللبنانية المختلفة، خاصة وأن الضربات الإسرائيلية العشوائية طالت مناطق لا تعتبر معاقل لحزب الله، وهو ما قد يهدد تضامن ووحدة اللبنانيين التي نشأت في مواجهة العدوان.
يبيّن تكتيك نتنياهو في إلقاء عبء التخلص من حزب الله على اللبنانيين، بينما يعانون ضربات على مستوى البلاد، أن إسرائيل لا تهتم بالعملية الديمقراطية وتزرع بذور التوتر بين الطوائف. تثير هذه السياسات، على نحو خاص، غضب الإصلاحيين الديمقراطيين السلميين في لبنان الذين دفعوا حياتهم ثمنا لتحدي الحزب.
لقد كانت معارضة حزب الله سمة دائمة في السياسة اللبنانية منذ عام 2005، والتي توجت بظهور بوادر حقيقية للإصلاح في الانتخابات البرلمانية عام 2022. فبعد ثورة أكتوبر 2019 التي دعت إلى سقوط الزعامات والقوى السياسية التقليدية، بما فيها حزب الله، فاز 13 نائبًا مستقلاً بمقاعد في مجلس النواب، وهو أكبر عدد من نوعه في لبنان ما بعد الحرب.
ستذهب جهود القوى السياسية المستقلة سدى، حيث يمكن توقع أن الضرر غير المتناسب الذي تلحقه إسرائيل بالمدنيين سيولد على الأرجح دعمًا أكبر لحزب الله على المدى الطويل. ونتيجة ذلك، سيختفي النقاش العام حول مدى مسؤولية حزب الله عن الصراع الحالي. الشيء نفسه حدث بالفعل خلال حرب 2006، حيث وُصم أولئك الذين لم يقدموا دعماً كاملاً لحزب الله بأنهم متواطئون مع إسرائيل وحلفائها الغربيين.
اليوم تُنْتَقَد حماقة حزب الله لأنه اختار مواصلة الصراع مع حكومة إسرائيلية متهمة بالإبادة الجماعية، ومُنتقدة بشدة من قِبَل أطراف متعددة، بما في ذلك بعض حلفائها السياسيين التاريخيين. لكن مع مرور الوقت، ستخفت الأصوات المناهضة لحزب الله بينما تتسبب إسرائيل في المزيد من المعاناة المدنية العشوائية في لبنان، حيث لا يوجد شك في ذهن اللبنانيين، حتى أولئك الذين يعارضون حزب الله، حول هوية من يعتدي عليهم.
يبدو أن إسرائيل تعيد إنتاج نفس الظروف التي أدت إلى نمو شعبية حزب الله في الثمانينيات والتسعينيات. ومن ناحية أخرى، وبالرغم من كل الموت والدمار الذي تتسبب فيه، لا يزال حزب الله يعمل ويشكل تهديدًا لإسرائيل، حيث يواصل إطلاق النار على الأراضي الإسرائيلية يوميًا، على الرغم من إضعاف قدراته القتالية.
فشل الغرب
تجاهلت حكومة نتنياهو جميع ”الخطوط الحمراء“ الغربية في غزة، مثل غزو رفح، ولذلك ليس غريبًا أن يكون رد الفعل على أعمال إسرائيل في لبنان متعثرًا أيضًا. تأتي إدارة بايدن في مقدمة المتخاذلين، حيث بات دفاعها المستميت عن التصرفات الإسرائيلية مصدرًا للإحراج المستمر في المؤتمرات الإعلامية للبيت الأبيض. وفي أوروبا، تعكس استجابة جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي قال إنه لا توجد قوة قادرة على إيقاف نتانياهو، غياب نية حقيقية لإنهاء العنف. إن عدم استعداد المجتمع الدولي لاتخاذ حتى الحد الأدنى من الإجراءات، مثل تعليق مبيعات الأسلحة لإسرائيل مؤقتًا، كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سيزيد جرأة نتنياهو على مواصلة استخدام العنف بلا حدود.
وصف بيان البيت الأبيض اغتيال نصرالله بأنه تحقيق لـ”العدالة“، متجاهلًا، عن عمد، الظلم الكبير الذي تسبب فيه هذا الاغتيال. فقد دمرت القنبلة التي بلغ وزنها 2000 رطل أربع بنايات سكنية، وكان تأثيرها هائلًا لدرجة أنها حولت العديد من السكان إلى رماد في واحدة من أكثر المناطق السكنية كثافةً في بيروت. لا تُبنى العدالة على الظلم، خاصة إذا كانت العدالة تأتي في شكل هجمات على مناطق مكتظة بالسكان مثل منطقة البسطا في وسط بيروت، حيث أدى هجوم مفاجئ إلى مقتل 22 مدنيًا وإصابة 117 آخرين، وكل ذلك بناء على المبرر الواه بأن أحد مسؤولي حزب الله كان قريبًا من المنطقة. يمكن إضافة الهجمات الإسرائيلية اليومية والمميتة إلى القائمة، مثل الهجوم في حي الجناح في بيروت الذي أسفر عن مقتل 18 مدنيًا، أو الهجوم الذي سوّى مبنى سكنيًا في عين الدلب بالأرض، مما أدى إلى مقتل أكثر من 70 شخصًا، أو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 22 شخصًا عند استهداف مبنى سكني في بلدة أيطو، التي تقع في الشمال، وتبعد أكثر من 200 كيلومتر عن الحدود مع إسرائيل.
تُظهر هذه الغارات أن أرواح اللبنانيين الأبرياء لا تعني شيئًا، حيث تقدم الحكومة الإسرائيلية مبررات واهية لشنها، تشبه كثيرًا تلك التي استخدمتها في غزة. فقد فعلت الشيء نفسه عندما ادعت أن مستشفى الساحل في الضاحية الجنوبية لبيروت يحتوي على مخبأ تحت الأرض لتخزين الذهب والأموال لحزب الله، دون تقديم أي دليل. وبعد أن بحثت عدة وسائل إعلام في المستشفى ولم تجد شيئًا، ألغى الجيش الإسرائيلي الهجوم، رغم أن المستشفى كان قد أُخلَى من مرضاه.
ما نعرفه بناء على مراقبة تعامل إسرائيل مع غزة، أن لدى إسرائيل الإرادة والحرية والدعم المادي لإحداث دمار أكبر بكثير. وفي الواقع، تُظهر زيادة شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في استطلاعات الرأي منذ بدء الهجمات على لبنان أن هناك قبولًا واسعًا لهذه العمليات داخل إسرائيل، ما يعكس قلة الاهتمام بالتداعيات السلبية للحرب. ولذلك، يبدو أن مصير نتنياهو السياسي، وهو الذي يهيمن على السياسة الإسرائيلية منذ 13 عامًا، قائمًا على جثث اللبنانيين والفلسطينيين.
غالبًا، سيوفر هذا الصراع لحزب الله كل الذرائع التي يحتاجها لتبرير استمرار وجوده العسكري، مما يجعل مهمة إصلاحيي لبنان شبه مستحيلة. لن تقع مسئولية الكوارث الكثيرة التي ستنتج عن هذا النزاع على عاتق حزب الله وإسرائيل وحدهما، ولكن أيضًا على الدول الغربية التي رفضت استخدام قوتها الدبلوماسية لتطبيق أبسط مبادئ القانون الدولي؛ وهي المبادئ نفسها التي سارعت إلى حمايتها عندما غزت روسيا أوكرانيا في عام 2022.
يستحق اللبنانيون ما هو أفضل من أن يُضحى بجهودهم لتحقيق الديمقراطية بسبب جبن وتخاذل الدول الغربية التي تتقاعس عن فرض عقوبات على حكومة يرأسها شخص يسعى فقط للبقاء السياسي عبر العنف الذي يزعزع استقرار المنطقة بأكملها.
درو مخايل زميل غير مقيم في معهد التحرير يعمل على مواضيع متعلقة بالهجرة والنزوح في الشرق الأوسط.